الْقبُول لُغَة: مصدر قبل الشَّيْء وتقبله.
وَهُوَ يرد لمعانٍ.. مِنْهَا: أَخذ الشَّيْء عَن طيب خاطر.
تَقول: قبلت الْهَدِيَّة أقبلها قبولًا. إِذا أَخَذتهَا.
والرضاء بالشَّيْء: تَقول: قبلت الشَّيْء أقبله قبولًا، إِذا رضيته وميل النَّفس إِلَى الشَّيْء. تَقول: على فلَان قبُول، إِذا قبلته النَّفس. وَفِي الحَدِيث: "ثمَّ يوضع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض "١.
وَهُوَ بِفَتْح الْقَاف: الْمحبَّة والرضاء بالشَّيْء، وميل النَّفس إِلَيْهِ.
كَمَا يَأْتِي الْقبُول: وَيُرَاد بِهِ الصِّبَا - وَهِي: ريح تقَابل الدبور. قَالَ الأخطل:
( فَإِن الرّيح طيبَة قبُول)
وَيَأْتِي أَيْضا - وَيُرَاد بِهِ الْقَابِلَة من النِّسَاء - وَهِي: الْمَرْأَة الَّتِي تَأْخُذ الْوَلَد عِنْد الْولادَة.
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب بَدْء الْخلق بَاب ٦ ج ٦ص ٣٠٣. وَمُسلم فِي كتاب الْبر بَاب إِذا أحب الله عبدا وضع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض ج١٦ ص ١٨٤ عَن أبي هُرَيْرَة.
[ ٤٤٢ ]
قَالَ الْأَعْشَى: " كصرخة حُبْلَى أسلمتها قبيلها" ويروى: "قبُولهَا" أَي: يئست مِنْهَا ١
وَالْمرَاد هُنَا: الْقبُول للا إِلَه إِلَّا الله وَلما اقتضته بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان وَسَائِر الْجَوَارِح قبولًا منافيًا للرَّدّ فَلَا يرد هَذِه الْكَلِمَة أَو شَيْئا من مقتضياتها، الَّتِي جَاءَ بهَا الْحق بِوَاسِطَة رَسُوله ﷺ، فَإِن الشَّهَادَة قد يَقُولهَا من يعرف مَعْنَاهَا لكنه لَا يقبل مِمَّن دَعَاهُ إِلَيْهَا بعض مقتضياتها إِمَّا كبرا أَو حسدًا أَو غير ذَلِك. فَهَذَا لم يُحَقّق شَرط الْقبُول٢.
والأدلة على هَذَا الشَّرْط من الْكتاب وَالسّنة كَثِيرَة.
مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ وَجه الدّلَالَة: أَن الله تَعَالَى وعد فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ بالنجاة والنصر للْمُؤْمِنين الَّذين قبلوا مَا تضمنته الشَّهَادَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ، بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ، وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ، فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .٤
فَفِي هَذِه الْآيَات - كَمَا نرى - وَعِيد بِالْعَذَابِ الْأَلِيم فِي الْآخِرَة لمن لم يقبل
_________________
(١) انْظُر: لِسَان الْعَرَب مَادَّة قبل ج٣ ص١١ - ١٤ والصحاح للجوهري ج٥ ص١٧٩٥ - ١٧٩٦، ومعجم أَلْفَاظ لقرآن الْكَرِيم ج٢ ص ١٧٤.
(٢) انْظُر: مُخْتَصر العقيدة الإسلامية ص ٣٨.
(٣) آيَة ٤٧ الرّوم.
(٤) آيَة ٣٥ - ٤٣ الصافات.
[ ٤٤٣ ]
معنى لَا إِلَه إِلَّا الله وَمَا تضمنه من الْإِيمَان برسالة مُحَمَّد ﷺ كَمَا أَن فِيهَا وَعدا بالنعيم فِي جنَّات النَّعيم لمن قبل ذَلِك.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب، وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ، أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ١.
فِي هَذِه الْآيَات - أَيْضا - بَيَان بِأَن الْعَذَاب الَّذِي سيذوقه الْكفَّار فِي الْآخِرَة سَببه تكذيبهم مُحَمَّدًا ﷺ وردهم مَا بلغه إِلَيْهِم من معنى الشَّهَادَة.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢.
وَفِي هَذِه الْآيَات - أَيْضا - إِخْبَار بِأَن عَاقِبَة المكذبين بالرسل الْعَذَاب لردهم مَا تضمنته لَا إِلَه إِلَّا الله.
فالآيات - كَمَا نلاحظ - إِمَّا وعد بالنعيم لمن قبل معنى لَا إِلَه إِلَّا الله. أَو وَعِيد بِالْعَذَابِ لمن لم يقبل ذَلِك.
كل ذَلِك دَلِيل على اشْتِرَاط الْقبُول.
هَذِه بعض الْآيَات القرآنية الَّتِي تَضَمَّنت اشْتِرَاط الْقبُول لِمَعْنى الشَّهَادَة.
وَأما من السّنة فَمِنْهَا: مَا روى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ "مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كَمثل غيث أصَاب أَرضًا فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة طيبَة قبلت المَاء فأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير، وَكَانَ
_________________
(١) آيَة ٤ - ٨ ص.
(٢) آيَة ٢ ٣ - ٢٥ الزخرف.
[ ٤٤٤ ]
مِنْهَا أجادب أَمْسَكت المَاء فنفع الله بهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسقوا وزرعوا، وَأصَاب طَائِفَة مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قيعان لَا تمسك مَاء وَلَا تنْبت كلأ. فَذَلِك مثل من فقه فِي دين الله ونفعه مَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعلم وَعلم، وَمثل من لم يرفع بذلك رَأْسا وَلم يقبل هدى الله الَّذِي أرْسلت بِهِ" ١ مُتَّفق عَلَيْهِ.
وَالشَّاهِد: قَوْله " وَلم يقبل هدى الله الَّذِي أرْسلت بِهِ ".
وَمن هَدْيه ﷺ: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله (مَعْنَاهَا ومقتضاها) والْحَدِيث ظَاهر فِي عدم انْتِفَاع من لم يقبل ذَلِك الْهدى. وَعَلِيهِ فَلَا ينْتَفع قَائِل الشَّهَادَة إِذا لم يقبل مَعْنَاهَا ومقتضاها.
وَقَوله ﷺ "من قبل مني الْكَلِمَة الَّتِي عرضتها على عمي فَردهَا عَليّ، فَهِيَ لَهُ نجاة" ٢.
وَالشَّاهِد: قَوْله "من قبل مني الْكَلِمَة " حَيْثُ اشْترط الْقبُول للشَّهَادَة حَتَّى ينجو صَاحبهَا. كل ذَلِك دَلِيل على اشْتِرَاط الْقبُول للشَّهَادَة.
وَبِذَلِك يَتَّضِح أَن الْقبُول للا إِلَه إِلَّا الله وَلما اقتضته يتَحَقَّق بِالْقَلْبِ، وَذَلِكَ بانشراحه لهَذِهِ الْكَلِمَة وَلما اقتضته من أوَامِر ونواهي. وباللسان وَسَائِر الْجَوَارِح، فَلَا يتَكَلَّم أَو يعْمل عملا فِيهِ رد لهَذِهِ الْكَلِمَة أَو شَيْئا من مقتضياتها. وَالله أعلم.
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْعلم بَاب فضل من علم وَعلم ج١ ص١٧٥، وَمُسلم فِي الْفَضَائِل بَاب: مثل مَا بُعِث بِهِ النَّبِي ﷺ ج١٥ ص ٤٦، وَأحمد ج٤ ص ٣٩٩.
(٢) رَوَاهُ أحمدج١ص ٦، والخطيب فِي تَارِيخه ج١ص٢٧٢، وَالْبَزَّار انْظُر: كثف الأستار عَن زَوَائِد الْبَزَّار ج١ص٩، وَأَبُو يعلى فِي مُسْنده ج١ص٢١، وَابْن أبي شيبَة، وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن أبي بكر الصّديق وَصَححهُ. انْظُر: الْجَامِع الْكَبِير للسيوطي ج١ص٨١٥، وكنز الْعمَّال حَدِيث ١٦٤ ج١ص٥٣.
[ ٤٤٥ ]