الانقياد: لُغَة: الخضوع والذل. تَقول قدته فانقاد واستقاد لي - إِذا أَعْطَاك مقادته.
وَفِي حَدِيث عَليّ: قُرَيْش قادة ذادة. أَي يقودون الجيوش. وَهُوَ جمع قَائِد ١.
وَالْمرَاد هُنَا: الانقياد التَّام للا إِلَه إِلَّا الله وَلما اقتضته ظَاهرا وَبَاطنا انقيادًا منافيًا للترك.
وَيحصل الانقياد بِالْعَمَلِ بِمَا فَرْضه الله وَترك مَا حرمه والتزام ذَلِك. لِأَن الْإِسْلَام حَقِيقَة: أَن يسلم العَبْد بِقَلْبِه وجوارحه لله، وينقاد لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَة.٢
_________________
(١) انْظُر: لِسَان الْعَرَب مَادَّة قَود ج٣ ص١٨٤، والصحاح للجوهري مَادَّة قَود ج١ ص٥٢٥، والمعجم الْوَسِيط مَادَّة قَود ج٢ص٧٦٥.
(٢) انْظُر: مُخْتَصر العقيدة الإسلامية ص٥٨.
[ ٤٣٩ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ١.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ ٢.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ ٣.
والآيات - كَمَا نرى - تدل على وجوب الْإِسْلَام لله تَعَالَى.
وَالْمرَاد هُوَ: الاستسلام لله بِالتَّوْحِيدِ والانقياد لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول صلى الله عيه وَسلم عَن ربه ﷾ بِالطَّاعَةِ، وَذَلِكَ بِالْعَمَلِ بِمَا فَرْضه الله وَترك مَا حرمه والتزام ذَلِك. وَلَا ينْتَفع قَائِل لَا اله إِلَّا الله بهَا إِلَّا بِهَذَا الانقياد. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ الْآيَة٤. والعروة الوثقى - كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن جُبَير وَالضَّحَّاك - هِيَ: لَا إِلَه إِلَّا الله ٥.
وكما أَن الاستسلام لله وَاجِب كَذَلِك الاستسلام لرَسُوله ﷺ وَاجِب، فَلَا يُسمى الْإِنْسَان مُؤمنا إِلَّا بِهِ وَلذَا أقسم الْحق بِنَفسِهِ مؤكدًا هَذَا الْوَاجِب. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٦.
قَالَ ابْن الْقيم - فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة - أقسم سُبْحَانَهُ على نفي الْإِيمَان عَن الْعباد حَتَّى يحكموا رَسُول الله ﷺ فِي كل مَا شجر بَينهم"٧.
_________________
(١) آيَة ٥٤ الزمر.
(٢) آيَة ١٢٥ النِّسَاء.
(٣) آيَة ٣٠ فصلت.
(٤) آيَة ٢٢ لُقْمَان.
(٥) انْظُر: تَفْسِير ابْن عَبَّاس ج٤ ص٢١٩، وَابْن كثير ج١ ص٣١١.
(٦) آيَة ٦٥ النِّسَاء.
(٧) إِعْلَام الموقعين ج١ ص٥١.
[ ٤٤٠ ]
وَقَالَ الدكتور عبد الْحَلِيم مَحْمُود: "والتحكيم إِذا كَانَ لرَسُول الله ﷺ حَال حَيَاته فَإِنَّهُ لسنته وتعاليمه بعد انْتِقَاله إِلَى الرفيق الْأَعْلَى"١.
هَذِه بعض الْأَدِلَّة من الْكتاب.
أما من السّنة: فَمِنْهَا قَوْله ﷺ: "من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ أطَاع بهَا قلبه وذل بهَا لِسَانه، وَشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرمه الله على النَّار" ٢.
وَقَوله ﷺ: "لَا تزَال لَا إِلَه إِلَّا الله تَنْفَع من قَالَهَا وَترد عَنْهُم الْعَذَاب والنقمة مَا لم يستخفوا بِحَقِّهَا". قَالُوا: يَا رَسُول الله وَمَا الاستخفاف بِحَقِّهَا؟ قَالَ: "أَن يظْهر الْعَمَل بمعاصي الله فَلَا يُنكر وَلَا يُغير" ٣.
وَقَوله ﷺ: "لَا يحل دم امْرِئ مُسلم يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث: الثّيّب الزَّانِي وَالنَّفس بِالنَّفسِ، والتارك لدينِهِ المفارق للْجَمَاعَة" ٤.
هَذِه الْأَحَادِيث - كَمَا نرى - تدل على وجوب الانقياد للا إِلَه إِلَّا الله إِذْ فِي الحَدِيث الأول وعد لمن انْقَادَ بِأَن يحرمه الله على النَّار وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّالِث - وَعِيد لمن لم ينقاد - فِي الحَدِيث الثَّانِي: بِعَدَمِ نفع لَا إِلَه إِلَّا الله. وَالثَّالِث: بِإِبَاحَة دَمه.
وَهَذَا الانقياد الْمَشْرُوط للا إِلَه إِلَّا الله. لَا يكون تَاما كَامِلا إِلَّا بِاتِّبَاع
_________________
(١) دَلَائِل النُّبُوَّة ومعجزات الرَّسُول (ﷺ) ص ٢٦٤.
(٢) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن سعد ابْن عبَادَة. انْظُر: كنز الْعمَّال حديت ٢٠٧، وَالْجَامِع الْكَبِير للسيوطي ج١ص٨١٠.
(٣) رَوَاهُ الْحَاكِم والأصبهاني عَن إبان عَن أنس انْظُر: الْجَامِع الْكَبِير للسيوطي ج١ص ٨٨٩، وكنز الْعمَّال حَدِيث ٢٢٣ ج ١ص ٦٣، وَالتَّرْغِيب والترهيب ج٣ ص ٢٣١.
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الدِّيات بَاب قَوْله تَعَالَى:: ﴿النَّفس بِالنَّفسِ﴾ جـ١٢ ص ٢٠١ وَمُسلم فِي الْقسَامَة بَاب مَا يُبَاح بِهِ دم الْمُسلم جـ١١ ص ١٦٤، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ انْظُر: جَامع الْأُصُول حَدِيث ٧٧٢٩ جـ١٠ ص ٢١٣ (الْمَتْن والحاشية) .
[ ٤٤١ ]
جَمِيع مَا بلغه رَسُول الله ﷺ حَتَّى يكون هَوَاهُ وَهُوَ مَا تميل إِلَيْهِ النَّفس. تبعا لما جَاءَ بِهِ الْمُصْطَفى ﷺ.
وَلذَا قَالَ ﷺ "لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ " ١. وَالْمرَاد نفي الْإِيمَان الْكَامِل.
وَفِي رِوَايَة "لن يستكمل مُؤمن إيمَانه حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ " ٢.
_________________
(١) رَوَاهُ الْخَطِيب فِي تَارِيخه ج٤ ص ٣٦٩، والحكيم وَأَبُو نصر السجْزِي فِي الْإِبَانَة عَن ابْن عَمْرو وَقَالَ: حسن غَرِيب. انْظُر: الْجَامِع الْكَبِير للسيوطي جـ١ ص ٩١٨.
(٢) رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي التَّرْغِيب عَن ابْن عمر. انْظُر: الدّرّ المنثور ج٢ ص ١٧.
[ ٤٤٢ ]