السؤال الأول: قرأت كثيرًا عن التوكل، ولكن عندي شبهات أرجو كشفها، وهي: هل التوكل يرد المقدور؟ وهل التوكل يؤدي إلى وقوع المقدور حسب ما يريد العبد؟ وهل معنى الحسب والكفاية في قوله تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، وقوله: "أليس الله بكاف عبده" أن يقضي الله الخير للعبد حيث كان ثم يُرضيه به، وإن كان في قالب ضراء في نظر العبد القاصر بخفايا الأمور ومآلاتها، وأن تكون العاقبه له ولو بعد حين كما قال تعالى: "والعاقبة للمتقين"؟ وكيف نجمع بين قوله ﵊: "احفظ الله يحفظك"، وقوله تعالى: "والله يعصمك من الناس" وبين أنهُ سُحِرْ وقد شجًَت رباعيته يوم أحد وهناك من أهل العلم من يقول: إنه قتل بالشاة المسمومة؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالتوكل وغيره من الأسباب الشرعية كالدعاء وتقوى الله تعالى والاستغفار، مما يُستدفع به المقدور المكروه، ويُستجلب به المقدور المحبوب، بل هو من أعظم أسباب ذلك، قال الشيخ حافظ حكمي في معارج القبول: ليس في فعل الأسباب ما ينافي التوكل مع اعتماد القلب على خالق السبب، وليس التوكل بترك الأسباب، بل التوكل من الأسباب وهو أعظمها وأنفعها وأنجحها وأرجحها. اهـ.
وفي (زاد المعاد) لابن القيم: القدر يُدفع بعضه ببعض، كما يُدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الذنوب بالتوبة، وقدر العدو بالجهاد، فكلاهما من القدر والله يلوم على العجز ويحب الكيس ويأمر به، والكيس هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده، فهذه تفتح عمل الخير، وأما العجز فإنه يفتح عمل الشيطان. اهـ.
وقال في (مدارج السالكين): من صدق توكله على الله في حصول شيء ناله. اهـ. قلتُ من صدق توكله على الله في حصول شيء ناله مالم تكن المصلحة خلافه.
ومن الوقائع النبوية في دفع المكروه بصدق التوكل على الله تعالى ما رواه جابر بن عبد الله قال: قاتل رسول الله ﷺ محارب بن خصفة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله صلى الله عليه
[ ٣٧ ]
وسلم بالسيف فقال: من يمنعك مني؟! قال: الله ﷿. فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله فأتى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له.
وفي ذلك نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿المائدة: ١١﴾
قال ابن كثير: يعني: من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس وعصمه. اهـ.
ومن ذلك أيضا رد النبي ﷺ على أبي بكر حين قال له في الغار أثناء الهجرة: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال صلوات الله وسلامه عليه: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما. متفق عليه.
وفي ذلك نزل قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿التوبة: ٤٠﴾.
ويدل على عموم هذا المعنى الآيتان اللتان ذكرهما السائل، قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴿الزمر: ٣٦﴾
قال البغوي يعني: محمدًا ﷺ، وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي: (عباده) بالجمع يعني: الأنبياء ﵈، قصدهم قومهم بالسوء كما قال: (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه) "غافر: ٥" فكفاهم الله شر من عاداهم. اهـ.
وقوله سبحانه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿الطلاق: ٣﴾
قال العلامة ابن عاشور في (التحرير والتنوير): وجملة ﴿إن الله بالغ أمره﴾ في موضع العلة لجملة ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، أي لا تستبعدوا وقوع ما وعدكم الله حين ترون أسباب ذلك مفقودة، فإن الله إذا وعد وعدا فقد أراده، وإذا أراد الله أمرًا يسر أسبابه. ولعل قوله: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ إشارة إلى هذا المعنى، أي علم الله أن يكفي من يتوكل عليه مهمَّه فقدر لذلك أسبابه كما قدر أسباب الأشياء كلها، فلا تشكوا في إنجاز وعده، فإنه إذا أراد أمرًا يسر أسبابه من حيث لا يحتسب الناس وتصاريف الله تعالى خفية عجيبة. اهـ.
وهنا لابد من التنبيه على أن تحقيق هذا الوعد الكريم لا يعلم كيفيته وموعده إلا الله، فلا يقال: كيف ولا متى؟ ولكن يوقن بذلك وينتظر الفرج ويرضى بتدبير الله له، ولهذا خُتِمت الآية بما ختِمت به، قال السعدي: ﴿فهو حسبه﴾ أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: ﴿إن الله بالغ أمره﴾ أي: لا بد من نفوذ
[ ٣٨ ]
قضائه وقدره، ولكنه ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ أي: وقتا ومقدارًا، لا يتعداه ولا يقصر عنه اهـ.
ووعود الله الكريمة للمؤمنين تتحقق بالطريقة التي تتفق مع الحكمة من الخلق، وهي الابتلاء والامتحان، والتمييز والتمحيص.
وأما الجمع بين قوله تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴿المائدة:٦٧﴾ وحديث: "احفظ الله يحفظك"، وبين ما أصاب النبي ﷺ في بدنه من بلاء، فقال ابن عادل في (اللباب): الجواب أن قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) المراد به عصمة القلب والإيمان لا عصمة الجسد عما يرد عليه من الأمور الحادثة الدنيوية، فإنه ﵇ قد سحر وكسرت رباعيته ورمي عليه الكرش والثرب وآذاه جماعة من قريش اهـ.
وقال أحد أهل العلم عن ذات الإشكال: نظرًا لشدة عداوة الكفار للنبي ﷺ، وكثرتهم وقوتهم، وحرصهم على قتله ﷺ والتخلص منه بكل وسيلة اتخذ النبي ﷺ الحرس في بداية الأمر كما تُمليه السنن الكونية والطبيعة البشرية .. فلما نزل عليه قول الله ﵎: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴿المائدة: ٦٧﴾. ترك الحرس فلم يصل إليه عدوّ بقتل ولا أسر ولا قهر .. مع كثرة الأعداء وكثرة محاولاتهم، والأمثلة على ذلك كثيرة ثابتة فمنها محاولة عمير بن وهب وصفوان بن أمية، ومحاولة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس، ومحاولة بني قينقاع، ومحاولة اليهودية التي أهدت للنبي - ﷺ - ذراع الشاة المسمومة، وهي ثابتة في كتب السنة، ولكن الله ﷾ عصمه من تلك المحاولات ومن غيرها، وقد استشكل بعضهم أن اليهود سحروه ووضعوا له السم وأن قريشًا شجوه وكسروا رباعيته ولا إشكال في ذلك، فما أصابه ﷺ من الآلام والأذى في سبيل الله إنما هو لرفع درجاته وتعظيم أجره عند الله تعالى، وليتأسى به الدعاة والعلماء المصلحون .. من بعده. فالله ﷾ ضمن له العصمة والسلامة من القتل والأسر وزوال العقل وتلف الجملة .. حتى يبلغ رسالته ويكمل دينه، وأما عوارض الأذى فلا تمنع عصمة الجملة، ولم تكن تهم النبي ﷺ، وإنما كان الذي يهمَه هو الخوف من القضاء على شخصه قبل أن يبلغ رسالة ربه، وعندما أكمل الله الدين لعباده وأتم عليهم نعمته بكمال تشريعه وأصبح رجال الإسلام الذين تعهدهم النبي ﷺ بالتربية قادة قادرين على حمل الدين وتبليغه أجرى الله تعالى على نبيه ﷺ سنته الماضية في خلقه، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿آل عمران: ١٨٥﴾. وبدأ النبي ﷺ يحس بأن مهمته في هذه الحياة قد انتهت، وأنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده فأشار إلى ذلك في حجة الوداع عندما خطب في تلك الجموع الحاشدة، فبين لهم شرائع الإسلام وأوصاهم وصية مودع .. وقال: لعلي لا ألقاكم في موضعي هذا بعد عامي هذا!. فلم يكن موته ﷺ فجأة ولا بسبب قتل أو اغتيال وإنما كانت موتة طبيعية بسبب الحمى والصداع
[ ٣٩ ]
الذي كان من أسبابه آثار تلك الأكلة المسمومة التي تناولها بخيبر، فلم تؤثر عليه في ذلك الوقت، فقاد الجيوش بعد ذلك ودخل المعارك الكبرى وانتصر فيها، وفاوض الأعداء، واستقبل الوفود، ومارس حياته العادية اليومية بصورة طبيعية حتى وافاه الأجل المحتوم بصورة طبيعية، وتأثير السم عليه بعد ذلك عند نهاية الأجل إنما هو لرفع درجاته وعلو منزلته عند الله تعالى، ولينال بذلك مقام الشهداء، وبهذا نعلم أنه لا تعارض بين عصمة الله تعالى لنبيه ﷺ، وبين ما لقيه ﷺ من الأذى.
وقال الشيخ ابن باز عن نفس هذا الإشكال ما يلي: لم يترتب على ذلك شيء مما يضر الناس أو يُخل بالرسالة أو بالوحي، والله جل وعلا عصمه من الناس مما يمنع وصول الرسالة وتبليغها، أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء فإنه لم يعصم منه ﵊، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جرح يوم أحد، وكسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقا شديدًا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ. اهـ. والله أعلم.
وأما ما وقع للأنبياء والأولياء من أنواع الابتلاء فلا يُقال أنه من ضعف التوكل، ولا يدل على نقصه عندهم؛ بل التوكل عقيدة سابقة للمخوف يريدها الله من العبد، ومن منافعها أن تكون عونا له على تحمل ما يحذره ويخافه، وما يقع بعد ذلك منه إنما هو ابتلاء وامتحان، أو كفارة ورفع درجة، تزيد الإيمان والتقوى؛ قال تعالى: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما".
وللعلم حفظ الله للعبد ليس المراد به حفظه في بدنه وأهله وماله فحسب بل يشمل حفظ دينه وحفظه من الزيغ والضلال بعد الهداية والإسلام والله أعلم.