ألغاه، فلا يُلتفت إليه.
وقالت فرقة أخرى: إنما حَجَّه لأنه لامه في غير دار التكليف، ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه.
وهذا أيضًا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنّ آدم لم يقل له: لُمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: أتلومني على أمر قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق. فلم يتعرّض للدار، وإنما احتج بالقدر السابق.
الثاني: أنّ الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة.
وقالت فرقة أخرى: إنما حَجَّه لأن آدم شهد الحُكْمَ وجريانه على الخليقة، وتفرُّدَ الربّ سبحانه بالربوبية، وأنه لا تتحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه، وأنه لا رادّ لقضائه وقدره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
قالوا: ومشاهدةُ العبدِ الحُكْمَ لا يدع له استقباح سيئة؛ لأنه يشهد نفسه عدمًا محضًا، والأحكام جارية عليه، مُصَرِّفة له، وهو مقهور مربوب مُدَبَّر، لا حيلة له، ولا قوة له.
قالوا: ومَن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم.
وهذا المسلك أبطل مسلك سُلِك في هذا الحديث، وهو شرٌّ من مسلك القدرية في رده، وهم إنما ردّوه إبطالًا لهذا القول، وردًّا على قائليه، وأصابوا (^١) في
_________________
(١) "م": "وأجادوا".
[ ١ / ٤٧ ]
ردهم عليهم وإبطال قولهم، وأخطؤوا في ردّ حديث رسول الله - ﷺ -؛ فإن هذا المسلك لو صحّ لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجَّة لكل مشرك وكافر وظالم، ولم يبق للحدود معنى، ولا يُلام جانٍ على جنايته، ولا ظالم على ظلمه، ولا يُنْكَر منكرٌ أبدًا.
ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في "إشاراته": "العارف لا يُنْكِر منكرًا؛ لاستبصاره بسرِّ الله في القدر" (^١).
وهذا كلام منسلخ من الملل، ومتابعة الرسل.
وأعرف خلق الله به رسلُه وأنبياؤه، وهم أعظم الناس إنكارًا للمنكر، وإنما أُرْسِلوا بإنكار (^٢) المنكر، فالعارف أعظم الناس إنكارًا للمنكر؛ لبصيرته بالأمر والقدر، فإن الأمر يوجب عليه الإنكار، والقدر يعينه عليه، ويُنْفِذُه له، فيقوم في مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وفي مقام: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، فيعبده بأمره وقدره، ويتوكلُ عليه في تنفيذ أمره بقدره. فهذا حقيقة المعرفة، وصاحب هذا المقام هو العارف بالله، وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم.
وأما مَن يقول:
أصبحتُ مُنْفَعِلًا لما يختارهُ منِّي ففعلي كلّه طاعات (^٣)
_________________
(١) بمعناه في "الإشارات" (٤/ ١٠٤)، وحكاها المصنف بمثل ما في المتن دون نسبة في "مدارج السالكين" (٤/ ٣٠١٥)، و"طريق الهجرتين" (١/ ١٨٤) (٢/ ٧٣٥).
(٢) "م": "لإنكار".
(٣) تقدمت نسبته في (١١).
[ ١ / ٤٨ ]
ويقول: أنا وإنْ عصيتُ أمرَه فقد أطعتُ إرادتَه ومشيئتَه.
ويقول: العارف لا يُنْكِر منكرًا؛ لاستبصاره بسِرِّ الله في القدر.
فخارج عما عليه الرسل قاطبة، وليس هو من أتباعهم.
وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج بالقدر عن المشركين أعداء الرسل، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ (^١) الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
فهذه أربع مواضع (^٢) حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه، وشيخهم وإمامهم في ذلك عدو الله (^٣) الأحقر إبليس، حيث احتجَّ عليه بقضائه فقال:
_________________
(١) "د" "م": "فعل"، وصححها في هامش "م".
(٢) كذا في "د" "م": "أربع مواضع"، ومثله في "عدة الصابرين" (١٣٤)، والوجه: "أربعة مواضع".
(٣) "م": "عدوه".
[ ١ / ٤٩ ]
﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩].
فإن قيل: قد عُلِم بالنصوص والمعقول صحة قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، و﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾، و﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم، وأثبت لهم الخَرْص فيما هم فيه صادقون؟ وأهل السنة جميعًا يقولون: لو شاء الله ما أشرك به مشرك، ولا كفر به كافر، ولا عصاه أحدٌ من خلقه، فكيف يُنْكِر عليهم ما هم فيه صادقون؟
قيل: بل أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين، وأفجر الفاجرين، ولم ينكر عليهم صدقًا ولا حقًّا، بل أنكر عليهم أبطل الباطل؛ فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتًا لقدره وربوبيته ووحدانيته، وافتقارًا إليه، وتوكلًا عليه، واستعانة به، ولو قالوه كذلك لكانوا مصيبين، وإنما قالوه معارضين به لشرعه، ودافعين به لأمره، فعارضوا شرعه وأمره، ودفعوه بقضائه وقدره، ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر.
وأيضًا فإنهم احتجوا بمشيئته العامة وقدره على محبته لما شاءه، ورضاه به، وإذنه فيه، فجمعوا بين أنواع من الضلال: معارضة الأمر بالقدر، ودفعه به، والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه، وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر.
وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدّعي
[ ١ / ٥٠ ]