في أم الكتاب الذي عندنا، وهذا اختيار ابن عباس (^١).
ويجوز أن يكون من صلة الخبر: أنه عليٌّ حكيم عندنا، ليس هو كما عند المكذبين به، أي: وإن كذبتم به وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف والإحكام.
وقال تعالى: ﴿خَالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ﴾ [الأعراف: ٣٧]، قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية: أي ما سبق لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة، ثم قرأ عطية: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ الضَّلَالَةُ﴾ [هود: ٣٠] (^٢).
والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كُتِب لهم من الشقاوة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: "يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ" (^٣).
فالكتاب على هذا القول الكتاب الأول، ونصيبهم ما كُتِب لهم فيه من الشقاوة وأسبابها.
وقال ابن زيد والقرظي والربيع بن أنس: ينالهم ما كُتِب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار، فإذا فني نصيبهم واستكملوه جاءتهم رسلنا يتوفونهم (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) أسندها الطبري (١٠/ ١٦٩ - ١٧٠)، وانظر: "البسيط" (٩/ ١١٥).
(٣) نسبها إليه في "البسيط" (٩/ ١١٥).
(٤) أسندها الطبري (١٠/ ١٧٤ - ١٧٥)، وانظر: "البسيط" (٩/ ١١٦).
[ ١ / ١٤٢ ]
ورجَّح بعضُهم هذا القول؛ لمكان "حتى" التي هي للغاية، يعني: أنهم يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت.
ولمن نصر القول الأول أن يقول: "حتى" في هذا الموضع هي التي تدخل على الجُمل، وينصرف الكلام فيها إلى الابتداء كـ "أما"، كقوله:
فيا عجبًا حتى كليبٌ تسبّني (^١)
والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين، فهو نصيبهم من الشقاوة، ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك، فعمَّت الآية هذا النصيب كلّه، وذكر هؤلاء بعضه، وهؤلاء بعضه.
هذا على القول الصحيح، وأن المراد بالكتاب ما سبق لهم في أم الكتاب.
وقالت طائفة: المراد بالكتاب القرآن.
قال الزجاج: "معنى ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ﴾: ما أخبر الله ﷿ من جزائهم، نحو قوله: ﴿(١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، ونظائره" (^٢).
قال أرباب هذا القول: وهذا هو الظاهر؛ لأنه ذَكَر عذابهم في القرآن في مواضع، ثم أخبر أنه ينالهم نصيبُهم منه.
_________________
(١) صدر بيت للفرزدق، انظر: "الديوان" بشرح الفاعور (٣٦١).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" (٢/ ٣٣٤).
[ ١ / ١٤٣ ]