لو أدرك العمل، فيقول ﵎: إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب" (^١).
وفي "الصحيحين" (^٢) عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمةُ جَمْعاء، هل تحسون فيها من جَدْعاء؟ (^٣) حتى تكونوا أنتم تجدعونها"، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت مَن يموت منهم وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
ومعنى الحديث: الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا.
وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، قال ابن عباس: "عَلِم ما يكون قبل أن يخلقه" (^٤).
وقال أيضًا: "على علم قد سبق عنده" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (٢١٧٦)، وابن الجعد (٢٠٣٨) - ومن طريقه اللالكائي في "شرح الأصول" (١٠٧٦) ـ، وفي إسناده عطية العوفي ضعيف. وفي الباب عن أبي هريرة وأنس ومعاذ والأسود بن سريع - وهو أمثلها - تشد أصل الحديث، ورد ابن عبد البر طرق الباب كلها رواية ودراية في "التمهيد" (١٨/ ١٣٠)، وانظر: "القضاء والقدر" للبيهقي (٣٦١ - ٣٦٢)، "السلسلة الصحيحة" (٢٤٦٨).
(٢) البخاري (٦٥٩٩)، ومسلم (٢٦٥٨) مع اختلاف يسير.
(٣) البهيمة الجمعاء هي التي لم يذهب من بدنها شيء، والجدعاء المقطوعة الأذن، انظر: "فتح الباري" (٣/ ٢٥٠).
(٤) حكاه الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ١٤٨).
(٥) أخرجه ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (١٦٢٢).
[ ١ / ١٠٣ ]
وقال أيضًا: "يريد الأمر الذي سبق له في أم الكتاب" (^١).
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: "على علمه فيه" (^٢).
وقال أبو إسحاق: "أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه" (^٣).
وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين.
قال الثعلبي: "على علم منه بعاقبة أمره" (^٤).
قال: "وقيل: على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه" (^٥).
وكذلك ذكر البغوي (^٦)، وأبو الفرج بن الجوزي قال: "على علمه السابق منه أنه لا يهتدي" (^٧).
وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره قولين في الآية، هذا أحدهما.
قال المهدوي: "فأضلّه الله على عِلْم علمه منه.
وقيل: المعنى: أضلّه عن الثواب على عِلْم منه بأنه لا يستحقه.
_________________
(١) حكاه الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ١٤٩).
(٢) حكاه عنهما الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ١٤٨)، وانظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٨٣٩).
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" (٤/ ٤٣٣).
(٤) "الكشف والبيان" (٨/ ٣٦٣).
(٥) لم أجده في "الكشف والبيان"، وقد تقدمت قريبًا من قول الزجاج، وإليه نسبها الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٩٩).
(٦) "معالم التنزيل" (٧/ ٢٤٥).
(٧) "زاد المسير" (٧/ ٣٦٢)، وفيه: "علمه السابق فيه".
[ ١ / ١٠٤ ]
قال: وقيل: على عِلْم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر" (^١).
وعلى الأول يكون ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ حال من الفاعل، المعنى: أضله الله عالمًا بأنه من أهل الضلال في سابق علمه.
وعلى الثاني: حال من المفعول، أي أضله الله في حال عِلْم الكافر بأنه ضال.
قلت: وعلى الوجه الأول فالمعنى: أضله الله عالمًا به، وبأقواله وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره، قبل خلقه وبعده، وأنه أهل للضلال، وليس أهلًا أن يُهدى، وأنه لو هُديَ لكان قد وضعَ الهدى في غير محلّه، وعند مَن لا يستحقه، والربُّ تعالى حكيم، إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها.
فانتظمت الآية على هذا القول: إثباتَ القدر والحكمة التي لأجلها قُدّر عليه الضلال، وذِكْرَ العلم؛ إذ هو الكاشف المبين لحقائق الأمور، ووضعِ الشيء في موضعه، وإعطاءِ الخير من يستحقه، ومنعِهِ من لا يستحقه؛ فإن هذا لا يحصل بدون العلم، فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه.
وهو سبحانه كثيرًا ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه الذي أضل الكافر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
_________________
(١) "التحصيل لفوائد كتاب التفصيل" (٦/ ١١٣).
[ ١ / ١٠٥ ]
مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الصف: ٧]، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾ [الصف: ٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩].
وقد أخبر سبحانه أنه يفعل ذلك عقوبة لأرباب هذه الجرائم، وهذا إضلال ثانٍ بعد الإضلال الأول، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (^١) فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]، وقال تعالى: ﴿(٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾ [الصف: ٥]، وقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وقال: ﴿(٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، أي إن تركتم الاستجابة لله ورسوله عاقبكم بأن يحول بينكم وبين قلوبكم، فلا
_________________
(١) "د" "م": ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وكأنه خلط بين آية البقرة والنساء.
[ ١ / ١٠٦ ]