في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾
قد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين، وكتابتهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم في ديوان السعداء قبل خلقهم.
وفي "صحيح الحاكم" (^١) من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال المشركون: فالملائكة وعيسى وعزير يُعْبَدون من دون الله! قال: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وهذا إسناد صحيح.
وقال علي بن المديني: ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم قال: أخبرني أبو رَزِين، عن أبي يحيى، عن ابن عباس أنه قال: آية لا يسأل الناس عنها، لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها فلا يسألون عنها. فقيل له: وما هي؟ فقال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، شَقَّ ذلك على قريش، وعلى أهل
_________________
(١) برقم (٣٤٤٩) وقال: "صحيح الإسناد" - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٠/ ٣٢٨) ـ، وأخرجه الطبري (١٦/ ٤١٨)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٩٨٥) من وجه آخر عن ابن عباس.
[ ١ / ٨٩ ]
مكة، وقالوا: يشتم آلهتنا. قال: فجاء ابن الزِّبَعْرى فقال: ما لكم؟ قالوا: يشتم آلهتنا. قال: وما قال؟ قالوا: قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال: ادعوه لي. فلما دُعِيَ النبيُّ - ﷺ -، قال: يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة، أم لكل من عُبِدَ من دون الله؟ فقال: "لا، بل لكل من عُبِدَ من دون الله"، قال: فقال ابن الزِّبَعْرى: خُصِمتَ وربِّ هذه البَنِيّة ــ يعني الكعبة ــ، ألستَ تزعم أن الملائكة عبادٌ صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عُزيرًا عبد صالح، وهذه بنو مُلَيْح تعبد الملائكة، وهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرًا.
قال: فضجّ أهلُ مكة، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ــ الملائكة وعزير وعيسى ــ ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] قال: ونزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] قال: هو الضجيج (^١).
وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزِّبَعْرى لا يَرِد على الآية؛ فإنه سبحانه قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: "ومَن تعبدون من
_________________
(١) أخرجه من طريق ابن المديني به الطبراني في "الكبير" (١٢٧٣٩)، والواحدي في "أسباب النزول" (١٠١)، ومن طريق ابن آدم أخرجه الطحاوي في "شرح المشكل" (٩٨٦)، ورواه أحمد (٢٩٢٠) بسياق مختلف من طريق عاصم، ولا بأس بإسناده، ويعضده رواية ابن عباس السابقة، وحسنه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" (٢/ ١٧٤). وأبو يحيى هو الأعرج اسمه مصدع، وأبو رزين اسمه مسعود بن مالك، وعاصم بن أبي النجود القارئ.
[ ١ / ٩٠ ]