في ذكر المرتبة الثانية، وهي مرتبة الكتابة
وقد تقدم في أول الكتاب ما دَلَّ على ذلك من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة، فنذكر هنا بعض ما لم نذكره.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦]، فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء، لا تختص بزبور داود، والذكر أم الكتاب الذي عند الله، والأرض هي الدنيا، وعباده الصالحون أمة محمد - ﷺ -، هذا أصح الأقوال في هذه الآية.
وهي عَلَمٌ من أعلام نبوة رسول الله - ﷺ -؛ فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه، والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم وشتتوهم في أطراف الأرض، فأخبرهم ربهم ﵎ أنه كتب في الذكر الأول أنهم يرثون الأرض من الكفار، ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله.
والكتاب الأول قد أُطْلِق عليه الذكرُ في قول النبي - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء" (^١)، فهذا هو الذكر الذي كُتِب فيه أن الدنيا تصير لأمة محمد - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه البخاري وحده (٣١٩١) من حديث عمران بن حصين.
[ ١ / ١٣٤ ]