وقال مقاتل: "يعني أنا أحق بهذا" (^١).
وقال مجاهد: "هذا بعملي، وأنا محقوق به" (^٢).
وقال الزجاج: "هذا واجب، بعملي استحققتُه" (^٣).
فوصَفَ الإنسان بأقبح صفتين: إن مسّه الشرُّ صار إلى حال القانط، ووجم وجوم الآيس، فإذا مسّه الخيرُ نسي أن الله هو المنعم عليه المتفضل بما أعطاه، فبطر وظنَّ أنه هو المستحق لذلك، ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث فقال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، ثم أضاف إلى ذلك ظنَّه الكاذب: أنه إن بُعِثَ كان له عند الله الحُسنى، فلم يدع هذا للجهل والغرور موضعًا.
فصل
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] قول آخر أنه على علم عند الضّال، كما قيل: على علم منه أن معبوده لا ينفع ولا يضر، فيكون المعنى: أضله الله مع علمه الذي تقوم به عليه الحجة، لم يضلّه على جهل وعدم علم.
وهذا يشبه قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ (^٤) عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقوله:
_________________
(١) "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤٨).
(٢) التفسير المنسوب إلى مجاهد (٥٨٧)، وأسنده الطبري (٢٠/ ٤٥٨).
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" (٤/ ٣٩١).
(٤) "د" "م": "وصدهم".
[ ١ / ١٣١ ]
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقول موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، ونظائره كثيرة.
وعلى هذا التقدير فهو ضال عن سلوك طريق رشده، وهو يراها عيانًا كما في الحديث: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" (^١)، فإن الضّال عن الطريق قد يكون متبعًا لهواه، عالمٌ (^٢) بأن الرشد والهدى في خلاف ما يعمل.
ولما كان الهدى هو معرفة الحق والعمل به، كان له ضدَّان: الجهل بالحق، وترك العمل به، فالأول ضلال في العلم، والثاني ضلال في القصد والعمل.
فقد وقع قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الدخان: ٣٢]، وفي قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وفي قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا
_________________
(١) أخرجه الدينوري في "المجالسة" (٩٠)، والطبراني في "الصغير" (٥٠٧)، وابن عدي في "الكامل" (٨/ ٢٦) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده عثمان البري؛ متهم شديد الضعف، انظر: "الميزان" (٣/ ٥٦).
(٢) كذا في "د" "م" بالرفع على الاستئناف.
[ ١ / ١٣٢ ]
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص: ٧٨]، فالأول يرجع العلم فيه إلى الله سبحانه قولًا واحدًا، والثاني والثالث فيهما قولان، والراجح في قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أن يكون كالأول، وهو قول عامة السلف، والثالث فيه قولان محتملان، وقد ذُكِر توجيهُهما، والله أعلم.
والمقصود ذكر مراتب القضاء والقدر علمًا، وكتابةً، ومشيئةً، وخلقًا.
* * * *
[ ١ / ١٣٣ ]