ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب، ويأمرهم به من المكاره، وينهاهم عنه من الشهوات، هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل، وقد حُفّت الجنّة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات، وقد قال - ﷺ -: "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن" (^١)، فالقضاء كله خيرٌ لمن أُعْطِي الشكر والصبر، جالبًا ما جلب.
وكذلك ما فعله بآدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، من الأمور التي هي في الظاهر مِحَنٌ وابتلاء، وهي في الباطن طُرق خفية أوصلهم بها بلطفه إلى غاية كمالهم وسعادتهم.
فتأمل قصة موسى ﵇، وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون الأطفال، ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليم، وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدّر هلاكه على يديه، وهو يذبح الأطفال في طلبه (^٢)، فربّاه في بيته وحجره على فراشه، ثم قَدَّرَ له سببًا أخرجه به من مصر، وأوصله به إلى موضع لا حكم لفرعون عليه، ثم قَدَّر له سببًا أوصله به إلى النكاح والغنى بعد العزوبة والعَيْلة، ثم ساقه إلى بلد عدوه فأقام عليه به حجَّته، ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه، وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون.
وهذا كلّه مما يبيّن أنه سبحانه يفعل ما يفعله لما يريده من العواقب
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٩٣٤)، ومسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب بقريب منه.
(٢) أي: كان فرعون يذبح الأطفال طلبًا في ذبح موسى، وفي "الفوائد" (٥٩): "كم ذبح فرعون في طلب موسى من ولد! ".
[ ١ / ١١٩ ]
الحميدة، والحكم العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق، مع ما في ضمنها من الرحمة التامة، والنعمة السابغة، والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته.
فكم في أكل آدم من الشجرة التي نُهي عنها، وإخراجه بسببها من الجنة، مِن حكمة بالغة لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها.
وكذلك ما قدَّره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى أشرف غاياته، وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب.
وكذلك فِعله بعباده وأوليائه، يوصل إليهم نعمه، ويسوقهم إلى كمالهم وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم عواقبها.
وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله، ويحصر اللسان عن التعبير عنه، وأعرف خلق الله به أنبياؤه ورسله، وأعرفهم به خاتمهم وأفضلهم، وأمته في العلم به على مراتبهم ودرجاتهم ومنازلهم من العلم بالله وأسمائه وصفاته، وهو سبحانه قد أحاط علمًا بذلك كله قبل خلق السماوات والأرض، وقدّره وكتبه عنده.
ثم يأمر الملائكة بكتابة ذلك من الكتاب الأول قبل خلق العبد، فيُطابِق حاله وشأنه لما كُتِب في الكتاب، ولما كتبته الملائكة، لا يزيد شيئًا ولا ينقص مما كتبه سبحانه وأثبته عنده، كان في علمه قبل أن يكتبه، ثم كتبه كما في علمه، ثم وُجِدَ كما كتبه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].
والله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده أحوالهم، وما هم عاملون، وما
[ ١ / ١٢٠ ]
هم إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه، وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه، فاستحقوا المدح والذم، والثواب والعقاب بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابِقة للعلم السابق، ولم يكونوا يستحقون ذلك، وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه إعذارًا إليهم، وإقامة للحجة عليهم؛ لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهو لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟ فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار.
وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زيَّنَه لهم من الدنيا، وبما ركَّب فيهم من الشهوات، فذلك ابتلاء بشرعه وأمره، وهذا ابتلاء بقضائه وقدره، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي (^١) خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وقال: ﴿وَهْوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، فأخبر في هذه الآية أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه، وهذا من الحق الذي خلق به خلقه، وأخبر في الآية التي قبلها أنه خلق الموت والحياة ليبتليهم أيضًا، فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه، وقدّر عليهم الموت الذي ينالوا (^٢) به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب.
_________________
(١) "د" "م": "هو الذي".
(٢) كذا في "د" "م": "ينالوا" بحذف النون دون أداة خفض أو نصب.
[ ١ / ١٢١ ]
وأخبر في الآية الأولى أنه زيَّن لهم ما على الأرض ليبتليهم به أيهم يؤثره على ما عنده فيكون حظه، أو يؤثر ما عنده عليه، وابتلى بعضهم ببعض، وابتلاهم بالنعم والمصائب، فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجودًا عيانًا بعد أن كان غيبًا في علمه.
فابتلى أبوي الإنس والجن كل منهما بالآخر، فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه، وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه، فلهذا قال للملائكة: ﴿إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم القيامة، فابتلى الأنبياء بأممهم، وابتلى أممهم بهم، وقال لعبده ورسوله وخليله: "إني مبتليك ومبتلٍ بك" (^١)، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠].
وفي الحديث الصحيح (^٢) أن ثلاثةً أراد الله أن يبتليهم، أبرص وأقرع وأعمى، فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن يخلقهم.
فأما الأعمى فاعترف بإنعام الله عليه، وأنه كان أعمى فقيرًا، فأعطاه الله البصر والغنى، وبَذَل للسائل ما طلبه شكرًا لله.
وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحد ما كان عليه قبل ذلك من سوء الحال والفقر، وقال في الغنى: إنما أوتيته كابرًا عن كابر.
وهذا حال أكثر الناس، لا يعترف بما كان عليه أولًا من نقص وجهل وفقر
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) بمعناه من حديث عياض المجاشعي.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٢٢ ]