من كتاب " منهاج السنة " مع الرد عليهم
[ ٨٩ ]
بعد أن عرفنا منهج شيخ الإسلام في نقض حجج الرافضي وأنه ﵀ متبع لمنهج السلف الصالح في محبة علي ﵁ وأنه من الخلفاء الراشدين دون غلو فيه وتفضيله على الثلاثة وطعن فيهم كما تفعل الرافضة، دون جفاء عنه وتنقص له كما تفعل النواصب، بعد أن عرفنا هذا وهو جواب مجمل للرد على متهمي شيخ الإسلام ببغض علي وتنقصه سوف أعرض في هذا المبحث المواضع التي يزعم أولئك أن فيها تنقصًا أو إيهامًا بالتنقص من كتاب " منهاج السنة " بجميع أجزائه، ثم أتبع كل موضع بتعليق موجز يوضح مقصد شيخ الإسلام منه.
[ ٩١ ]
الموضع الأول: قال شيخ الإسلام:
وأما قوله: " ثم علي بمبايعة الخلق له "
فتخصيصه عليًا بمبايعة الخلق له، دون أبي بكر وعمر وعثمان، كلام ظاهر البطلان، وذلك أنه من المعلوم لكل من عرف سيرة القوم أن اتفاق الخلق ومبايعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان، أعظم من اتفاقهم علي بيعة علي ﵁ وعنهم أجمعين، وكل أحد يعلم أنهم اتفقوا على بيعة عثمان أعظم مما اتفقوا على بيعة علي. والذين بايعوا عثمان في أول الأمر أفضل من الذين بايعوا عليًا، فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي بن كعب، وأمثالهم، مع سكينة وطمأنينة بعد مشاورة المسلمين ثلاثة أيام.
وأما علي ﵁ فإنه بويع عقيب قتل عثمان ﵁ والقلوب مضطربة مختلفة، وأكابر الصحابة متفرقون )
تعليق
في هذا الموضع يدفع شيخ الإسلام فرية الرافضي في أن
[ ٩٢ ]
عليًا ﵁ بايع له جميع الخلق بخلاف غيره من الخلفاء الراشدين، ويبين أن هذا القول باطل وأن الصحيح أن اتفاق الخلق على الخلفاء الثلاثة أكثر من اتفاقهم على علي ﵁.
وهو في هذا القول لم يخطئ - ﵀ - وإنما يبين حقيقة يتجاهلها الروافض ليتوصلوا من خلالها إلى الطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ أجمعين - وتقرير الحقيقة والواقع التاريخي لا يعد طعنًا أو استنقاصًا من علي - ﵁ - كما سبق.
الموضع الثاني: قال شيخ الإسلام:
(إن عمر بن الخطاب ﵁ كان أعظم فتوحًا وجهادًا بالمؤمنين، وأقدر على قمع الكفار والمنافقين من غيره مثل عثمان وعلي، ﵃ أجمعين)
تعليق
في هذا الموضع يقرر الشيخ حقيقة لا يستطيع أحد جحدها وهي أن عمر ﵁ كان أعظم فتوحًا وجهادًا، وأقدر على قمع الكفار والمنافقين من غيره، كعثمان وعلي - ﵄ - وهذا واضح من مطالعة سيرهم، والأحداث التي وقعت في عصرهم، ففي عهد عمر - ﵁ - امتدت التفوحات شرقًا وغربًا بخلاف من بعده. وتقرير الحقائق التاريخية لا يعد
[ ٩٣ ]
تنقصًا من عثمان أو علي - ﵄ -.
الموضع الثالث: قال شيخ الإسلام:
(من المعلوم بالضرورة أن حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة، أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في خلافة علي زمن القتال والفتنة والافتراق، فإذا لم يوجد من يدعي الإمامية فيه أنه معصوم، وحصل له سلطان بمبايعة ذي الشوكة إلا علي وحده، وكان مصلحة المكلفين واللطف الذي حصل لهم في دينهم ودنياهم في ذلك الزمان أقل منه في زمن الخلفاء الثلاثة، علم بالضرورة أن ما يدعونه من اللطف والمصلحة الحاصلة بالأئمة المعصومين باطل قطعًا)
تعليق
في هذا الموضع يبين الشيخ - أيضًا - حقيقة تاريخية لا تعمي إلا على كل صاحب هوى، وهي أن المؤمنين في عهد الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان كانوا أسعد حياة وأعظم أمنًا في عصرهم، بخلاف حالهم في عهد علي ﵁، بحيث وقعت الفتنة وحدث الانقسام والتفرق. وقصد الشيخ بتقرير هذه الحقيقة الرد على قول الروافض بأن أئمتهم معصومون، ويحصل بهم اللطف والصلاح للأمة، وهذا منتقض بحال الناس في عهد أفضل هؤلاء الأئمة عند الرافضة حيث لم يحصل في عهده من
[ ٩٤ ]
اللطف والمصلحة ما ادعاه الروافض، وتقرير الحقائق التاريخية لنقض أقوال أهل الكذب ليس فيه أي منقصة لأمير المؤمنين على - ﵁ - وليس في هذا تنقص لعلي ﵁ لأن وقته وقت فتن واضطرابات لا وقت صفاء وطمأنينة.
الموضع الرابع: قال شيخ الإسلام:
(وأيضًا فالحق لا يدور مع شخص غير النبي ﷺ، ولو دار الحق مع علي حيثما دار لوجب أن يكون معصومًا كالنبي ﷺ، وهم من جهلهم يدعون ذلك، ولكن من علم أنه لم يكن بأولى بالعصمة من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وليس فيهم من هو معصوم، علم كذبهم - وفتاويه من جنس فتاوى عمر وعثمان ليس هو أولى بالصواب منهم، ولا في أقوالهم من الأقوال المرجوحة أكثر مما في قوله، ولا كان ثناء النبي ﷺ ورضاه عنه بأعظم من ثنائه عليهم ورضائه عنهم، بل لو قال القائل: إنه لا يعرف من النبي ﷺ أنه عبت على عثمان في شئ، وقد عتب علي علي في غير موضع لما أبعد - فإنه لما أراد أن يتزوج بنت أبي جهل اشتكته فاطمة لأبيها وقالت: إن الناس يقولون: إنك لا تغضب لبناتك، فقام رسول الله ﷺ خطيبًا، وقال: " إن بني المغيرة استأذنوني أن يزوجوا ابنتهم علي بن أبي طالب، وإني لا آذن ثم لا آذن، ثم لا أذن: إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم، فإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس فقال: " حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي " والحديث ثابت صحيح أخرجاه في الصحيح.
[ ٩٥ ]
وكذلك في الصحيحين لما طرقه وفاطمة ليلًا، فقال: " ألا تصليان؟ " فقال له علي: إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانطلق وهو يضرب فخذه ويقول: " وكان الإنسان أكثر شئ جدلًا "
وأما الفتاوى فقد أفتى بأن المتوفى عنها وزجها وهي حامل تعتد أبعد الأجلين، وهذه الفتيا كان قد أفتى بها أبو السنابل بن بعكك على عهد النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: " كذب أبو السنابل " وأمثال ذلك كثير. ثم بكل حال فلا يجوز أن يحكم بشهادته وحده، كما لا يجوز له أن يحكم لنفسه)
تعليق
في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على قول الروافض بأن الحق يدور مع علي أينما دار ويروون في هذا حديثًا موضوعًا رده شيخ الإسلام وبين أن الحق لا يدور مع شخص غير النبي ﷺ ولكي يزيد في دحض هذه الشبهة الباطلة أوضح للروافض أن عليًا - ﵁ - ليس معصوما ً، وله من الاختيارات المرجوحة كما لغيره أو أكثر، وهذا ثابت يعرفه أهل العلم بالآثار لم يأت به شيخ من عنده، وأنه ﵁ قد يجتهد في فعل فيعاتبه عليه النبي ﷺ كما في قصة خطبته بنت أبي جهل وغيرها.
وتقرير الحقائق الثابتة لدفع غلو أهل الرفض لا يعد انتقاصًا
[ ٩٦ ]
من علي ﵁ كما سبق.
الموضع الخامس: قال شيخ الإسلام:
(وأما قوله: " رووا جميعًا أن فاطمة بضعة مني من آذاها آذاني ومن أذاني آذى الله " فإن هذا الحديث لم يرو بهذا اللفظ، بل روي بغيره، كما روي في سياق حديث خطبة علي لابنة أبي جهل، لما قام النبي ﷺ خطيبًا فقال: " إن بن هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، وإني لا آذن، إلا أن يريد ابن طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم " وفي رواية: " إني أخاف أن تفتن في دينها " ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فقال: " حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي. وإني لست أحل حرامًا، ولا أحرم حلالًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانًا واحدا أبدًا " رواه البخاري ومسلم في الصحيحين من رواية علي بن الحسين والمسور بن مخرمة، فسبب الحديث خطبة علي ﵁ لابنة أبي جهل، والسبب داخل في اللفظ قطعًا، إذ اللفظ الوارد على سبب لا يجوز إخراج سببه منه، بل السبب يجب دخوله بالاتفاق.
وقد قال في الحديث: " يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " ومعلوم قطعًا أن خطبة ابنة أبي جهل عليها رابها وآذاها، والنبي
[ ٩٧ ]
ﷺ رابه وآذاه، فإن كان هذا وعيدًا لاحقًا بفاعله، لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيدًا لاحقًا، كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي.
وإن قيل: إن عليا تاب من تلك الخطبة ورجع عنها.
قيل: فهذا يقتضي أنه غير معصوم. وإذا جاز أن من راب فاطمة وآذاها، يذهب ذلك بتوبته، جاز أن يذهب بغير ذلك من الحسنات الماحية، فإن ما هو أعظم من هذا الذنب تذهبه الحسنات الماحية والتوبة والمصائب المكفرة.
وذلك أن هذا الذنب ليس من الكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، ولو كان كذلك لكان علي - والعياذ بالله - قد ارتد عن دين الإسلام في حياة النبي ﷺ. ومعلوم أن الله تعالى نزه عليًا من ذلك. والخوارج الذين قالوا: إنه ارتد بعد موت النبي ﷺ لم يقولوا: إنه ارتد في حياته، ومن ارتد فلا بد أن يعود إلى الإسلام أو يقتله النبي ﷺ، وهذا لم يقع، وإذا كان هذا الذنب هو مما دون الشرك فقد قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) .
وإن قالوا: بجهلهم: إن هذا الذنب كفر ليكفروا بذلك أبا بكر، لزمهم تكفير علي، واللازم باطل فالملزوم مثله. وهم دائمًا يعيبون أبا بكر وعمر وعثمان، بل ويكفرونهم بأمور قد صدر من
[ ٩٨ ]
علي ما هو مثلها أو أبعد عن العذر منها، فإن كان مأجورًا أو معذورًا فهم أولى بالأجر والعذر، وأن قيل باستلزام الأمر الأخف فسقًا أو كفراُ، كان استلزم الأغلظ لذلك أولى.
وأيضًا فيقال: إن فاطمة ﵂ إنما عظم أذاها لما في ذلك من أذى أبيها، فإذا دار الأمر بين أذى أبيها وأذاها كان الاحتراز عن أذى أبيها أوجب. وهذا حال أبي بكر وعمر، فإنهما احتراز عن أن يؤذيا أباها أو يريباه بشئ، فإنه عهد عهدًا وأمر بأمر، فخافا إن غيرا عهده وأمره أن يغضب لمخالفة أمره وعهده ويتأذى بذلك، وكل عاقل يعلم أن رسول الله ﷺ إذا حكم بحكم، وطلبت فاطمة أو غيرها ما يخالف ذلك الحكم، كان مراعاة حكم النبي ﷺ أولى، فإن طاعته واجبة، ومعصيته محرمة، ومن تأذى بطاعته كان مخطئًا في تأذيه بذلك، وكان الموافق لطاعته مصيبًا في طاعته. وهذا بخلاف من آذاها لغرض نفسه لا لأجل طاعة الله ورسوله.
ومن تدبر حال أبي بكر في رعايته لأمر النبي ﷺ، وأنه إنما قصد طاعة الرسول ﷺ لا أمرًا آخر، يحكم أن حاله أكمل وأفضل وأعلى من حال علي ﵄، وكلاهما سيد كبير من أكابر أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وعباد الله الصالحين، ومن السابقين الأولين، ومن أكابر المقربين، الذين يشربون بالتسنيم، ولهذا كان أبو بكر ﵁ يقول: " والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي " وقال: " ارقبوا
[ ٩٩ ]
محمدًا ﷺ في أهل بيته " رواه البخاري عنه.
لكن المقصود أنه لو قدر أن أبا بكر آذاها، فلم يؤذها لغرض نفسه، بل ليطيع الله ورسوله، ويوصل الحق إلى مستحقه، وعلي ﵁ كان قصده أن يتزوج عليها، فله في آذاها غرض، بخلاف أبي بكر، فعلم أن أبا بكر كان أبعد أن يذم بأذاها من علي، وأنه إنما قصد طاعة الله ورسوله بما لا حظ له فيه، بخلاف علي، فإنه كان له حظ فيما رابها به وأبو بكر كان من جنس من هاجر إلى الله ورسوله، وهذا لا يشبه من كان مقصوده امرأة يتزوجها. والنبي ﷺ يؤذيه ما يؤذي فاطمة إذا لم يعارض ذلك أمر الله تعالى، فإذا أمر الله تعالى بشئ فعله، وإن تأذى من تأذى من أهله وغيرهم، وهو في حال طاعته لله يؤذيه ما يعارض طاعة الله ورسوله، وهذا الإطلاق كقوله: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني " ثم قد بين ذلك بقوله ﷺ " إنما الطاعة في المعروف " فإذا كانت طاعة أمرائه أطلقها ومراده بها الطاعة في المعروف، فقوله: " من آذاها فقد آذاني " يحمل على الأذى في المعروف بطريق الأولى والأحرى، لأن طاعة أمرائه فرض، وضدها معصية كبيرة. وأما فعل ما يؤذي فاطمة فليس هو بمنزلة معصية أمر النبي ﷺ، وإلا لزم أن يكون على قد فعل ما هو أعظم من معصية الله ورسوله، فإن معصية أمرائه معصيته، ومعصيته معصية الله. ثم إذا عارض معارض وقال: أبو بكر وعمر
[ ١٠٠ ]
وليا الأمر. والله قد أمر بطاعة أولي الأمر، وطاعة ولي الأمر طاعة لله ومعصيته معصية لله، فمن سخط أمره وحكمه فقد سخط أمر الله وحكمه.
ثم أخذ يشنع على علي وفاطمة ﵄ بأنهما ردا أمر الله، وسخطا حكمه، وكرها ما أرضى الله، لأن الله يرضيه طاعته وطاعة ولي الأمر، فمن كره طاعة ولي الأمر فقد كره رضوان الله، والله يسخط لمعصيته، ومعصية ولي الأمر معصيته، فمن اتبع معصية ولي الأمر فقد اتبع ما أسخط الله وكره رضوانه.
وهذا التشنيع ونحوه على علي وفاطمة ﵄ أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر، وذلك لأن النصوص الواردة عن النبي ﷺ في طاعة ولاة الأمور، ولزوم الجماعة، والصبر على ذلك مشهورة كثيرة، بل لو قال قائل: إن النبي ﷺ أمر بطاعة ولاة الأمور وإن استأثروا، والصبر على جورهم، وقال: " إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " وقال: " أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم " وأمثال ذلك. فلو قدر أن أبا بكر وعمر ﵄ كان ظالمين مستأثرين بالمال لأنفسهما، لكان الواجب مع ذلك طاعتهما والصبر على جورهما.
ثم لو أخذ هذا القائل يقدح في علي وفاطمة ﵄ ونحوهما بأنهم لم يصبروا ولم يلزموا الجماعة، بل جزعوا وفرقوا الجماعة، وهذه معصية عظيمة - لكانت هذه الشناعة أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر ﵄، فإن أبا
[ ١٠١ ]
بكر وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركا واجبًا، ولا فعلا محرمًا أصلًا، بخلاف غيرهما، فإنه قد تقوم الحجة بنوع من الذنوب التي لم يفعل مثلها أبو بكر ولا عمر. وما ينزه علي وفاطمة ﵄ عن ترك واجب أو فعل محظور، إلا وتنزيه أبي بكر وعمر أولى بكثير، ولا يمكن أن تقوم شبهة بتركهما واجبًا أو تعديهما حدًا، إلا والشبهة التي تقوم في علي وفاطمة أقوى وأكبر، فطلب الطالب مدح علي وفاطمة ﵄ أما بسلامتهما من الذنوب، وإما بغفران الله لهما، مع القدح في أبي بكر وعمر بإقامة الذنب والمنع من المغفرة، من أعظم الجهل والظلم، وهو من أجهل وأظلم ممن يريد مثل ذلك في علي ومعاوية ﵄، إذا أراد مدح معاوية ﵁، والقدح في علي ﵁)
تعليق
في هذا الموضع الطويل يقلب الشيخ حجة الرافضي عليه ويحرجه أيما إحراج ن فالرافضي يزعم أن أبا بكر ﵁ قد منع فاطمة ﵂ حقها من (فدك) وإن هذا إيذاء لها كما أنه إيذاء للرسول ﷺ القائل: " فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها ".
فبين له شيخ الإسلام أن هذا الحديث له سبب، وقد قيل في
[ ١٠٢ ]
علي ﵁ لا أبي بكر ﵁.
فهو ﷺ قد قاله عندما أراد علي أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة، فإذا كان أبو بكر قد آذى فاطمة كما تزعمون فعلي قد آذاها قبله، فما قلتم في أبي بكر فقولوه في علي، ﵄ وأبو بكر - أيضًا لم يمنعها إلا اتباعًا لحديث رسول الله ﷺ، فهو قد قدم حقه ﷺ عليها بخلاف علي الذي أراد الزواج عليها - وفيه أذية لها - لحظ نفسه.
ولك هذا من تقرير الحقائق الثابتة، وفيه إنزال الصحابة منازلهم التي أنزلهم الله إياها دون غلو في بعضهم، وذم لآخرين هم أفضل من الأولين.
وليس في هذا أي تنقص لعلي ﵁، وإنما فيه إفحام الروافض الجهال.
الموضع السادس: قال شيخ الإسلام:
(واستخلاف علي لم يكن على أكثر ولا أفضل ممن استخلف عليهم غيره، بل كان يكون في المدينة في كل غزوة من الغزوات من المهاجرين والأنصار أكثر وأفضل ممن تخلف في غزوة تبوك، فإن غزوة تبوك لم يأذي النبي ﷺ لأحد بالتخلف فيها، فلم يتخلف فيها إلا منافق أو معذور أو الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وإنما كان عظم من تخلف فيه النساء والصبيان ولهذا لما استخلف عليًا فيها خرج إليه باكيًا، وقال: أتدعني مع النساء
[ ١٠٣ ]
والصبيان؟ وروي أن بعض المنافقين طعنوا في علي، وقالوا: إنما استخلفه لأنه يبغضه، وإذا كان قد استخلف غير علي على أكثر وأفضل مما استخلف عليه عليًا. وكان ذلك استخلافًا مقيدًا على طائفة معينة في مغيبه، ليس هو استخلافًا مطلقًا بعد موته على أمته، لم يطلق على أحد من هؤلاء أنه خليفة رسول الله ﷺ إلا مع التقييد، وإذا سمي علي بذلك فغيره من الصحابة المستخلفين أولى بهذا الاسم، فلم يكن هذا من خصائصه.
وأيضًا فالذي يخلف المطاع بعد موته لا يكون إلا أفضل الناس، وأما الذي يخلفه في حال غزوه لعدوه، فلا يجب أن يكون أفضل الناس، بل العادة جارية بأنة يستصحب في خروجه لحاجته إليه في المغازي من يكون عنده أفضل ممن يستخلفه على عياله، لأن الذين ينفع في الجهاد هو شريكه فيما يفعله، فهو أعظم ممن يخلفه على العيال، فإن نفع ذاك ليس كنفع المشارك له في الجهاد.
والنبي ﷺ إنما شبه عليًا بهارون في أصل الاستخلاف لا في كماله، ولعلي شركاء في هذا الاستخلاف يبين ذلك أن موسى لما ذهب ميقات ربه لم يكن معه أحد يشاركه في ذلك، فاستخلف هارون علي جميع قومه، والنبي ﷺ لما ذهب إلى عزوة تبوك أخذ معه جميع المسلمين إلا المعذور، ولم يستخلف عليًا إلا على العيال وقليل من الرجال، فلم يكن استخلافه كاستخلاف موسى لهارون، بل ائتمنه في حال مغيبه، كما ائتمن موسى هارون
[ ١٠٤ ]
في حال مغيبه، فبين له النبي ﷺ أن الاستخلاف ليس لنقص مربتة المستخلف، بل قد يكون لأمانته كما استخلف موسى هارون على قومه، وكان علي خرج إليه يبكي وقال: أتذرني مع النساء والصبيان؟ كأنه كره أن يتخلف عنه.
وقد قيل: أن بعض المنافقين طعن فيه، فبين له النبي ﷺ أن هذه المنزلة ليست لنقص المستخلف، إذ لو كان كذلك ما استخلف موسى هارون)
تعليق
في هذا الموضع يدحض شيخ الإسلام شبهة الرافضة في أن عليًا هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ لأنه قد استخلفه في غزوة تبوك على المدينة، وشبهه بهارون مع موسى ﵇، ويبين أن رسول الله ﷺ قد استخلف غير علي غير مرة في حياته، فلم يكن هذا دليلًا على استحقاقهم الخلافة، وإنما هو دليل على أمانة المستخلف حيث أئتمنه الرسول ﷺ على الأهل والأولاد والأموال.
فالشيخ ﵀ قد أنزل عليًا منزلته التي أنزله الرسول ﷺ إياها وهي ائتمانه، ولم يغل فيه كغلو الرافضة فيجعل هذا دليلًا على أحقيته في الخلافة على أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -.
[ ١٠٥ ]
الموضع السابع:
قال شيخ الإسلام رادًا على قول الرافضة " بأن محبة علي مفرقة بين أهل الحق والباطل "
(وإن أريد بذلك مطلق دعوى المحبة، دخل في ذلك الغالية كالمدعين لإلهيته ونبوته، فيكون هؤلاء أهل حق وهذا كفر باتفاق المسلمين.
وإن أريد بذلك المحبة المطلقة فالشأن فيها، فأهل السنة يقولون: نحن أحق بها من الشيعة، وذلك أن المحبة المتضمنة للغلو هي كمحبة اليهود لموسى، والنصارى للمسيح، وهي محبة باطلة، وذلك أن المحبة الصحيحة أن يحب العبد ذلك المحبوب على ما هو عليه في نفس الأمر، فلو اعتقد رجل في بعض الصالحين أنه نبي من الأنبياء، وأنه من السابقين الأولين فأحبه، لكان قد أحب ما لا حقيقة له، لأنه أحب ذلك الشخص بناءً على أنه موصوف بتلك الصفة، وهي باطلة، فقد أحب معدومًا لا موجودًا، كمن تزوج امرأة توهم أنها عظيمة المال والجمال والدين والحسب فأحبها، ثم تبين أنها دون ما ظنه بكثير، فلا ريب أن حبه ينقص بحسب نقص اعتقاده، إذا الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.
فاليهودي إذا أحب موسى بناء علي أنه قال: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وأنه نهي عن اتباع المسيح ﷺ يوم القيامة علم أنه لم يكن يحب موسى على ما هو عليه،
[ ١٠٦ ]
وإنما أحب موصوفًا بصفات لا وجود لها، فكانت محبته باطلة، فلم يكن مع موسى المبشر بعيسى المسيح ومحمد.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " المرء مع من أحب " واليهودي لم يحب إلا ما لا وجود له في الخارج، فلا يكون مع موسى المبشر بعيسى ومحمد ﷺ فإنه لم يحب موسى هذا، والحب والإرادة ونحو ذلك يتبع العلم والاعتقاد، فهو فرع الشعور، فمن اعتقد باطلًا فأحبه، كان محبًا لذلك الباطل، وكانت محبته باطلة فلم تنفعه، وهكذا من اعتقد في بشر الإلهية فأحبه لذلك، كمن اعتقد إلهية فرعون ونحوه، أو أئمة الإسماعيلية، أو اعتقد الإلهية في بعض الشيوخ، أو بعض أهل البيت، أو في بعض الأنبياء أو الملائكة، كالنصارى ونحوهم، ومن عرف الحق فأحبه، كان حبه لذلك الحق فكانت محبته من الحق فنفعته.
قال الله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعملهم (١) والذين ءامنوا وعملوا الصالحات وءامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم واصلح بالهم (٢) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا البطل وأن الذين ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثلهم (٣) . وهكذا النصراني مع المسيح: إذا أحبه معتقدًا أنه إله - وكان عبدًا - كان قد أحب ما لا حقيقة له، فإذا تبين له أن المسيح عبد رسول لم يكن قد أحبه، فلا يكون معه.
[ ١٠٧ ]
وهكذا من أحب الصحابة والتابعين والصالحين معتقدًا فيهم الباطل، كانت محبته لذلك الباطل باطلة. ومحبة الرافضة لعلي ﵁ من هذا الباب، فإنهم يحبون ما لم يوجد، وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته، الذي لا إمام بعد النبي ﷺ إلا هو، الذي كان يعتقد أن أبا بكر وعمر ﵄ ظالمان معتديان أو كافران، فإذا تبين لهم يوم القيامة أن عليًا لم يكن أفضل من واحد من هؤلاء، وإنما غايته أن يكون قريبًا من أحدهم، وأنه كان مقرا بإمامتهم وفضلهم، ولم يكن معصومًا لا هو ولا هم، ولا كان منصوصًا على إمامته، تبين له أنهم لم كونوا يحبون عليًا، بل هم من أعظم الناس بغضًا لعلي ﵁ في الحقيقة، فإنهم يبغضون من اتصف بالصفات التي كانت في علي أكمل منها في غيره: من إثبات إمامة الثلاثة وتفضيلهم فإن عليًا ﵁ كان يفضلهم ويقر بإمامتهم. فتبين أنهم مبغضون لعلي قطعًا.
وبهذا يتبين الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن علي ﵁ أنه قال: إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه: " لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " إن كان محفوظًا ثابتًا عن النبي ﷺ فإن الرافضة لا تحبه على ما هو عليه، بل محبتهم من جنس محبة اليهود لموسى والنصارى لعيسى، بل الرافضة تبغض نعوت علي وصفاته، كما تبغض اليهود والنصارى نعوت موسى وعيسى، فإنهم يبغضون من أقر نبوة محمد ﷺ، وكانا مقرين بها صلى الله
[ ١٠٨ ]
عليهم أجمعين.
وهكذا كل من أحب شيخًا علي أنه موصوف بصفات ولم يكن كذلك في نفس الأمر، كمن اعتقد في شيخ أنه يشفع في مريديه يوم القيامة، وأنه يرزقه وينصره ويفرج عنه الكربات ويجيبه في الضرورات، كما اعتقد أن عنده خزائن الله، أو أنه يعلم الغيب أو أنه ملك، وهو ليس كذلك في نفس الأمر ن فقد أحب ما لا حقيقة له.
وقول علي ﵁ في هذا الحديث: لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق، ليس من خصائصه، بل قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار " وقال " لا يبغض الأنصار رجل مؤمن بالله واليوم الآخر " وقال " لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق. وفي الحديث الصحيح حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ دعا له ولأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين، قال: فلا تجد مؤمنًا إلا يحبني وأمي.
وهذا مما يبين به الفرق بين هذا الحديث وبين الحديث الذي روي عن ابن عمر: " ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي ﷺ إلا ببغضهم عليًا " فإن هذا مما يعلم كل عالم أنه كذب، لأن النفاق له علامات كثيرة وأسباب متعددة غير بغض علي، فكيف لا يكون على النفاق علامة إلا بغض علي؟ وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: " آية النفاق بغض الأنصار " وقال في الحديث
[ ١٠٩ ]
الصحيح: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ".
وقد قال تعالى في القرآن في صفة المنافقين: (ومنهم من يلمزك في الصدقت فإن أعطوا رضوا) (ومنهم الذين يؤذون النبي) (ومنهم من عهد الله) (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) (وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمنا) .
وذكر لهم ﷾ في سورة براءة وغيرها من العلامات والصفات ما لا يتسع هذا الموضع لبسطه.
يل لو قال: كنا نعرف المنافقين ببغض علي لكان متوجهًا كما أنهم أيضًا يعرفون ببغض الأنصار، بل وببغض أبي بكر وعمر، وببغض غير هؤلاء، فإن كل من أبغض ما يعلم أن النبي ﷺ يحبه ويواليه، وأنه كان يحب النبي ﷺ ويواليه، كان بغضه شعبة من شعب النفاق، والدليل يطرد ولا ينعكس. ولهذا كان أعظم الطوائف نفاقًا المبغضين لأبي بكر، لأنه لم يكن في الصحابة أحب إلى النبي ﷺ منه، ولا كان فيهم أعظم حبًا للنبي ﷺ منه فبغضه من أعظم آيات النفاق. ولهذا لا يوجد المنافقون
[ ١١٠ ]
في طائفة أعظم منها في مبغضيه، كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم.
وإن قال قائل: فالرافضة الذين يبغضونه يظنون أنه كان عدوًا للنبي ﷺ لما يذكر لهم من الأخبار التي تقتضي أنه كان يبغض النبي ﷺ وأهل بيته فأبغضوه لذلك.
قيل: إن كان هذا عذرًا يمنع نفاق الذين يبغضونه جهلًا وتأويلًا، فكذلك المبغضون لعلي الذين اعتقدوا أنه كافر مرتد، أو ظالم فاسق، فأبغضوه لبغضه لدين الإسلام، أو لما أحبه الله وأمر به من العدل، ولا عتقادهم أنه قتل المؤمنين بغير حق، وأراد علوًا في الأرض وفساداُ، وكان كفرعون ونحوه، فإن هؤلاء وإن كانوا جهالًا فليسوا بأجهل ممن اعتقد في عمر أنه فرعون هذه الأمة، فإن لم يكن بغض أولئك لأبي بكر وعمر نفاقًا لجهلهم وتأويلهم، فكذلك بغض هؤلاء لعلي بطريق الأولى والأحرى، وإن كان بغض علي نفاقًا وإن كان المبغض جاهلًا متأولًا فبغض أبي بكر وعمر أولى أن يكون نفاقًا حينئذ، وإن كان المبغض جاهلًا متأولًا)
تعليق
في هذا الموضع الطريف يبين شيخ الإسلام أن الرافضة يبغضون عليًا؟ لأنهم في الحقيقة قد أحبوا شخصًا لا وجود له إلا في أذهانهم، ولا يحبوا عليًا ﵁ على حقيقته الثابتة عند
[ ١١١ ]
المؤمنين، فهم كاليهود مع موسى، والنصارى مع عيسى ﵉.
ثم بين الشيخ أن حديث علي - ﵁ -: " لا يبغضني إلا منافق " ينطبق على الرافضة، فهم منافقون لأنهم يبغضون عليًا (الحقيقي)، ويحبون عليًا (الوهمي) .
وهذا الحديث ليس من خصائص علي أيضًا، فقد شاركه غيره فيه كالأنصار.
ثم ذكر الشيخ أن الرافضة الذين يبغضون أبا بكر لا حجة لهم قائمة أمام الذين يبغضون عليًا فما يدعونه في أبي بكر من أسباب البغض يمكن ادعاء أكثر منه في علي، وكلاهما قد برأه الله من ذلك، ولكن الروافض قوم لا يفقهون.
فهذا من باب (الحجج المحرجة) كما سبق، ولا دخل له في (التنقص) من بعيد أو قريب.
الموضع الثامن: قال شيخ الإسلام:
(فإن جاز لرافضي أن يقدح فيهما يقول: بأي وجه تلقون رسول الله ﷺ؟ مع أن الواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره حتى أخرجها من منزلها وسافر بها، مع أن ذلك إنما جعلها بمنزلة الملكة التي يأتمر بأمرها ويطيعها، ولم يكن إخراجها لمظان
[ ١١٢ ]
الفاحشة - كان لناصبي أن يقول: بأي وجه يلقى رسول الله ﷺ من قاتل امرأته وسلط عليها أعوانه حتى عقروا بها بعيرها، وسقطت من هودجها، وأعداؤها حولها يطوفون بها كالمسبية التي أحاط بها من يقصد سباءها؟ ومعلوم أن هذا مظنة الإهانة لأهل الرجل وهتكها وسبائها وتسليط الأجانب على قهرها وإذلالها وسبها وامتهانها، أعظم من إخراجها من منزلها بمنزلة الملكة العظيمة المبجلة التي لا يأتي إليها أحد إلا بإذنها، ولا يهتك أحد سترها، ولا ينظر في خدرها.
ولم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها، بل كان في العسكر من محارمها، مثل عبد الله بن الزبير ابن أختها، وخلوة ابن الزبير بها ومسه لها جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وكذلك سفر المرأة مع ذي محرمها جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وهي لم تسافر إلا مع ذي محرم منها. وأما العسكر الذين قاتلوها، فلولا أنه كان في العسكر محمد بن أبي بكر مد يده إليها لمد يده إليها الأجانب، ولهذا دعت عائشة ﵂ على من مد يده إليها قالت: يد من هذه؟ أحرقها الله بالنار. فقال: أي أخية في الدنيا قبل الآخرة. فقالت: في الدنيا قبل الآخرة ز فأحرق بالنار بمصر.
ولو قال المشنع: أنتم تقولون: إن آل الحسين سبوا لما قتل الحسين ولم يفعل بهم إلا من جنس ما فعل بعائشة حيث استولى عليها، وردت إلى بيتها، وأعطيت نفقتها. وكذلك آل الحسين
[ ١١٣ ]
استولى عليهم، وردوا إلى أهليهم، وأعطوا نفقة، فإن كان هذا سبيًا واستحلالًا للحرمة النبوية، فعائشة قد سبيت واستحلت حرمة رسول الله ﷺ وهم يشنعون ويزعمون أن بعض أهل الشام طلب أن يسترق فاطمة بنت الحسين، وأنها قالت: لا هًا لله حتى تكفر بديننا. وهذا إن كان وقع فالذين طلبوا من علي ﵁ أن يسبي من قاتلهم من أهل الجمل وصفين ويغنموا أموالهم، أعظم جرمًا من هؤلاء، وكان في ذلك لو سبوا عائشة وغيرها.
ثم إن هؤلاء الذين طلبوا ذلك من علي كانوا متدينين به مصرين عليه، إلى أن خرجوا على علي وقاتلهم على ذلك. وذلك الذي طلب استرقاق فاطمة بنت الحسين واحد مجهول لا شوكة له ولا حجة، ولا فعل هذا تدينًا، ولما منعه سلطان من ذلك امتنع، فكان المستحلون لدماء المؤمنين وحرمهم وأموالهم وحرمة رسول الله ﷺ في عسكر علي أعظم منهم في عسكر بني أمية، وهذا متفق عليه بين الناس، فإن الخوارج الذين مرقوا من عسكر علي ﵁ هم شر من شرار عسكر معاوية ﵁. ولهذا أمر النبي صلى الله علية وسلم بقاتلهم وأجمع الصحابة والعلماء على قتالهم ز
والرافضة أكذب منهم وأظلم وأجهل، وأقرب إلى الكفر والنفاق، لكنهم أعجز منهم وأذل، وكلا الطائفتين من عسكر علي، وبهذا وأمثاله ضعف علي وعجز عن مقاومة من كان يإزائه.
والمقصود هذا أن ما يذكرونه من القدح في طلحة والزبير ينقلب بما هو أعظم منه في حق علي، فإن أجابوا عن ذلك بأن
[ ١١٤ ]
عليًا كان مجتهدًا فيما فعل، وأنه أولى بالحق من طلحة والزبير.
قيل: نعم، وطلحة والزبير كان مجتهدين، وعلي - وإن كان أفضل منهما - لكن لم يبلغ فعلهما بعائشة ﵂ ما بلغ فعل علي، فعلي أعظم قدرًا منهما، ولكن إن كان فعل طلحة والزبير معها ذنبًا، ففعل علي أعظم ذنبًا، فتقاوم كبر القدر وعظم الذنب.
فإن قالوا: هما أحوجا عليًا إلى ذلك، لأنهما أتيا بها، فما فعله علي مضاف إليهما لا إلى علي.
قيل: هكذا معاوية لما قيل له: قد قتل عمار، وقد قال النبي ﷺ " تقتلك الفئة الباغية " قال: أو نحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به حتى جعلوه تحت سيوفنا. فإن كانت هذه الحجة مردودة، فحجة من احتج بأن طلحة ووالزبير هما فعلا بعائشة ما جرى عليها من إهانة عسكر علي لها، واستيلائهم عليها - مردودة أيضًا. وإن قبلت هذه الحجة قبلت حجة معاوية ﵁.
والرافضة وأمثالهم من أهل الجهل والظلم يحتجون بالحجة التي تستلزم فساد قولهم وتناقضهم، فإنه إن احتج بنظيرها عليهم فسد قولهم المنقوض بنظيرها، وإن لم يحتج بنظيرها بطلت هي في نفسها، لأنه لا بد من التسوية بين المتماثلين، ولكن منتهاهم مجرد الهوى الذي لا علم معه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، أن الله لا يهدي القوم الظالمين.
[ ١١٥ ]
وجماهير أهل السنة متفقون على أن عليًا أفضل من طلحة والزبير، فضلًا عن معاوية وغيره، ويقولون: إن المسلمين لما افترقوا في خلافته فطائفة قاتلته وطائفة قاتلت معه، كان هو وأصحابه أولى الطائفتين بالحق، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق " فهؤلاء هم الخوارج المارقون الذين مرقوا فقتلهم علي وأصحابه، فعلم أنهم كانوا أولى بالحق من معاوية ﵁ وأصحابه. لكن أهل السنة يتكلمون بعلم وعدل، ويعطون كل ذي حق حقه.
تعليق
في هذا الموضع يقابل شيخ الإسلام بين حجج الرافضة في ذم طلحة والزبير - ﵄ - وحجج النواصب في ذم علي -﵁ - ويبين أنه ما من شبهة يقيمها الروافض على ذم طلحة والزبير إلا وللنواصب أشد منها، وهذا من قبيل (الحجج المحرجة) كما سبق. وليس من قبيل التنقص، وإنما ساق الشيخ (هذيان) النواصب لدفع (هذيان) الروافض.
وتأمل ما خط بالأسود مما يدل على مقدار محبته وتعظيمه لعلي - ﵁ - وإنزاله في منزلته التي أرادها الله له.
ثم تأمل قوله في الأخير: (أهل السنة يتكلمون بعلم وعدل
[ ١١٦ ]
ويعطون كل ذي حق حقه) .
الموضع التاسع: قال شيخ الإسلام:
(قالوا ومعاوية أيضًا كان خيرًا من كثير ممن استنابه علي، فلم يكن يستحق أن يعزل ويولى من هو دونه في السياسة، فإن عليًا استناب زياد بن أبيه، وقد أشاروا على علي بتولية معاوية. قالوا: يا أمير المؤمنين توليه شهرًا واعزله دهرًا. ولا ريب أن هذا كان هو المصلحة، إما لا ستحقاقه وإما لتأليفه واستعطافه، فقد كان رسول الله ﷺ أفضل من علي، وولى أبا سفيان، ومعاوية خير منه، فولى من هو خير من علي من هو دون معاوية.
فإذا قيل: إن عليًا كان مجتهدًا في ذلك.
قيل: وعثمان كان مجتهدًا فيما فعل. وأين الاجتهاد في تخصيص بعض الناس بولاية أو إمارة أو مال، من الاجتهاد في سفك المسلمين بعضهم دماء بعض، حتى ذل المؤمنين وعجزوا عن مقاومة الكفار، حتى طمعوا فيهم وفي الاستيلاء عليهم؟ ولا ريب أنه لو لم يكن قتال، بل كان معاوية مقيمًا على سياسة رعيته، وعلي مقيمًا على سياسة رعيته، لم يكن في ذلك من الشر أعظم مما حصل بالاقتتال، فإنه بالاقتتال لم تزل هذه الفرقة ولم يجتمعوا على إمام، بل سفكت الدماء، وقويت العداوة والبغضاء، وضعفت الطائفة التي كانت أقرب إلى الحق، وهي طائفة علي،
[ ١١٧ ]
وصاروا يطلبون من الطائفة الأخرى من المسالمة ما كانت تطلبه ابتداء.
ومعلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته، يحصل به من الخير أعظم مما يحصل بعدمه، وهنا لم يحصل بالاقتتال مصلحة، بل كان ألامر مع عدم القتال خيرًا وأصلح منه بعد التقال، وكان علي وعسكره أكثر وأقوى، ومعاوية وأصحابه أقرب إلى موافقته ومسالمته ومصالحته، فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفورًا لصاحبه، فاجتهاد عثمان أن يكون مغفورًا أولى وأحرى.
وأما معاوية وأعوانه فيقولون: إنما قاتلنا عليًا قتال دفع عن أنفسنا وبلادنا، فإنه بدأنا بالقتال فدفعناه بالقتال ولم نبتدئه بذلك ولا اعتدينا عليه. فإذا قيل لهم: هو الإمام الذي كانت تجب طاعته عليكم ومبايعته وأن لا تشقوا عصا المسلمين. قالوا ما نعلم أنه إمام تجب طاعته، لأن ذلك عند الشيعة إنما يعلم بالنص، ولم يبلغنا عن النبي ﷺ نص بإمامته ووجوب طاعته. ولا ريب أن عذرهم في هذا ظاهر، فإنه لو قدر أن النص الجلي الذي تدعيه الإمامية حق، فإن هذا قد كتم وأخفى في زمن أبي بكر وأصحابه مثل ذلك لو كان حقا، فكيف إذا كان باطلًا؟)
[ ١١٨ ]
تعليق
في هذا الموضع يمارس الشيخ ﵀ موهبته في ضرب شبهات الروافض بشبهات النواصب لتسقط الشبهتان ويبقي منهج أهل السنة المعتدل.
فهو يحرج الرافضة بأن جميع ما يقولونه في عثمان أو معاوية هو لازم لعلي، لا مناص من ذلك.
وكما سبق: ليس هذا من قبيل التنقص، ولكن من قبيل إسقاط شبهات الطرفين، ليبقى أهل الوسط وهم أهل السنة ظاهرين.
الموضع العاشر: قال شيخ الإسلام:
(ثم يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم النواصب: علي قد استحل دماء المسلمين، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله لعى رياسته. وقد النبي ﷺ: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " وقال: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " فيكون علي كافرًا لذلك - لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم، لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة.
وأيضًا فيقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريدًا للعلو في الأرض والفساد. وهذا حال فرعون. والله تعالى يقول: (تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في
[ ١١٩ ]
الأرض ولا فسادا والعقبة للمتقين)، فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة. وليس هذا كقتال الصديق للمرتدين ولمانعي الزكاة، فإن الصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله، لا على طاعته. فإن الزكاة فرض عليهم،
فقاتلهم على الإقرار بها، وعلى أدائها، بخلاف من قاتل ليطاع هو) .
(وفي الجملة فالذين قاتلهم الصديق ﵁ كانوا ممتنعين عن طاعة رسول الله ﷺ والإقرار بما جاء به، فلهذا كانوا مرتدين، بخلاف من أقر بذلك ولكن امتنع عن طاعة شخص معين كمعاوية وأهل الشام، فإن هؤلاء كانوا مقرين بجميع ما جاء به الرسول ﷺ: يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وقالوا: نحن نقوم بالواجبات من غير دخول في طاعة علي ﵁، لما علينا في ذلك من الضرر، فأين هؤلاء من هؤلاء؟)
تعليق
هذا الموضع - أيضًا - هو من قبيل التضييق على الروافض وأنهم إن طعنوا في أبي بكر - ﵁ - بشبهات لا غية فسيوجد غيرهم من النواصب ممن يطعن في علي - ﵁ - بشبهات أخرى لا غية، فمهما ألصقوا بأبي بكر تهمة من التهم فسيندرج ذلك على علي أيضًا ولن يستطيعوا أن يدفعوا ذلك عنه
[ ١٢٠ ]
إلا بأن يدفعوا شبهاتهم عن أبي بكر، فهم في حرج وضيق يرتدعون معه عن التعرض لصحابة رسول الله ﷺ أدنى تعرض.
الموضع الحادي عشر: قال شيخ الإسلام:
(اجتماع الناس على مبايعة أبي بكر كانت على قولكم أكمل، وأنتم وغيركم تقولون: إن عليًا تخلف عنها مدة. فيلزم على قولكم أن يكون علي مستكبرًا عن طاعة الله في نصب أبي بكر عليه إمامًا، فيلزم حينئذ كفر علي بمقتضى حجتكم، أو بطلانها في نفسها. وكفر علي باطل، فلزم بطلانها)
تعليق
الروافض يزعمون أن معاوية - ﵁ - قد استكبر عن طاعة علي ﵁، فلهذا هو شر من إبليس الذي استكبر على آدم فيجيبهم شيخ الإسلام دافعًا هذه الفرية عن معاوية بأن هذا يلزم عليًا كما يلزم معاوية، فإن عليًا قد تأخر عن مبايعة أبي بكر بالخلافة عدة أشهر فيلزم من هذا على قولكم أنه قد استكبر عن طاعته فيلزم من ذلك اللوازم الشنيعة التي ألزمتم بها معاوية.
فإذا لم تلتزموا ذلك، فالحجة من أصلها باطلة، فإذا بطلت في حق علي فهي باطلة في حق معاوية سواء بسواء؟
فهذا الموضع يبين موهبة شيخ الإسلام في إفحام الخصوم
[ ١٢١ ]
وإحراجهم بالحجة المنعكسة التي تجعلهم يقولون: اللهم سلم، سلم؟
الموضع الثاني عشر: قال شيخ الإسلام:
(إن الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة لأبي بكر وعمر أكثر وأعظم من الفضائل الثابتة لعلي، والأحاديث التي ذكره هذا وذكر أنها في الصحيح عند الجمهور، وأنهم نقلوها في المعتمد من قولهم وكتبهم، هو من أبين الكذب على علماء الجمهور، فإن هذه الأحاديث التي ذكرها أكثرها كذب أو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، والصحيح الذي فيها ليس فيه ما يدل على إمامة علي ولا على فضيلته على أبي بكر وعمر، بل وليست من خصائصه، بل هي فضائل شاركه فيها غيره، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر، فإن كثير منها خصائص لهما، لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص لم يشركه فيها غيره.
وأما ما ذكره من المطاعن، فلا يمكن أن يوجه على الخلفاء الثلاثه من مطعن إلا وجه على علي ما هو مثله أو أعظم منه.
فتبين أن ما ذكره في هذا الوجه من أعظم الباطل، ونحن نبين ذلك تفصيلًا.
وأما قوله: " إنهم جعلوه إمامًا لهم حيث نزهه المخالف والموافق، وتركوا غيره حيث روى فيه من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته "
[ ١٢٢ ]
فيقال: هذا كذب بين، فإن عليًا ﵁ لم ينزهه المخالفون، بل القادحون في علي طوائف متعددة، وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان، والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه، فإن الخوارج متفقون على كفره، وهم عند المسلمين كلهم خير من الغلاة الذين يعتقدون إلاهيته أو نبوته، بل هم - والذين قاتلوه من الصحابة والتابعين - خير عند جماهير المسلمين من الرافضة الإثنى عشرية، الذين اعتقدوه إمامًا معصومًا.
وأبو بكر وعمر وعثمان ليس في الأمة من يقدح فيهم إلا الرافضة، والخوارج المكفرون لعلي يوالون أبا بكر وعمر ويترضون عنهما، والمروانية الذين ينسبون عليًا إلى الظلم، ويقولون: إنه لم يكن خليفة يوالون أبا بكر وعمر مع أنهما ليسا من أقاربهم ن فكيف يقال مع هذا: إن عليًا نزهه المؤالف والمخالف بخلاف الخلفاء الثلاثة؟
ومن المعلوم أن المنزهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل، وأن القادحين في علي حتى بالكفر والفسوق والعصيان طوائف معروفة، وهم أعلم من الرافضة وأدين، والرافضة عاجزون معهم علمًا ويدًا، فلا يمكن الرافضة أن تقيم عليهم حجة تقطعهم بها، ولا كانوا معهم في القتال منصورين عليهم.
والذين قدحوا في علي ﵁ وجعلوه كافرًا وظالمًا ليس فيهم طائفة معروفة بالردة عن الإسلام، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة، كالغالية الذين يدعون إلهيته من
[ ١٢٣ ]
النصيرية وغيرهم، وكالإسماعيلية الملاحدة الذين هم شر من النصيرية، وكالغالية الذين يدعون نبوته، فإن هؤلاء مرتدون كفرهم بالله ورسوله ظاهر لا يخفى على عالم بدين الإسلام، فمن اعتقد في بشر الإلهية، أو اعتقد بعد محمد ﷺ نبيًا، أو أنه لم يكن نبيًا بل كان علي هو النبي دونه وإنما غلط جبريل، فهذه المقالات ونحوها مما يظهر كفر أهلها لمن يعرف الإسلام أدنى معرفة.
بخلاف من يكفر عليًا ويلعنه من الخوارج، وممن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم، فإن هؤلاء كانوا مقرين بالإسلام وشرائعه: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان، ويحجون البيت العتيق، ويحرمون ما حرم الله ورسوله، وليس فيهم كفر ظاهر، بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم معظمة عندهم، وهذا أمر يعرفه كل من عرف أحوال الإسلام، فكيف يدعى مع هذا أن جميع المخالفين نزهوه دون الثلاثة؟
بل إذا اعتبر الذين كانوا يبغضونه ويوالون عثمان والذين كانوا يبغضون عثمان ويحبون عليًا، وجد هؤلاء خيرًا من أولئك من وجوه متعددة، فالمنزهون لعثمان القادحون في علي أعظم وأدين وأفضل من المنزهين لعلي القادحين في عثمان كالزيدية مثلًا.
فمعلوم أن الذين قاتلوه ولعنوه وذموه من الصحابة والتابعين
[ ١٢٤ ]
وغيرهم هم أعلم وأدين من الذين يتولونه ويلعنون عثمان، ولو تخلى أهل السنة عن موالاة علي ﵁ وتحقيق إيمانه ووجوب موالاته، لم يكن في المتولين له من يقدر أن يقاوم المبغضين له من الخوارج والأموية والمروانية، فإن هؤلاء طوائف كثيرة)
تعليق
في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على مقولة الرافضي بأن عليًا قد نزهه المؤالف والمخالف بخلاف الخلفاء الراشدين الثلاثة، فبين ﵀ أن عليًا قد خالفه أقوام وظعنوا فيه ولم يتفقوا عليه كما يزعم الرافضي.
ثم عقد مقارنة بين الذين غلوا فيه وبين الذين طعنوا فيه ووضح أن الأخرين أفضل من ألأولين فمتابعتهم وتصديق شبهاتهم أولى من متابعة وتصديق الروافض، ولكن الله نزه أهل السنة وحماها من سلوك مسلك الطائفتين، فحفظت لعلي حقه وعرفت فضله، فلم تغل فيه أو تجف عنه.
وتأمل - أخي القارئ - ما خط بالأسود في نهاية الموضع تجد أن شيخ الإسلام - بذكائه الواسع - قد أخبرنا بأن أهل السنة هم المدافعون حقًا عن علي ﵁ أمام أعدائه، بخلاف الروافض الذين سيعجزون عن مقاومة النواصب الشانئين له، لأنه
[ ١٢٥ ]
ما من مطعن للروافض على الخلفاء الثلاثة إلا واللنواصب أشد مه وأعظم في علي. أما أهل السنة فإنهم يترضون عن الجميع ويتعاملون كما أمر الله ورسوله ﷺ.
الموضع الثالث عشر قال شيخ الإسلام:
عن علي ﵁: (وتشبيهه بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر وعمر: هذا بإبراهيم وعيسى، وهذا بنوح وموسى، فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة.
وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص، ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص.
وكذلك قوله: " لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال: فتطاولنا، فقال: ادعوا لي عليًا، فأتاه وبه رمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله على يديه" وهذا الحديث أصح ما روي لعلي من الفضائل، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه. وليس هذا الوصف مختصًا بالأئمة ولا بعلي، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي، وكل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين يتبرؤون منه ولا يتولونه ولا يحبونه، بل قد يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، فإن النبي ﷺ شهد له بأنه يحب الله ورسوله
[ ١٢٦ ]
ويحبه الله ورسوله.
لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك، لكن هذا باطل، فإن الله ورسوله لا يطلق هذا المدح على من يعلم أنه يموت كافرًا)
(وكذلك حديث المباهلة شركه فيه فاطمة وحسن وحسين، كما شركوه في حديث الكساء، فعلم أن ذلك لا يختص بالرجال ولا بالذكور ولا بالأئمة، بل يشركه فيه المرأة والصبي، فإن الحسن والحسين كانا صغيرين عند المباهلة، فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران بعد فتح مكة سنة ستع أو عشر، والنبي ﷺ مات ولم يكمل الحسين سبع سنين، والحسن أكبر منه بنحو سنة، وإنما دعا هؤلاء لأنه أمر أن يدعو كل واحد من الأقربين: والنساء والأنفس، فيدعو الواحد من أولئك: أبناؤه ونساءه، وأخص الرجال به نسبًا.
وهؤلاء أقرب الناس إلى النبي ﷺ نسبًا، وإن كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه، لأن المقصود أن يدعو كل واحد منهم أخص الناس به، لما في جبلة الإنسان من الخوف عليه وعلى ذوي رحمه الأقربين إليه، ولهذا خصهم في حديث الكساء.
والدعاء لهم والمباهلة مبناها على العدل، فأولئك أيضًا يحتاجون أن يدعوا أقرب الناس إليهم نسبهم، وهم يخافون عليهم
[ ١٢٧ ]
مالا يخافون على الأجانب، ولهذا امتنعوا عن المباهلة، لعلمهم بأنه على الحق، وأنهم إذا باهلوه حقت عليهم بهلة الله وعلى الأقربين إليهم، بل قد يحذر الإنسان على ولده مالا يحذره على نفسه.
فإن قيل: فإذا كان ما صح م فضائل علي ﵁، كقوله ﷺ: " لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله "، وقوله: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى "، وقوله: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا " ليس من خصائصه، بل له فيه شركاء، فلماذا تمنى بعض الصحابة أن يكون له ذلك، كما روى عن سعد وعن عمر؟
فالجواب: أن في ذلك شهادة النبي ﷺ لعلي بإيمانه باطنًا وظاهرًا، وإثباتًا لموالاته لله ورسوله ووجوب موالاة المؤمنين له. وفي ذلك رد على النواصب الذين يعتقدون كفره أو فسقه، كالخوارج المارقين الذين كانوا من أعبد الناس، كما قال النبي ﷺ فيهم: " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم " وهؤلاء يكفرونه ويستحلون قتله، ولهذا قتله واحد منهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، مع كونه كان من أعبد الناس.
وأهل العلم والسنة يحتاجون إلى إثبات إيمان علي وعدله
[ ١٢٨ ]
ودينه للرد على هؤلاء، أعظم مما يحتاجون إلى مناظرة الشيعة، فإن هؤلاء أصدق وأدين، والشبه التي يحتجون بها أعظم من الشبه التي تحتج بها الشيعة، كما أن المسلمين يحتاجون في أمر المسيح صلوات الله وسلامه عليه إلى مناظرة اليهود والنصارى، فيحتاجون أن ينفوا عنه ما يرميه به اليهود من أنه كاذب ولد زنا، وإلى ما تدعيه النصارى من الإلهية، وجدل اليهود أشد من جدل النصارى، ولهم شبه لا يقدر النصارى أن يجيبوهم عنها، وإنما يجيبهم عنها المسلمون، كما أن للنواصب شبهًا لا يمكن الشيعة أن يجيبوا عنها، وإنما يجيبهم عنها أهل السنة.
فهذه الأحاديث الصحيحة المثبتة لإيمان علي باطنًا وظاهرًا رد على هؤلاء، وإن لم يكن ذلك من خصائصه، كالنصوص الدالة على إيمان أهل بدر وبيعة الرضوان باطنًا وظاهرًا، فإن فيها ردا على من ينازع في ذلك من الروافض والخوارج، وإن لم يكن ما يستدل به من خصائص واحد منهم، وإذا شهد النبي ﷺ لمعين بشهادة، أو دعا له بدعاء، أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة ومثل ذلك الدعاء، وإن كان النبي ﷺ يشهد بذلك لخلق كثير ويدعو به لخلق كثير، وكان تعيينه لذلك المعين من أعظم فضائله ومناقبه) .
[ ١٢٩ ]
تعليق
في هذا الموضع يبين شيخ الإسلام قضية سبق توضيحها في المقدمة وهي أن الفضائل الثابتة لعلي ﵁ هي فضائل مشتركة بينه وبين غيره ولم ينفرد بشئ منها، وفي هذا رد على الروافض الذين سيستغلون مثل هذه الفضائل في ادعاء عصمته أو أحقيته بالخلافة أو نحو ذلك من الغلو.
ثم وضح - ﵀ - أن هذه الفضائل الثابتة له فيها أعظم الرد على النواصب الذين يبغضونه، فهي سلاح بيد أهل السنة يقطعون به شبهاتهم.
ففي فضائله الثابتة رد على الطائفتين الخائبتين: رد على الروافض لأنها مشتركة ورد على النواصب لأنها ثابتة.
وتقرير الحقائق ليس فيه أي تنقص لعلي ﵁.
الموضع الرابع عشر: قال شيخ الإسلام:
(استعانة علي برعيته وحاجته إليهم كانت أكثر من استعانة أبي بكر، وكان تقويم أبي بكر لرعيته وطاعتهم له أعظم من تقويم علي لرعيته وطاعتهم له. فإن أبا بكر كانوا إذا نازعوه أقام عليهم الحجة حتى يرجعوا إليه، كما أقام الحجة على عمر في قتال مانعي الزكاة وغير ذلك. وكانوا إذا أمرهم أطاعوه. وعلي ﵁ لما ذكر قوله في أمهات الأولاد وأنه اتفق رأيه ورأي عمر على أن لا يبعن، ثم رأى أن يبعن، فقال له قاضيه عبيدة
[ ١٣٠ ]
السلماني: رأيك مع عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة.
وكان يقول: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف، حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي.
وكانت رعيته كثيرة المعصية له، وكانوا يشيرون عليه بالرأي الذي يخالفهم فيه، ثم يتبين له أن الصواب كان معهم. كما أشار عليه الحسن بأمور، مثل أن لا يخرج من المدينة دون المبايعة، وأن لا يخرج إلى الكوفة، وأن لا يقاتل بصفين، وأشار عليه أن لا يعزل معاوية، وغير ذلك من الأمور.
وفي الجملة فلا يشك عاقل أن السياسة انتظمت لأبي بكر وعمر وعثمان ما لم تنظم لعلي ﵃. فإن كان هذا لكمال المتولي وكمال الرعية، وكانوا هم ورعيتهم أفضل. وإن كان لكمال المتولي وحده، فهو أبلغ في فضلهم. وإن كان ذلك لفرط نقص رعيه علي، كان رعية علي أنقص من رعية أبي بكر ﵁ وعمر وعثمان.
ورعيته هم الذين قاتلوا معه، وأقروا بإمامته. ورعية الثلاثة كانوا مقرين بإمامتهم. فإذا كان المقرون بإمامة الثلاثة أفضل من المقرين بإمامة علي، لزم أن يكون كل واحد من الثلاثة أفضل منه.
وأيضًا فقد انتظمت السياسة لمعاوية ما لم تنظم لعلي،
[ ١٣١ ]
فيلزم أن تكون رعية معاوية خيرًا من رعية علي، ورعية معاوية شيعة عثمان، وفيهم النواصب المبغضون لعلي، فتكون شيعة عثمان والنواصب أفضل من شيعة علي، فيلزم على كل تقدير: إما أن يكون الثلاثة أفضل من علي:، وإما أن تكون شيعة عثمان والنواصب أفضل من شيعة علي والروافض.
وأيهما كان لزم فساد مذهب الرافضة، فإنهم يدعون أن عليًا أكمل من الثلاثة، وأن شيعته الذين قاتلوا معه أفضل من الذين بايعوا الثلاثة، فضلًا عن أصحاب معاوية.
والمعلوم باتفاق الناس أن الأمر انتظم للثلاثة ولمعاوية ما لم ينتظم لعلي. فكيف يكون الإمام الكامل والرعية الكاملة - على رأيهم - أعظم اضطرابًا وأقل انتظامًا من الإمام الناقص والرعية الناقصة؟ بل من الكافرة والفاسقة على رأيهم؟
ولم يكن في أصحاب على من العلم والدين والشجاعة والكرم، إلا ما هو دون ما في رعية الثلاثة. فلم يكونوا أصلح في الدنيا ولا في الدين. ومع هذا فلم يكن للشيعة إمام ذو سلطان معصوم بزعمهم أعظم من علي ن فإذا لم يستقيموا معه كانوا أن لا يستقيموا مع هو دونه أولى وأحرى. فعلم أنهم شر وأنقص من غيرهم)
[ ١٣٢ ]
تعليق
في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على طعن الرافضي في أبي بكر بأنه قد احتاج إلى رعيته في قوله: " إن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني " قال الرافضي: (وكيف يجوز إمامة من يستعين بالرعية على تقويمه، مع أن الرعية تحتاج إليه؟)
فأجابه الشيخ بما سبق، وهو أن استعانة علي برعيته أكثر من استعانة أبي بكر، فإذا لم تجز إمامة أبي بكر بزعمكم، لم تجز إمامة علي.
ثم بين عكس هذا الذي يزعمه الرافضي من خلال الواقع التاريخي، فقرر أن خلافة أبي بكر بل عمر وعثمان ومعاوية كانت السياسة فيها منتظمة أكثر مما انتظمت في عهد علي، فإذا لم تجز إمامتهم وهم كذلك، فإمامة علي غير جائزة على قولكم.
وتقرير الحقائق الثابتة للرد على الغلاة ليس فيه أي تنقص من علي - ﵁ - كما سبق.
الموضع الخامس عشر:
(قال الرافضي: " وأحرق الفجاءة السلمي بالنار، وقد نهى النبي ﷺ عن الإحراق بالنار ")
فقال شيخ الإسلام: (الجواب: أن الإحراق بالنار عن علي
[ ١٣٣ ]
أشهر وأظهر منه عن أبي بكر وأنه قد ثبت في الصحيح أن عليًا أتى بقوم زنادقة من غلاة الشيعة، فحرقهم بالنار، فبلغ ذلك أبن عباس ن فقال لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، لنهي النبي صلى لله عليه وسلم أن يعذب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم، لقول النبي ﷺ: " من بدل دينه فاقتلوه:.
فبلغ ذلك عليًا، فقال: ويح ابن أم الفضل ما أسقطه على الهنات.
فعلي حرق جماعة بالنار. فإن كان ما فعله أبو بكر منكرًا، ففعل علي أنكر منه، وإن كان فعل علي مما لا ينكر مثله على الأئمة، فأبوبكر أولى أن لا ينكر عليه)
تعليق
في هذا الموضع - وقد مر مثله كثير - يقلب شيخ الإسلام شبهة الروافض على رؤؤسهم ليجعلهم يطلبون النجاة من هذا المأزق الذي ورطوا به أنفسهم بجهلهم.
ولم يكذب شيخ الإسلام على علي في هذا الموضع وإنما أبرز للروافض هذه الحادثة الثابتة ليفحمهم بها، وهي اجتهاد من إمام المسلمين في زمانه علي بن أبي طالب - ﵁ - لا يذم بفعله.
[ ١٣٤ ]
الموضع السادس عشر:
قال الرافضي طاعنًا في أبي بكر ﵁: (وأهمل حدود الله فلم يقتص من خالد بن الوليد ولا حده حيث قتل مالك بن نويرة، وكان مسلمًا، وتزوج امرأته في ليلة قتله وضاجعها، وأشار عليه عمر بقتله فلم يفعل)
قال شيخ الإسلام: (والجواب: أن يقال: أولًا إن كان ترك قتل قاتل المعصوم مما ينكر على الأئمة، كان هذا من أعظم حجة شيعة عثمان على علي، فإن عثمان خير من ملء الأرض من مثل مالك بن نويرة، وهو خليفة المسلمين، وقد قتل مظلومًا شيهدًا بلا تأويل مسوغ لقتله، وعلي لم يقتل قتلته، وكان هذا من أعظم ما امتنعت به شيعة عثمان عن مبايعة علي، فإن كان علي له عذر شرعي في ترك قتل قتلة عثمان، فعذر أبي بكر في ترك قتل قاتل مالك بن نويرة أقوى، وإن لم يكن لأبي بكر عذر في ذلك فعلي أولى أن لا يكون له عذر في ترك قتل قتلة عثمان.
وأما ما تفعله الرافضة من الإنكار على أبي بكر في هذه القضية الصغيرة، وترك إنكار ما هو أعظم منها على علي، فهذا من فرط جهلهم وتناقضهم.
وكذلك إنكارهم على عثمان كون لم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، هو من هذا الباب.
وإذا قال القائل: علي كان معذورًا في ترك قتل قتلة عثمان،
[ ١٣٥ ]
لأن شروط الاستيفاء لم توجد: إما لعدم العلم بأعيان القتلة، وإما لعجزه عن القوم لكونهم ذوي شوكة، ونحو ذلك.
قيل: فشروط الاستيفاء لم توجد في قتل قاتل مالك بن نويرة، وقتل قاتل الهرمزان، لوجود الشبهة في ذلك، والحدود تدرأ بالشبهات.
وإذا قالوا: عمر أشار على أبي بكر بقتل خالد بن الوليد، وعلي أشار على عثمان بقتل عبيد الله بن عمر.
قيل: وطلحة والزبيروغيرهما أشاروا على علي بقتل قتلة عثمان، مع أن الذين أشاروا على أبي بكر بالقود، أقام عليهم حجة سلموا لها: إما لظهور الحق معه، وإما لكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد.
وعلي لما لم يوافق الذين أشاروا عليه بالقود، جرى بينه وبينهم من الحروب ما قد علم، وقتل قتلة عثمان أهون مما جرى بالجمل وصفين فإذا كان في هذا اجتهاد سائغ، ففي ذلك أولى.
وإن قالوا: عثمان كان مباح الدم.
قيل لهم: فلا يشك أحد في أن إباحة دم مالك بن نويرة أظهر من إباحة دم عثمان، بل مالك بن نويرة لا يعرف أنه كان معصوم الدم، ولم يثبت ذلك عندنا. وأما عثمان فقد ثبت بالتواتر ونصوص الكتاب والسنة أنه كان معصوم الدم. وبين عثمان ومالك بن نويرة من الفرق ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى.
[ ١٣٦ ]
ومن قال: أن عثمان كان مباح الدم، لم يمكنه أن يجعل عليًا معصوم الدم، ولا الحسين، فإن عصمة دم عثمان أظهر من عصمة دم علي والحسين. وعثمان أبعد عن موجبات القتل من علي والحسين. وشبهة قتلة عثمان أضعف بكثير من شبهة قتلة علي والحسين، فإن عثمان لم يقتل مسلمًا، ولا قاتل أحدًا على ولايته ولم يطلب قتال أحد على ولايته أصلًا، فإن وجب أن يقال: من قتل خلقًا من المسلمين على ولايته إنه معصوم الدم، وإنه مجتهد فيما فعله، فلان يقال: عثمان معصوم الدم، وإنه مجتهد فيما فعله من الأموال والولايات بطريق الأولى والأحرى.
ثم يقال: غاية ما يقال في قصة مالك ابن نويرة: إنه كان معصوم الدم وإن خالدًا قتله بتأويل، وهذا لا يبيح قتل خالد، كما أن أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله. وقال له النبي ﷺ: " يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ " فأنكر عليه قتله، ولم يوجب قودًا ولا دية ولا كفارة.
وقدر روى محمد بن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس وقتادة أن هذه الآية: قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنًا) نزلت في شأن مرداس، رجل من غطفان، بعث النبي ﷺ جيشًا إلى قومه، عليهم غالب الليثي، ففر أصحابه ولم يفر. قال: إني مؤمن، فصحبته الخيل، فسلم عليهم، فقتلوه وأخذوا غنمه، فأنزل الله هذه الآية، وأمر رسول الله ﷺ برد أمواله
[ ١٣٧ ]
إلى أهله وبديته إليهم، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.
وكذلك خالد بن الوليد قد قتل بني جذيمة متأولًا، ورفع النبي ﷺ يديه وقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ".
ومع هذا فلم يقتله النبي ﷺ لأنه كان متأولًا.
فإذا كان النبي لم يقتله مع قتله غير واحد من المسلمين من بني جذيمة للتأويل، فلأن لا يقتله أبو بكر لقتله مالك بن نويرة بطريق الأولى والأحرى.
وقد تقدم ما ذكره هذا الرافضي من فعل خالد ببني جذيمة، وهو يعلم أن النبي ﷺ لم يقتله، فيكف لم يجعل ذلك حجة لأبي بكر في أن لا يقتله؟ لكن من كان متبعًا لهواه أعماه عن أبتاع الهدى.
وقوله: إن عمر أشار بقتله.
فيقال: غاية هذا أن تكون مسألة اجتهاد، كان رأي أبي بكر فيها أن لا يقتل خالدًا، وكان رأي عمر فيها قتله، وليس عمر بأعلم من أبي بكر: لا عند السنة ولا عند الشيعة، ولا يجب على أبي بكر ترك رأيه لرأي عمر، ولم يظهر بدليل شرعي أن قول عمر هو الراجح، فيكف يجوز أن يجعل مثل هذا عيبًا لأبي بكر إلا من هو من أقل الناس علمًا ودينًا؟
وليس عندنا أخبار صحيحة ثابتة بأن الأمر جرى على وجه يوجب قتل خالد.
[ ١٣٨ ]
وأما ما ذكره من تزوجه بامرأته ليلة قتله، فهذا مما لم يعرف ثوته. ولو ثبت لكان هناك تأويل يمنع الرجم. والفقهاء مختلفون في عدة الوفاة: هل تجب للكافر؟ على قولين. وكذلك تنازعوا: هل يجب على الذمية عدة وفاة؟ على قولين مشهورين للمسلمين، بخلاف عدة الطلاق، فإن تلك سببها الوطء، فلا بد من براءة الرحم. وأما عدة الوفاة فتجب بمجرد العقد، فإذا مات قبل الدخول بها فهل تعتد من الكافر أم لا؟ فيه نزاع. وكذلك إن كان دخل بها، وقد حاضت بعد الدخول حيضة.
هذا إذا كان الكافر أصليًا. وأما المرتد إذا قتل، أو مات على ردته، ففي مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد ليس عليها عدة وفاة بل عدة فرقة بائنة، لأن النكاح بطل بردة الزوج، وهذه الفرقة ليست طلاقًا عند الشافعي وأحمد، وهي طلاق عند مالك وأبي حنيفة، ولهذا لم يوجبوا عليها عدة وفاة، بل عدة فرقة بائنة، فإن كان لم يدخل بها فلا عدة عليها، كما ليس عليها عدة من الطلاق.
ومعلوم أن خالداُ قتل مالك بن نويرة لأنه رآه مرتدًا، فإذا كان لم يدخل بامرأته فلا عدة عليها عند عامة العلماء، وإن كان قد دخل بها فإنه يجب عليها استبراء بحيضة لا بعدة كاملة في أحد قوليهم، وفي الآخر بثلاث حيض، وإن كان كافرًا أصليًا فليس على امرأته عدة وفاة في أحد قوليهم. وإذا كان الواجب استبراء بحيضة فقد تكون حاضت. ومن الفقهاء من يجعل بعض الحيضة
[ ١٣٩ ]
استبراء، فإذا كانت في آخر الحيض جعل ذلك استبراء لدلالته على براءة الرحم.
وبالجملة فنحن لم نعلم أن القضية وقعت على وجه لا يسوغ فيها الاجتهاد، والطعن بمثل ذلك من قول من يتكلم بلا علم، وهذا مما حرمه الله ورسوله)
تعليق
في هذا الموضع يجيب شيخ الإسلام على شبهة أخرى من شبهات الروافض في الطعن على أبي بكر بأنه لم يقتل خالدًا لقتله مالك بن نويرة، فبين الشيخ أن هذا قد وقع مثله أو أعظم منه لعلي ﵁ حيث لم يقتل قتلة عثمان، وهو - أي عثمان - (خير من ملء الأرض من مثل مالك بن نويرة) فإذا لمتم أبا بكر فلوموا عليًا. الذي تتهمه النواصب بمثل اتهامكم لأبي بكر، وأما عند أهل السنة فلا لوم على الاثنين لأن لكل منهما عذره المقبول. وتقرير الثابت ليس فيه أي تنقص لعلي - ﵁ -.
الموضع السابع عشر: قال شيخ الإسلام:
(وأما علي ﵁ فإن أهل السنة يحبونه ويتولونه، ويشهدون بأنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، لكن نصف رعيته يطعنون في عدله، فالخوارج يكفرونه، وغير الخوارج من
[ ١٤٠ ]
أهل بيته وغير أهل بيته يقولون: إنه لم ينصفهم، وشيعة عثمان يقولون: إنه ممن ظلم عثمان. وبالجملة لم يظهر لعلي من العدل، مع كثرة الرعية وانتشارها، وما ظهر لعمر، ولا قريب منه.
وعمر لم يول أحدًا من أقاربه، وعلي ولى أقاربه، كما ولى عثمان أقاربه. وعمر مع هذا يخاف أن يكون ظلمهم، فهو أعدل وأخوف من الله من علي. فهذا مما يدل على أنه أفضل من علي.
وعمر، مع رضا رعيته عنه، يخاف أن يكون ظلمهم، وعلي يشكون من رعيته وتظلمهم، ويدعو عليهم ويقول: إني أبغضهم ويبغضوني وسئمتهم وسئموني. اللم فأبدلني بهم خيرًا منهم، وأبدلهم بي شرا مني.
فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟)
تعليق
في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على طعن الرافضة في عمر وأحقيته بالخلافة، وقد قال قبله عن الرافضة بأنها (لما غلت في علي جعلت ذنب عمر كونه تولى، وجعلوا يطلبون له ما يتبين به ظلمه، فلم يمكنهم ذلك) لأنه ما من شبهة لهم ضده إلا وللنواصب مثلها ضد علي، ففي هذا إلزام لهم بأن يحفظوا ألسنتهم ولا يطلقوها في عرض عمر، لأنهم سيقابلون بالمثل من النواصب.
[ ١٤١ ]
وأما أهل السنة فيردون (غلو) الروافض (بجفاء) النواصب.
وليس في هذا أي تنقص لعلي - ﵁ -.
الموضع الثامن عشر: قال شيخ الإسلام:
رادًا قول الرافضي بأن فاطمة قد دعت على عمر لأنه ظلمها، فسلط الله عليه أبا لؤلؤة المجوسي حتى قتله.
(والداعي إذا دعا على مسلم بأن يقتله كافر، كان ذلك دعاء له لا عليه، كما كان النبي ﷺ يدعو لأصحابه بنحو ذلك، كقوله: " يغفر الله لفلان " فيقولون: لو أمتعتنا به وكان إذا دعا لأحد بذلك استشهد.
ولو قال قائل: إن عليًا ظلم أهل صفين والخوارج حتى دعوا عليه بما فعله ابن ملجم، لم يكن هذا أبعد عن المعقول من هذا. وكذلك لو قال إن آل سفيان بن حرب دعوا على الحسين بما فعل به)
تعليق
هذا رد مفحم يشابه الردود السابقة، وهو مقابلة شبهات أهل الرفض بضدها، فما قالوه في غير علي، قد يقوله غيرهم في علي، فالأولى بهم أن يصمتوا عن تلفيق الأكاذيب. وليس في هذا أي تنقص - كما سبق - بل هو من قبيل الحجج (المحرجة) .
[ ١٤٢ ]
الموضع التاسع عشر: قال شيخ الإسلام:
متابعًا ردوده على طعن الرافضي بعمر - ﵁ -: (وأما قول الرافضي: " وعطل حدود الله فلم يحد المغيرة بن شعبة ".
فالجواب: أن جماهير العلماء على ما فعله عمر في قصة المغيرة، وأن البينة إذا لم تكمل حد الشهود. ومن قال بالقول الآخر لم ينازع في أن هذه مسألة اجتهاد. وقد تقدم أن ما يرد على علي بتعطيل إقامة القصاص والحدود على قتلة عثمان أعظم فإذا كان القادح في علي مبطلًا، فالقادح في عمر أولى بالبطلان)
تعليق
ونحن نعلم، كما أن الشيخ يعلم، أن هذا القدح باطل في عمر وفي علي ﵄، ولكنه ذكر هذا للتضييق على الرافضة، ومقابلة شبهتهم بما يكسرها من شبه غيرهم.
الموضع العشرون: قال شيخ الإسلام:
متابعًا ردوده على الرافضي في اتهامه عمر بأنه يجهل السنة: (وعلي رضي الله عن قد خفي عليه من سنة رسول الله ﷺ أضعاف ذلك، ومنها ما مات ولم يعرفه)
[ ١٤٣ ]
تعليق
قد علمنا أن الروافض إذا أبغضت أحدًا تقولت عليه الأقاويل، واتهمته بما ليس تهمة عند العقلاء، ومنه هذا الموضع، وهو أن عمر قد تخفى عليه سنة رسول الله ﷺ، وليس في هذا أي مطعن أو نقص فيه ﵁، لأن أحدًا لا يدعي بأنه قد أحاط بجميع مسائل الدين جليلها ودقيقها. فبين لهم الشيخ أن ما تقولونه في عمر هو حاصل لعلي من خلال الوقائع الثابتة، فإن طعنتم في عمر فاطعنوا في علي، وهذا من قبيل إفحام الخصم كما سبق.
الموضع الحادي والعشرون: قال شيخ الإسلام:
متابعًا رده على طعون الرافضي في عمر ﵁ بأنه قد قال بالرأي؟
(فإن كان القول بالرأي ذنبًا فذنب غير عمر - كعلي وغيره - أعظم، فإن ذنب من استحل دماء المسلمين برأي، هو ذنب أعظم من ذنب من حكم في قضية جزئية برأيه، وإن كان منه ما هو صواب ومنه ما هو خطأ، فعمر ﵁ أسعد بالصواب من غيره، فإن الصواب في رأيه أكثر منه في رأي غيره، والخطأ في رأي غيره أكثر منه في رأيه، وإن كان الرأي كله صواب، فالصواب الذي مصلحته أعظم هو خير وأفضل من الصواب الذي مصلحته دون ذلك، وآراء عمر ﵁ كانت مصالحها أعظم
[ ١٤٤ ]
للمسلمين)
تعليق
كما سبق معنا كثيرًا، فهذا الموضع من قبيل مقابلة الشبهة بشبهة تدحضها ثم تتساقط الشبهتان سويًا ويبقى الرأي الصحيح.
وقد علمنا في المقدمة أن هذا من الجوانب التي بذ فيها شيخ الإسلام من سواه من العلماء، فكما أن الشبهة الساقطة ليس فيها أي تنقص من الفاضل فليس فيها أي تنقص من المفضول.
الموضع الثاني والعشرون: قال شيخ الإسلام:
رادًا على الرافضي قوله بأن عثمان قد صدرت منه من الأفعال ما توجب عدم أحقيته بالخلافة، وأن عمر قد أخطأ في اختياره مع أصحاب الشورى.
(وأين إيثار بعض الناس بولاية أو مال، من كون الأمة يسفك بعضها دماء بعض وتشتغل بذلك عن مصلحة دينها ودنياها حتى يطمع الكفار في بلاد المسلمين؟ وأين اجتماع المسلمين وفتح بلاد الأعداء من الفرقة والفتنة بين المسلمين، وعجزهم عن الأعداء حتى يأخذوا بعض بلادهم أو بعض أوالهم قهرًا أو صلحًا)
[ ١٤٥ ]
تعليق
يبين هنا شيخ الإسلام أن ما حصل في عهد عثمان من خير لللأمة واستقرار لأفرادها وتوسع في الفتوح الإسلامية لم يحصل مثله في عهد علي، وهذه حقيقة لا ينازع فيها من له أدنى علم بالتاريخ، ففيها أعظم الرد على مزاعم الرافضة في عثمان والأخطاء التي قد حصلت في عهده فإن أصررتم على ذلك فقولوا مثلها في علي، لأنه قد حدث في عهده ما هو أعظم من ذلك.
وقد مر معنا كثيرًا أن هذا من قبيل مقابلة الحجج المتهافتة بعضها ببعض ليخرج من بينها الرأي الصائب سليمًا معافى.
الموضع الثالث والعشرون: قال شيخ الإسلام:
رادًا طعون الروافض في عثمان - ﵁ -: (نواب علي خانوه وعصوه أكثر مما خان عمال عثمان له وعصوه، وقد صنف الناس كتبًا فيمن ولاه علي فأخذ المال وخانه، وفيمن تركه وذهب إلى معاوية، وقد ولى علي ﵁ زياد بن أبي سفيان أبا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، وولى الأشتر النخعي، وولى محمد بن أبي بكر وأمثال هؤلاء.
ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ كان خيرًا من هؤلاء كلهم.
ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدعون أن عليًا كان أبلغ فيه من عثمان. فيقولون: إن عثمان ولى أقاربه من بني أمية. ومعلوم أن عليًا ولى أقاربه من قبل أبيه وأمه، كعبد الله
[ ١٤٦ ]
وعبيد الله ابن العباس. فولى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولى على مكة والطائف قثم بن العباس. وأما المدينة فقيل إنه ولى عليها سهل بن حنيف. وقيل ثمامة بن العباس. وأما البصرة فولى عليها عبد الله بن عباس. وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره)
تعليق
هذا أيضًا من مقابلة الشبهة بالشبهة، فما قلتم في عثمان فقولوه في علي، لأنهما قد تشابها في الفعل، ولكنكم قوم لا تعدلون.
وقد برأ الله عليًا ﵁ كما برأ عثمان ﵁.
الموضع الرابع والعشرون: قال شخ الإسلام:
(والمقصود هنا أن ما يعتذر به عن علي فيما أنكر عليه يعتذر بأقوى منه عن عثمان، فإن عليا قاتل على الولاية، وقتل بسبب ذلك خلق كثير عظيم، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفار، ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير، وقد ولى من أقاربه من ولاه، فولاية الأقارب مشتركة، ونواب عثمان كانوا أطوع من نواب علي، وأبعد عن الشر.
وأما الأموال التي تأول فيها عثمان، فكما تأول علي في
[ ١٤٧ ]
الدماء، وأمر الدماء أخطر وأعظم)
تعليق
وهذا الموضع كسابقه في رد الطعون عن عثمان، فإن ما اتهمتموه به قد حصل من علي مثله أو أعظم منه - على حد زعمكم - فقولوا فيه ما قلتم في عثمان إن كنتم صادقين.
وأما أهل السنة فيوالون الاثنين، ويقيمون لهم العذر فيما صنعوا.
الموضع الخامس والعشرون: قال شيخ الإسلام:
(ولو قدح رجل في علي بن أبي طالب بأنه قاتل معاوية وأصحابه وقاتل طلحة والزبير.
لقيل له: علي بن أبي طالب أفضل وأولى بالعلم والعدل من الذين قاتلوه، فلا يجوز أن يجعل الذين قاتلوه هم العادلين وهو ظالم لهم.
كذلك عثمان فيمن أقام عليه حدًا أو تعزيرًا هو أولى بالعلم والعدل منهم. وإذا وجب الذب عن علي لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك، فالذب عن عثمان لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك أولى)
[ ١٤٨ ]
تعليق
يبين شيخ الإسلام هنا أن أهل السنة كما يدافعون عن علي ﵁ - في حروبه، فكذلك يدافعون عن عثمان في أفعاله، وليسوا كالرافضة التي لا ترى عثمان إلا بعين السخط:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدي المساويا
الموضع السادس والعشرون: قال شيخ الإسلام:
(وكذلك أحمد بن حنبل جوز التعريف بالأمصار، واحتج بأن ابن عباس فعله بالبصرة. وكان ذلك في خلافة علي: وكان ابن عباس نائبه بالبصرة: فأحمد بن حنبل وكثير من العلماء يتبعون علياُ فيما سنه، كما يتبعون عمر وعثمان فيما سناه، وآخرون من العلماء، كمالك وغيره، لا يتبعون عليًا فيما سنه، وكلهم متفقون على اتباع عمر وعثمان فيما سناه، فإن جاز القدح في عمر وعثمان فيما سناه وهذا حاله، فلان يقدح في علي بما سنه - وهذا حاله بطريق الأولى.
وإن قيل: بأن ما فعله علي سائغ لا يقدح فيه، لأنه باجتهاده، أو لأنه سنة يتبع فيه، فلأن يكون ما فعله عمر وعثمان كذلك بطريق الأولى)
[ ١٤٩ ]
تعليق
وهذه كسوابقها من قبيل (قلب الحجة) على الخصم وقد مر مثلها كثير.
الموضع السابع والعشرون: قال شيخ الإسلام:
(نحن لا ننكر أن عثمان ﵁ كان يحب بني أمية، وكان يواليهم ويعطيهم أموالًا كثيرة. وما فعله من مسائل الاجتهاد التي تكلم فيها العلماء، الذين ليس لهم غرض، كما أننا لا ننكر أن عليًا ولى أقاربه، وقاتل وقتل خلقًا كثيرًا من المسلمين الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصومون ويصلون، لكن من هؤلاء من قاتله بالنص والإجماع، ومنهم من كان قتاله من مسائل الاجتهاد التي تكلم فيها العلماء الذين لا غرض لهم.
وأمر الدماء أخطر من أمر الأموال. والشر الذين حصل في الدماء بين الأمة أضعاف الشر الذي حصل بإعطاء الأموال.
فإذا كنا نتولى عليًا ونحبه، ونذكر ما دل عليه الكتاب والسنة من فضائله، مع أن الذي جرى في خلافته أقرب إلى الملام مما جرى في خلافة عثمان، وجرى في خلافة عثمان من الخير ما لم يجر مثله في خلافته، فلأن نتولى عثمان ونحبه، ونذكر ما دل عليه الكتاب والسنة بطريق الأولى) .
[ ١٥٠ ]
تعليق
تأمل رأي شيخ الإسلام الواضح في أفعال علي ﵁ وقتاله لغيره وهي قسمان:
الأول: من قاتلهم بالنص والإجماع كالخوارج فالحق لا شك معه.
الثاني: من قاتلهم بالاجتهاد، فلا مأخذ عليه.
فهو ﵀ يبرئ عليًا في جميع أفعاله التي قد يستغلها النواصب في الطعن فيه. ثم يقول بأننا إذا برأنا عليًا من ذلك كله وهو في أمر الدماء وهي عظيمة عند الله، أفلا نبرئ عثمان مما أخذتموه عليه، وهي من أمور المال، وأمره أسهل من الدماء فهل يعقل الرافضة هذه الحجة القوية؟
الموضع الثامن والعشرون: قال شيخ الإسلام:
(ولم يكن لعلي اختصاص بنصر النبي ﷺ دون أمثاله، ولا عرف موطن احتاج النبي ﷺ فيه إلى معونة علي وحده، ولا باليد ولا باللسان، ولا كان إيمان الناس برسول الله ﷺ وطاعتهم له لأجل علي، بسبب دعوة علي لهم، وغير ذلك من الأسباب الخاصة، كما كان هارون مع موسى، فإن بني إسرائيل كانوا يحبون هارون جدًا ويهابون موسى، وكان هارون يتألفهم.
والرافضة تدعي أن الناس كانوا يبغضون عليًا، وأنهم لبغضهم له لم يبايعوه. فكيف يقال: إن النبي ﷺ احتاج إليه، كما
[ ١٥١ ]
احتاج موسى إلى هارون؟
وهذا أبو بكر الصديق أسلم على يديه ستة أن خمسة من العشرة: عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، ولم يعلم أنه أسلم على يد علي وعثمان وغيرهما أحد من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار) .
تعليق
واضح من هذا الموضع أن شيخ الإسلام كما يفضل أبا بكر على علي كذلك يفضله على عثمان، وهذا هو منهج أهل السنة. فهل يقول عاقل بأنه يتنقص عثمان؟ أم أنه أنزله في منزله الذي يستحقه دون غلو فيه، أو تفضيله على من هو أفضل منه، وما يصدق على عثمان يصدق على علي.
الموضع التاسع والعشرون: قال شيخ الإسلام:
(لا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيره من الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع، فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، فيكون هو الإمام.
فهذا هو الدليل الصدق الذي لا كذب فيه. يقول الله: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا) .
[ ١٥٢ ]
ومثل هذه الفضيلة لم تحصل لغير أبي بكر قطعًا، بخلاف الوقاية بالنفس، فإنها لو كانت صحيحة فغير واحد من الصحابة وقى النبي ﷺ بنفسه. وهذا واجب على كل مؤمن، ليس من الفضائل المختصة بالأكابر من الصحابة.
والأفضلية إنما تثبت بالخصائص لا بالمشتركات. يبين ذلك أنه لم ينقل أحد أن عليًا أو ذي في مبيته على فراش النبي ﷺ، وقد أوذي غيره في وقايتهم النبي ﷺ: تارة بالضرب، وتارة بالجرح، وتارة بالقتل، فمن فداه وأوذي أعظم ممن فداه ولم يؤذ.
وقد قال العلماء: ما صح لعلي من الفضائل فهي مشتركة، شاركه فيها غيره، بخلاف الصديق، فإن كثيرًا م فضائله - وأكثرها - خصائص له، لا يشركه فيها غيره. وهذا مبسوط في موضعه)
تعليق
تزعم الرافضة أن عليًا يستحق الإمامة بعد الرسول ﷺ لأنه ثبت له من الفضائل ما لم يشركه فيها أحد غيره، ومنها أنه بات في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة، فبين لهم شيخ الإسلام أن وقاية النبي ﷺ ثابتة له ولغيره، بخلاف فضائل أبي بكر التي اختص بها، ومنها مشاركة الرسول ﷺ في هجرته. فعلى قولكم يكون هو الإمام.
[ ١٥٣ ]
الموضع الثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(وأبو بكر وعمر ﵄ قد أبغضهما وسبهما الرافضة والنصيرية والغالية والإسماعيلية. ولكن معلوم أن الذين أحبوا ذينك أفضل وأكثر، وأن الذين أبغضوهما أبعد عن الإسلام وأقل، بخلاف علي، فإن الذين أبغضوه وقاتلوه هم خير من الذين أبغضوا أبا بكر وعمر، بل شيعة عثمان الذين يحبونه ويبغضون عليًا، وإن كانوا مبتدعين ظالمين، فشيعة علي الذين يحبونه ويبغضون عثمان أنقص منهم علمًا ودينًا، وأكثر جهلًا وظلمًا.
فعلم أن المودة جعلت للثلاثة أعظم.
وإذا قيل: علي قد ادعيت فيه الإلهية والنبوة.
قيل: قد كفرته الخوارج كلها، وأبغضته المروانية، وهؤلاء خير من الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر ﵄ فضلًا عن الغالية) .
تعليق
يرد شيخ الإسلام هنا على زعم الرافضة بأن آية: (إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت سيجعل لهم الرحمن ودا) نزلت في علي ﵁، وأن ألله قد جعل له في قلوب المؤمنين
[ ١٥٤ ]
مودة فبين شيخ الإسلام بأن هذا من أكاذيب الرافضة وأن المودة التي كانت للخلفاء الثلاثة أكثر من المودة التي كانت له في قلوب المؤمنين، حيث خالفه ونازعه أناس مؤمنون، بخلاف غيره فإن الذين أبغضوهم كانوا أبعد عن الإسلام من الأولين وتقرير الحقائق ليس فيه أي تنقص لعلي، لأن الهدف دفع فرية الرافضة على غيره من أجلاء الصحابة.
الموضع الحادي والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(إن عليًا لم يكن أعظم معاداة للكفار والمنافقين من عمر، بل ولا نعرف أنهم كانوا يتأذون منه كما يتأذون من عمر، بل ولا نعرف أنهم كانوا يتأذون منه إلا وكان بغضهم لعمر أشد) .
تعليق
قد سبق مثل هذا الكلام في الموضع الثامن، وهو من قبيل رد اتهامات الروافض لعمر - ﵁ -.
الموضع الثاني والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(ولا يشك من عرف أحوال الصحابة أن عمر كان أشد عداوة للكفار والمنافقين من علي، وأن تأثيره في نصر الإسلام وإعزازه وإذلال الكفار والمنافقين أعظم من تأثير علي، وأن الكفار والمنافقين أعداء الرسول يبغضونه أعظم مما يبغضون عليًا.
ولهذا كان الذي قتل عمر كافرًا يبغض دين الإسلام،
[ ١٥٥ ]
ويبغض الرسول وأمته، فقتله بغضًا للرسول ودينه وأمته. والذي قتل عليًا كان يصلي ويصوم ويقرأ القرآن، وقتله معتقدًا أن الله ورسوله يحب قتل علي، وفعل ذلك محبة الله ورسوله - في زعمه - وإن كان في ذلك ضالًا مبتدعًا.
والمقصود أن النفاق في بغض عمر أظهر منه في بغض علي. ولهذا لما كان الرافضة من أعظم الطوائف نفاقًا كانوا يسمون عمر فرعون الأمة. وكانوا يوالون أبا لؤلؤة - قاتله الله - الذي هو من أكفر الخلق وأعظمهم عداوة لله ورسوله)
تعليق
هذا الموضع مثل الذين قبله.
الموضع الثالث والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(من المعلوم بالتواتر أن جهاد أبي بكر بماله أعظم من جهاد علي، فإن أبا بكر كان موسرًا، قال فيه النبي ﷺ: " ما نفعني مال كمال أبي بكر " وعلي كان فقيرًا، وأبو بكر أعظم جهادًا بنفسه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى) .
تعليق
قد عرفنا طريقة شيخ الإسلام في مواجهة اتهام الروافض
[ ١٥٦ ]
للخلفاء الثلاثة، وهي أنه يحرجهم بأن ما حصل منهم من خير كان أكثر مما حصل من علي، وهذا لا خلاف فيه عند أهل السنة، ويشهد له الواقع التاريخي، وإبراز هذا الشيء من الشيخ هو لهدف إسقاط شبهة الرافضة بتفضيل علي عليهم.
ومن المعلوم للجميع أن أبا بكر كان أكثر إنفاقًا على الدعوة الإسلامية أكثر من علي، لأن أبا بكر كان موسراُ، وأما علي فكان فقيرًا، وفي هذا عذر له عند أهل العقول الصحيحة التي لم تختلق له الأكاذيب.
الموضع الرابع والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(وعمر قد وافق ربه في عدة أمور، يقول شيئًا وينزل القرآن بموافقته. قال للنبي ﷺ: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: (وأتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وقال إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن بالحجاب، فنزلت آية الحجاب. وقال: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات، فنزلت كذلك. وأمثال ذلك. وهذا كله ثابت في الصحيح. وهذا أعظم من تصويب علي في مسألة واحدة.
وأما التفضيل بالإيمان والهجرة والجهاد، فهذا ثابت لجميع الصحابة الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا، فليس ها هنا فضيلة اختص بها علي، حتى يقال: أن هذا لم يثبت
[ ١٥٧ ]
لغيره) .
تعليق
قد مر معنا أن شيخ الإسلام يركز على تقرير حقيقة مهمة تنقض أصول الروافض، وهي أن جميع الفضائل الثابتة لعلي هي مشتركة بينه وبين غيره، فلهذا لا يحق للرافضة أن تجعل من هذه الفضائل المشتركة وسيلة إلى بيان أحقيته بالخلافة بعد الرسول ﷺ، لأنهم إن قالوا بهذا، فسيأتي غيرهم ممن ينازعهم ويدعي لغيره هذا الحق، ممن شاركوه في الفضائل.
وهذا الموضع هو مثال للحقيقة السابقة.
الموضع الخامس والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(وبالجملة فباب الإنفاق في سبيل الله وغيره، لكثير من المهاجرين والأنصار فيه من الفضيلة ما ليس لعلي، فإنه لم يكن له مال على عهد رسول الله ﷺ)
تعليق
قد سبق مثل هذا.
الموضع السادس والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(إنه لم يكن لعلي في الإسلام أثر حسن، إلا ولغيره من الصحابة مثله،
[ ١٥٨ ]
ولعضهم آثار أعظم من آثاره. وهذا معلوم لمن عرف السيرة الصحيحة الثابتة بالنقل، وأما من يأخذ بنقل الكذابين وأحاديث الطرقية، فباب الكذب مفتوح، وهذا الكذب يتعلق بالكذب على الله (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بالحق لما جآءه)
ومجموع المغازي التي كان فيها القتال مع النبي ﷺ تسع مغاز، والمغازي كلها بض وعشرون غزاة، وأما السرايا فقد قيل: إنها تبلغ سبعين.
ومجموع من قتل من الكفار في غزوات النبي ﷺ يبلغون ألفًا أو أكثر أو أقل، ولم يقتل علي منهم عشرهم ولا نصف عشرهم، وأكثر السرايا لم يكن يخرج فيها. وأما بعد النبي ﷺ فلم يشهد شيئًا من الفتوحات، لا هو، ولا عثمان، ولا طلحة، ولا الزبير إلا أن يخرجوا مع عمر حين خرج إلى الشام. وأما الزبير فقد شهد فتح مصر، وسعد شهد فتح القادسية، وأبو عبيدة فتح الشام.
فكيف يكون تأييد الرسول بواحد من أصحابه دون سائرهم والحال هذه؟ وأين تأييده بالمؤمنين كلهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين بايعوه تحت الشجرة والتابعين لهم بإحسان؟
وقد كان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، ويوم أحد
[ ١٥٩ ]
نحو سبعمائة، ويوم الخندق أكثر من ألف أو قريباُ من ذلك، ويوم بيعة الرضوان ألفًا وأربعمائة، وهم الذين شهدوا فتح خيبر، ويوم فتح مكة كانوا عشرة آلاف، ويوم حنين كانوا اثني عشر ألفًا: تلك العشرة، والطلقاء ألفان. وأما تبوك فلا يحصى من شهدها، بل كانوا أكثر من ثلاثين ألفًا. وأما حجة الوداع فلا يحصى من شهدها معه، وأيده الله بهم في حياته باليمن وغيرها، وكل هؤلاء من المؤمنين الذين أيده الله بهم، بل كل من آمن وجاهد إلى يوم القيامة دخل في هذا المعنى)
تعليق
في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على ادعاء الروافض بأن عليًا هو الذي أيد الرسول ﷺ في حروبه وغزواته دون غيره من الصحابة؟
الموضع السابع والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(وأما علي ﵁ فلا ريب أنه ممن يحب الله ويحبه الله، ولكن ليس بأحق بهذه الصفة من أبي بكر وعمر وعثمان، ولا كان جهاده للكفار والمرتدين أعظم من جهاد هؤلاء، ولا حصل به من المصلحة للدين أعظم مما حصل بهؤلاء، بل كل منهم له سعي مشكور وعمل مبرور وآثار صالحة في الإسلام، والله يجزيهم عن
[ ١٦٠ ]
الإسلام وأهله خير جزاء، فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون.
وأما أن يأتي إلى أئمة الجماعة الذين كان نفعهم في الدين والدنيا أعظم، فيجعلهم كفارًا أو فساقًا ظلمة، ويأتي إلى من لم يجر علي يديه من الخير مثل ما جرى على يد واحد منهم، فيجعله الله أو شريكًا لله، أو شريك رسول الله ﷺ، أو الإمام المعصوم الذين لا يؤمن إلا من جعله معصومًا منصوصًا عليه، ومن خرج عن هذا فهو كافر ويجعل الكفار المرتدين الذين قاتلهم أولئك كانوا مسلمين، ويجعل المسلمين الذين يصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان، ويحجون البيت، ويؤمنون بالقرآن يجعلهم كفارًا لأجل قتال هؤلاء.
فهذا عمل أهل الجهل والكذب والظلم والإلحاد في دين الإسلام، عمل من لا عقل له ولا دين ولا إيمان)
تعليق
هذا الموضع سبق نقله عند تقدير موقف شيخ الإسلام من علي رضي الله ومن الروافض، وهو من أهم المواضع، لأنه يبين حقيقة موقف الشيخ من علي ﵁، وأنه يحبه ويجعله من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ولكنه لا يغلو فيه كغلو الرافضة فيفضله على الثلاثة.
[ ١٦١ ]
الموضع الثامن والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
عن تسلسل الخلافة بين الخلفاء الراشدين: (ثم إن المسلمين بايعوه ودخلوا في طاعته، والذين بايعوه هم الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد، ولم يختلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة.
وأما علي وسائر بني هاشم فلا خلاف بين الناس أنهم بايعوه، لكن تخلف فإنه كان يريد الإمرة لنفسه، ﵃ أجمعين. ثم إنه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين والمشركين، ولم يقاتل المسلمين، بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة، وأخذ يزيد الإسلام فتوحًا، وشرع في قتال فارس والروم، ومات والمسلمون محاصرو دمشق، وخرج منها أزهد مما دخل فيها: لم يستأثر عنهم بشيء، ولا أمر له قرابة.
ثم ولي عليهم عمر بن الخطاب، ففتح الأمصار، وقهر الكفار، وأعز أهل الإيمان، وأذل أهل النفاق والعدوان، ونشر الإسلام والدين، وبسط العدل في العالمين، ووضع ديوان الخراج والعطاء لأهل الدين، ومصر الأمصار للمسلمين، وخرج منها أزهد مما دخل فيها: لم يتلوث لهم بمال، ولا ولى أحدًا من أقاربه ولاية، فهذا أمر يعرفه كل أحد.
[ ١٦٢ ]
وأما عثمان فإنه بنى على أمر قد استقر قلبه بسكينة وحلم، وهدى ورحمة وكرم ن ولم يكن فيه قوة عمر ولا سياسته، ولا فيه كمال عدله وزهده، فطمع فيه بعض الطمع، وتوسعوا في الدنيا، وأدخل من أقاربه في الولاية والمال، ودخلت بسبب أقاربه في الولايات والأموال أمور أنكرت عليه، فتولد من رغبة بعض الناس في الدنيا، وضعف خوفهم من الله ومنه، ومن ضعفه هو، وما حصل م أقاربه في الولاية والمال ما أوجب الفتنة، حتى قتل مظلومًا شهيدًا.
وتولى علي على إثر، ذلك والفتنة قائمة، وهو عند كثير منهم متلطخ بدم عثمان، والله يعلم براءته مما نسبه إليه الكاذبون عليه، والمبغضون له ن كما نعلم براءته مما نسبه إليه الغالون فيه، المبغضون لغيره من الصحابة، فإن عليًا لم يعن على قتل عثمان ولا رضي به، كما ثبت عنه - وهو الصادق - أنه قال ذلك، فلم تصف له قلوب كثير منهم، ولا أمكنه هو قهرهم حتى يطيعوه، ولا اقتضى رأيه أن يكف عن القتال حتى ينظر ما يؤول إليه الأمر، بل اقتضى رأيه القتال، وظن أنه به تحصل الطاعة والجماعة، فما زاد الأمر إلا شدة، وجانبه إلا ضعفًا، وجانب من حاربه إلاقوة، والأمة إلا افتراقًا، حتى كان في آخر أمره يطلب هو أن يكف عنه من قاتله، كما كان في أول الأمر يطلب منه الكف.
وضعفت خلافة النبوة ضعفًا أوجب أن تصير ملكا، فأقامها معاوية ملكًا برحمة وحلم، كما في الحديث المأثور: " تكون نبوة
[ ١٦٣ ]
ورحمة، ثم تكون خلافة نبوة ورحمة، ثم تكون ملك ورحمة ن ثم يكون ملك " ولم يتول أحد من الملوك خيرًا من معاوية، فهو خير ملوك الإسلام، وسيرته خير من سيرة سائر الملوك بعده، وعلي آخر الخلفاء الراشدين، الذين هم ولايتهم خلافة نبوية ورحمة، وكل من الخلفاء الأربعة ﵃ يشهد له بأنه أفضل أولياء الله المتقين، بل هؤلاء الأربعة أفضل خلق الله بعد النبيين، لكن إذا جاء القادح فقال في أبي بكر وعمر: إنهما كانا ظالمين متعديين طالبين للرئاسة مانعين للحقوق، وأنهما كانا من أحرص الناس على الرئاسة، وأنهما - ومن أعانهما - ظلموا الخليفة المستحق المنصوص عليه من جهة الرسول، وإنهم منعوا أهل البيت ميراثهم، وإنهما كانا من أحرص الناس على الرئاسة والولاية الباطلة، مع ما قد عرف من سيرتهما - كان من المعلوم أن هذا الظن لو كان حقا لهو أولى بمن قاتل عليها حتى غلب، وسفكت الدماء بسبب المنازعة التي بينه وبين منازعه، ولم يحصل بالقتال لا مصلحة الدين ولا مصلحة الدنيا، ولا قوتل في خلافته كافر، ولا فرح مسلم، فإن عليًا لا يفرح بالفتنة بين المسلمين، وشيعته لم تفرح بها، لأنها لم تغلب، والذين قاتلوه لم يزالوا أيضًا في كرب وشدة.
وإذا كنا ندفع من يقدح في علي من الخوارج، مع ظهور هذه الشبهة، فلأن ندفع من يقدح في أبي بكر وعمر بطريق الأولى والأحرى.
[ ١٦٤ ]
وإن جاز أن يظن بأبي بكر أنه كان قاصدًا للرئاسة بالباطل، مع أنه لم يعرف منه إلا ضد ذلك، فالظن بمن قاتل على الولاية - ولم يحصل له مقصوده - أولى وأحرى.
فإذا ضرب مثل هذا وهذا بإمامي مسجد، وشيخي مكان، أو مدرسي مدرسة - كانت العقول كلها تقول: إن هذا أبعد عن طلب الرئاسة، وأقرب إلى قصد الدين والخير.
فإذا كنا نظن بعلي أنه كان قاصدًا للحق والدين، وغير مريد علوا في الأرض ولا فسادًا، فظن ذلك بأبي بكر وعمر - ﵄ - أولى وأحرى.
وإن ظن ظان بأبي بكر أنه كان يريد العلو في الأرض والفساد، فهذا الظن بعلي أجدر وأولى.
أما أن يقال: أن أبا بكر كان يريد العلو في الأرض والفساد، وعلي لم يكن يريد علوا في الأرض ولا فسادًا، مع ظهور السيرتين - فهذا مكابرة، وليس فيما تواتر من السيرتين ما يدل على ذلك، بل المتواتر من السيرتين يدل على أن سيرة أبي بكر أفضل.
ولهذا كان الذين ادعوا هذا لعلي أحالوا على ما لم يعرف، وقالوا: ثم نص على خلافته كتم، وثم عداوة باطنة لم تظهر، بسببها منع حقه.
ونحن الآن مقصودنا أن نذكر ما علم وتيقن وتواتر عند
[ ١٦٥ ]
العامة والخاصة، وأما ما يذكر من منقول يدفعه جمهور الناس، ومن ظنون سوء لا يقوم عليها دليل بل نعلم فسادها، فالمحتج بذلك ممن يتبع الظن وما تهوى الأنفس، وهو من جنس الكفار وأهل الباطل، وهي مقابلة بالأحاديث من الطرق الأخر.
ونحن لم نحتج بالأخبار التي رويت من الطرفين، فكيف بالظن الذي لا يغني من الحق شيئًا؟
فالمعلوم المتيقن المتواتر عند العام والخاص أن أبا بكر كان أبعد عن إرادة العلو والفساد من عمر وعثمان وعلي، فضلًا عن علي وحده، وأنه كان أولى بإرادة وجه الله تعالى وصلاح المسلمين من الثلاثة)
تعليق
في هذا الموضع الطويل يعيد شيخ الإسلام ما سبق أن قرره كثيرًا، وهو أن الرافضة إذا طعنت في الخلفاء الثلاثة، فسيطعن الخوارج والنواصب في علي بمثل طعنهم، فالأولى بالطائفتين أن تلزما منهج أهل السنة والجماعة الذي يحب الخلفاء الأربعة جميعًا، ويحفظ جهادهم، ويحمل ما حصل من بعضهم من اجتهادات على المحمل الحسن، لأنهم قوم قد زكاهم الله وأثنى عليهم.
[ ١٦٦ ]
الموضع التاسع والثلاثون: قال شيخ الإسلام:
(وبالجملة فلا بد من كمال حال أبي بكر وعمر وأتباعهما، فالنقص الذي حصل في خلافة علي (فلا بد) من إضافة ذلك: وإما إلى الإمام، وإما إلى أتباعه، وإما إلى المجموع.
وعلى كل تقدير فيلزم أن يكون أبو بكر وعمر وأتباعهما أفضل من علي وأتباعه، فإنه كان سبب الكمال والنقص من الإمام ظهر فضلهما عليه، وإن كان من أتباعه كان المقرون بإمامتهما أفضل من المقرين بإمامته، فتكون أهل السنة أفضل من الشيعة، وذلك يستلزم كونهما أفضل منه، لأن ما امتاز به الأفضل أفضل مما امتاز به المفضول.
وهذا بين لمن تدبره، فإن الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ وقاتلوا معهم، هم أفضل من الذين بايعوا عليًا وقاتلوا معه، فإن أولئك فيهم من عاش بعد النبي ﷺ، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وعامة السابقين الأولين عاشوا بعد النبي ﷺ، إنما توفي منهم أو قتل في حياته قليل منهم.
والذين بايعوا عليًا كان فيهم من السابقين والتابعين بإحسان بعض من بايع أبا بكر وعمر وعثمان. وأما سائرهم فمنهم من لم
[ ١٦٧ ]
يبايعه ولم يقاتل معه، كسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وأبي هريره، وأمثال هؤلاء من السابقين، والذين اتبعوهم بإحسان.
ومنهم من قاتله، كالذين كانوا مع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية من السابقين والتابعين.
وإذا كان الذين بايعوا الثلاثة وقاتلوا معهم أفضل من الذين بايعوا عليًا وقاتلوا معه، لزم أن يكون كل من الثلاثة أفضل، لأن عليًا كان موجودًا على عهد الثلاثة، فلو كان هو المستحق للإمامة دون غيره، كما تقوله الرافضة، أو كان أفضل وأحق بها، كما يقوله من يقوله من الشيعة، لكان أفضل الخلق قد عدلوا عما أمرهم الله به ورسوله به إلى ما لم يؤمروا به، بل ما نهو عنه، وكان الذين بايعوا عليًا وقاتلوا معه فعلوا ما أمروا به.
ومعلوم أن من فعل ما أمر الله به ورسوله كان أفضل ممن تركه وفعل ما نهى الله عنه ورسوله، فلزم لو كان قول الشيعة حقًا أن يكون أتباع علي أفضل. وإذا كانوا هم أفضل وإمامهم أفضل من الثلاثة، لزم أن يكون ما فعلوه من الخير أفضل مما فعله الثلاثة.
وهذا خلاف المعلوم بالاضطرار، الذي تواترت به الأخبار، وعلمته البوادي والحضار، فإنه في عهد الثلاثة جرى من ظهور الإسلام وعلوه، وانتشاره ونموه، وانتصاره، وعزه، وقمع المرتدين، وقهر الكفار من أهل الكتاب والمجوس وغيرهم - ما لم
[ ١٦٨ ]
يجر بعدهم مثله.
وعلي ﵁ فضله الله وشرفه بسوابقه الحميدة وفضائله العديدة، لا بما جرى في زمن خلافته من الحوادث بخلاف أبي بكر وعمر وعثمان، فإنهم فضلوا مع السوابق الحميدة والفضائل العديدة، بما جرى في خلافتهم من الجهاد في سبيل الله، وإنفاق كنوز كسرى وقصير، وغير ذلك من الحوادث المشكورة، والأعمال المبرورة.
وكان أبو بكر وعمر أفضل سيرة وأشرف سريرة من عثمان وعلي ﵃ أجمعين. فلهذا كانا أبعد عن الملام وأولى بالثناء العام، حتى لم يقع في زمنهما شيء من الفتن، فلم يكن للخوارج في زمنهما لا قول مأثور، ولا سيف مشهور، بل كان كل سيوف المسلمين مسلولة على الكفار، وأهل الإيمان في إقبال، وأهل الكفر في إدبار)
تعليق
قد تكرر مثل هذا الموضع، وهو من زيادة التفصيل لمنهج شيخ الإسلام - الذي عرفناه - في مواجهة شبه الرافضة.
الموضع الأربعون: قال شيخ الإسلام:
(وأيضًا فعلي تعلم من أبي بكر بعض السنة، وأبو بكر لم يتعلم من علي شيئًا. ومما يبين هذا أن علماء الكوفة الذين صحبوا عمر وعليًا، كعلقمة
[ ١٦٩ ]
والأسود وشريح وغيرهم، كانوا يرجحون قول عمر على قول علي. وأما تابعوا المدينة ومكة والبصرة، فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يذكر، وإنما ظهر علم علي وفقهه في الكوفة بحسب مقامه فيها عندهم مدة خلافته، وكل شيعة علي الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر وعمر، لا في فقه ولا علم ولا دين، بل كل شيعته الذين قاتلوا معه كانوا مع سائر المسلمين متفقين على تقديم أبي بكر وعمر، إلا من كان ينكر عليه ويذمه، مع قتلهم وحقارتهم وخمولهم) .
تعليق
في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على شبهة الرافضة في ادعاء أحقية علي بالخلافة لأنه أعلم من غيره، فيثبت الشيخ عكس ذلك.
الموضع الحادي والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(ومما يبين ذلك أن عليًا لم يعرف المستقبلات أنه في ولايته وحروبه في زمن خلافته كان يظن أشياء كثيرة فيتبين له الأمر بخلاف ما ظن، ولو ظن أنه إذا قاتل معاوية وأصحابه يجري ما جرى لم يقاتلهم، فإنه كان لو لم يقاتل أعز وانتصر، وكان أكثر الناس معه، وأكثر البلاد تحت ولايته، فلما قاتلهم ضعف أمره، حتى صار معهم كثير من البلاد التي كانت في طاعته، مثل مصر واليمن، وكان
[ ١٧٠ ]
الحجاز دولًا.
ولو علم أنه إذا حكم الحكمين يحكمان بما حكما لم يحكمهما. ولو علم أن أحدهما يفعل بالآخر ما فعل حتى يعزلاه، لم يول من يوافق على عزله، ولا من خذله الحكم الآخر) .
تعليق
في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على غلو الرافضة في ادعائهم أن عليًا يعلم المستقبلات؟ ويوضح لهؤلاء الجهلة خطأ ذلك من خلال ما ثبت تاريخيًا عنه - ﵁ -.
الموضع الثاني والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(وأما الطريق النظرية فقد ذكر من ذكره من العلماء، فقالوا: عثمان كان أعلم بالقرآن، وعلي أعلم بالسنة، وعثمان أعظم جهادًا بماله، وعلي أعظم جهادًا بنفسه، وعثمان أزهد في الرياسة، وعلي أزهد في المال، وعثمان أورع عن الدماء، وعلي أورع عن الأموال، وعثمان حصل له من جهاد نفسه حيث صبر عن القتال ولم يقاتل ما لم يحصل مثله لعلي.
وقال النبي ﷺ: " المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ".
وسيرة عثمان في الولاية كانت أكمل من سيرة علي، فقالوا: فثبت أن عثمان أفضل، لأن القرآن أعظم من علم السنة.
[ ١٧١ ]
وفي صحيح مسلم - وغيره - أنه قال: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ".
وعثمان جمع القرآن كله بلا ريب، وكان أحيانًا يقرؤه في ركعة. وعلي قد اختلف فيه: هل حفظ القرآن كله أم لا؟
والجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس، كما في قوله تعالى: (وجهدوا بأمولكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم) الآية، وقوله: (الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله بأمولهم وأنفسهم) الآية، وقوله: (إن الذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا بأمولهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أوليآء بعض) .
وذلك لأن الناس يقاتلون دون أموالهم، فإن المجاهد بالمال قد أخرج ماله حقيقة لله، والمجاهد بنفسه لله يرجو النجاة، لا يوافق أنه يقتل في الجهاد. ولهذا أكثر القادرين على القتال يهون على أحدهم أن يقاتل، ولا يهون عليه إخراج ماله، ومعلوم أنهم كلهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، لكن منهم من كان جهاده بالمال أعظم، ومنهم من كان جهاده بالنفس أعظم.
وأيضًا فعثمان له من الجهاد بنفسه بالتدبير في الفتوح ما لم يحصل مثله لعلي، وله من الهجرة إلى أرض الحبشة ما لم يحصل
[ ١٧٢ ]
مثله لعلي، وله من الذهاب إلى مكة يوم صلح الحديبية ما لم يحصل مثله لعلي، وإنما بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان لما بلغه أن المشركين قتلوا عثمان، وبايع بإحدى يديه عن عثمان، وهذا من أعظم الفضل، حيث بايع عنه النبي ﷺ.
وأما الزهد والورع في الرياسة والمال، فلا ريب أن عثمان تولى ثنتي عشرة سنة، ثم قصد الخارجون عليه قتله، وحصروه وهو خليفة الأرض، والمسلمون كلهم رعيته، وهو مع هذا لم يقتل مسلمًا، ولا دفع عن نفسه بقتال، بل صبر حتى قتل.
لكنه في الأموال كان يعطي لأقاربه من العطاء ما لا يعطيه لغيرهم، وحصل منه نوع توسع في الأموال، وهو ﵁ ما فعله إلا متأولًا فيه، له اجتهاد وافقه عليه جماعة من الفقهاء، منهم من يقول: إن ما أعطاه الله للنبي من الخمس والفيء هو لمن يتولى الأمر بعده، كما هو قول أبي ثور وغيره، ومنهم من يقول: ذوو القربى المذكورون في القرآن هم ذوو قربى الإمام. ومنهم من يقول: الإمام العامل على الصدقات يأخذ منها مع الغنى. وهذه كانت مأخذ عثمان ﵁، كما هو منقول عنه. فما فعله هو نوع تأويل يراه طائفة من العلماء.
وعلي ﵁ لم يخص أحدًا من أقاربه بعطاء، ولكن ابتداء بالقتال لمن لم يكن مبتدئًا له بالقتال، حتى قتل بينهم ألوف مؤلفة من المسلمين، وإن كان ما فعله هو متأول فيه تأويلات وافقه عليه طائفة من العلماء. وقالوا: أن هؤلاء بغاة، والله تعالى أمر
[ ١٧٣ ]
بقتال البغاة بقوله: (فقتلوا التي تبغي) .
تعليق
في هذا الموضع يرد الشيخ على مزاعم الرافضة وطعونهم في عثمان ﵁ وأنه قد حصلت منه أمور استوجبت عدم أحقيته بالخلافة، فبين لهم الشيخ أن ما اتهمتموه به فقد حدث أعظم منه - على رأيكم - من علي - ﵁ -، فلماذا لا تتهمونه أيضًا؟
وفي هذا إسكات للرافضة عن قول الإثم.
الموضع الثالث والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(ما ذكره من فضائله التي هي عند الله فضائل، فهي حق. لكن للثلاثه ما هو أكمل منها.
وأما ما ذكره من الفضيلة بالقرابة، فعنه أجوبة:
أحدها: أن هذا ليس هو عند الله فضيلة، فلا عبرة به، فإن العباس أقرب منه نسبًا، وحمزة من السابقين الأولين من المهاجرين، وقد روي أنه " سيد الشهداء " وهو أقرب نسبًا منه.
وللنبي ﷺ من بني العم عدد كثير، كجعفر، وعقيل،
[ ١٧٤ ]
وعبد الله، وعبيد الله، والفضل، وغيرهم من بني العباس، وكربيعة، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
وليس هؤلاء أفضل من أهل بدر، ولا من أهل بيعة الرضوان، ولا من السابقين الأولين، إلا من تقدم بسابقته، كحمزة وجعفر، فإن هذين - ﵄ - من السابقين الأولين. وكذلك عبيدة بن الحارث الذي استشهد يوم بدر.
وحينئذ فما ذكره من فضائل فاطمة والحسن والحسين لا حجة فيه، مع أن هؤلاء لهم من الفضائل الصحيحة ما لم يذكره هذا المصنف، ولكن ذكر ما هو كذب، كالحديث الذي رواه أخطب خوارزم: أنه لما تزوج علي بفاطمة زوجه الله إياها من فوق سبع سموات، وكان الخاطب جبريل، وكان إسرافيل وميكائيل في سبعين ألفًا من الملائكة شهودًا.
وهذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
وكذلك الحديث الذي ذكره عن حذيفة.
الثاني: إن يقال إن كان إيمان الأقارب فضيلة، فأبو بكر متقدم في هذه الفضيلة. فإن أباه آمن بالنبي ﷺ باتفاق الناس، وأبو طالب لم يؤمن. وكذلك أمه آمنت بالنبي ﷺ، وأولاده، وأولاد أولاده، وليس هذا لأحد من الصحابة غيره. فليس في أقارب أبي بكر - ذرية أبي قحافة - لا من الرجال ولا من النساء إلا من قد آمن بالنبي ﷺ.
[ ١٧٥ ]
وقد تزوج النبي ﷺ بنته، وكانت أحب أزوجه إليه. وهذا أمر لم يشركه فيه أحد من الصحابة إلا عمر، ولكن لم تكن حفصة ابنته بمنزلة عائشة، بل حفصة طلقها ثم راجعها، وعائشة كان يقسم لها ليلتين، لما وهبتها سودة ليلتها.
ومصاهرة أبي بكر للنبي ﷺ كانت على وجه لا يشاركه في أحد، وأما مصاهرة علي فقد شركه فيها عثمان، وزوجه النبي ﷺ بنتًا بعد بنت، وقال: " لو كان عندنا ثالثة لزوجناها عثمان " ولهذا سمي ذو النورين: زوجه النبي ﷺ أكبر بناته زينب وحمد ومصاهرته) .
تعليق
في هذا الموضع يرد شيخ الإسلام على زعم الرافضة بأن عليًا أحق بالخلافة لأنه قريب للنبي ﷺ فبين لهم أن هذا ثابت لغيره من الصحابة فلماذا لا تدعون ذلك فيهم؟
الموضع الرابع والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(وأما كون صبي من الصبيان قبل النبوة سجد لصنم أو لم يسجد؟ فهو لم يعرف. فلا يمكن الجزم بأن عليًا أو الزبير ونحوهما لم يسجدوا لصنم، كما أنه ليس معنا نقل بثبوت ذلك، بل ولا معنا نقل معين عن أحد من الثلاثة أنه سجد لصنم. بل هذا يقال لأن من عادة
[ ١٧٦ ]
قريش قبل الإسلام أن يسجدوا للأصنام، وحينئذ فهذا ممكن في الصبيان، كما هو العادة في مثل ذلك) .
تعليق
يرد شيخ الإسلام في هذا الموضع على زعم الرافضة بأن عليًا أفضل من الثلاثة لأنه لم يسجد لصنم فبين لهم الشيخ بأن هذا لم يثبت بطريق صحيح، كما أنه لم يثبت أن أحدًا من الخلفاء الثلاثة سجد لصنم، فلماذا التفضيل بالكذب؟
الموضع الخامس والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(الذين أنكروا على علي وقاتلوه أكثر بكثير من الذين أنكروا على عثمان وقتلوه، فإن عليًا قاتله بقدر الذين قتلوا عثمان أضعافًا مضاعفة، وقطعه كثير من عسكره: خرجوا عليه وكفروه، وقالوا: أنت ارتددت عن الإسلام، لا نرجع إلى طاعتك حتى تعود إلى الإسلام.
ثم إن أحدًا من هؤلاء قتله قتل مستحل لقتله، متقرب إلى الله بقتله، معتقدًا فيه أقبح مما اعتقده قتله عثمان فيه.
فإن الذين خرجوا على عثمان لم يكونوا مظهرين لكفره، وإنما كانوا يدعون الظلم، وأما الخوارج لكانوا يجهرون بكفر علي، وهم أكثر من السرية التي قدمت المدينة لحصار عثمان حتى قتل.
[ ١٧٧ ]
فإن كان هذا حجة في القدح في عثمان، كان ذلك حجة في القدح في علي بطريق الأولى. والتحقيق أن كليهما حجة باطلة، لكن القادح في عثمان بمن قتله أدحض حجة من القادح في علي بمن قاتله، فإن المخالفين لعلي المقاتلين له كانوا أضعاف المقاتلين لعثمان، بل الذين قاتلوا عليًا كانوا أفضل بإتفاق المسلمين من الذين حاصروا عثمان وقتلوه، وكان في المقاتلين لعلي أهل زهد وعبادة، ولم يكن قتله عثمان لا في الديانة ولا في إظهار تكفيره مثلهم. ومع هذا فعلي خليفة راشد، والذين استحلوا دمه ظالمون معتدون، فعثمان أولى بذلك من علي) .
تعليق
في هذا الموضع يدافع شيخ الإسلام عن عثمان - ﵁ - ويبين فضله على علي كما هو منهج أهل السنة، لا كما تدعي الرافضة.
الموضع السادس والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(وأما مناقب علي التي في الصحاح فأصحها قوله يوم خيبر: " لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ". وقوله في عزوة تبوك: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ". ومنها دخوله لي المباهلة وفي الكساء، ومنها قوله: " أنت مني وأنا منك ". وليس في شيء من ذلك خصائص.
[ ١٧٨ ]
وحديث " لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " ومنها ما تقدم من حديث الشورى، وإخبار عمر أن النبي ﷺ توفي وهو راض عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن.
فمجموع ما في الصحيح لعلي نحو عشرة أحاديث، ليس فيها ما يختص به. ولأبي بكر في الصحاح نحو عشرين حديثًا أكثرها خصائص.
وقول من قال: صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره، كذلك لا يقوله أحمد ولا غيره من أئمة الحديث، لكن قد يقال: روي له ما لم يرو لغيره، لكن أكثر ذلك من نقل من علم كذبه أو خطؤه. ودليل واحد صحيح المقدمات سليم عن المعارضة، خير من عشرين دليلًا مقدماتها ضعيفة، بل باطلة، وهي معارضة بأصح منها يدل على نقيضها.
والمقصود هنا بيان اختصاصه في الصحبة الإيمانية بما لم يشركه مخلوق، لا في قدرها ولا في صفتها ولا في نفعها، فإن لو أحصى الزمان الذي كان يجتمع في أبو بكر بالنبي ﷺ، والزمان الذي كان يجتمع به فيه عثمان أو علي أو غيرهما من الصحابة، لوجد ما يختص به أبو بكر أضعاف ما اختص به واحد منهم، لا أقول ضعفه.
وأما المشترك بينهم فلا يختص به واحد.
وأما كمال معرفته ومحبته للنبي ﷺ وتصديقه له، فهو مبرز
[ ١٧٩ ]
في ذلك على سائرهم تبريزًا باينهم فيه مباينة لا تخفى من كان له معرفة بأحوال القوم، ومن لا معرفة له بذلك لم تقبل شهادته.
وأما نفعه للنبي ﷺ ومعاونته له على الدين فكذلك.
فهذه الأمور التي هي مقاصد الصحبة ومحامدها، التي بها يستحق الصحابة أن يفضلوا بها على غيرهم، لأبي بكر فيها من الاختصاص بقدرها ونوعها وصفتها وفائدتها ما لا يشركه فيه أحد.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري عن أبي الدرداء، قال كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ: (أما صاحبكم فقد غامر فسلم) . وقال: إن كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: (يغفر الله لك يا أبا بكر) ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا ٠فأتى النبي ﷺ، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر ن فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم. مرتين. فقال رسول الله ﷺ: " إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي " مرتين. فما أوذي
[ ١٨٠ ]
بعدها) .
تعليق
في هذا الموضع يبين شيخ الإسلام فضل أبي بكر على غيره من الصحابة - ومنهم علي -، وأن له من الفضائل ما لم يشركه فيها أحد، بخلاف علي، وقد مر مثل هذا.
الموضع السابع والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(قوله: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) وهذه لأبي بكر ودون علي، لأن أبا بكر كان للنبي ﷺ عنده نعمة الإيمان أن هداه الله به، وتلك النعمة لا يجزى بها الخلق، بل أجر الرسول فيها على الله، كما قال تعالى: (قل مآ أسئلكم عليه من أجر ومآ أنا من المتكلفين)، وقال (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله) .
وأما النعمة التي يجزى بها الخلق فهي نعمة الدنيا، وأبو بكر لم تكن للنبي ﷺ عنده نعمة الدنيا، بل نعمة دين، بخلاف علي، فإنه كان للنبي ﷺ عنده نعمة دنيا يمكن أن تجزى.
الثالث: أن الصديق لم يكن بينه وبين النبي ﷺ سبب يواليه لأجله، ويخرج ماله، إلا الإيمان، ولم ينصره كما نصره أبو
[ ١٨١ ]
طالب لأجل القرابة، وكان كاملًا في إخلاصه لله تعالى، كما قال: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (٢٠) ولسوف يرضى) .
وكذلك خديجة كانت زوجته، والزوجة قد تنفق ما لها على زوجها، وإن كان دون النبي ﷺ.
وعلي لو قدر أنه أتفق، لكان على قريبه، وهذه أسباب قد يضاف الفعل إليها بخلاف إنفاق أبي بكر، فإنه لم يكن له سبب إلا الإيمان بالله وحده، فكان من أحق المتقين بتحقيق قوله: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) .
تعليق
يرد شيخ الإسلام في هذا الموضع على زعم الرافضي بأن آية (وسيجنبها الأتقى) .. الآية لم تنزل في أبي بكر، ثم وضح أن أبا بكر - ﵁ - له من بذل المال في سبيل الدعوة ما ليس لعلي - ﵁-، وقد مر مثل هذا الموضع.
الموضع الثامن والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(وأما قتال علي بيده، فقد شاركه في ذلك سائر الصحابة الذين قاتلوا يوم بدر، ولم يعرف أن عليًا قاتل أكثر من جميع الصحابة يوم بدر ولا أحد ولا غير ذلك.
[ ١٨٢ ]
ففضيلة الصديق مختصة به لم يشركه فيها غيره، وفضيلة علي مشتركة بينه وبين سائر الصحابة، ﵃ أجمعين) .
تعليق
يقرر شيخ الإسلام هنا ما قرره في مواضع عديدة أن فضائل علي -﵁ - مشتركة بينه وبين الصحابة، بخلاف أبي بكر - ﵁ -، فإذا قلتم بأحقية إنسان في الخلافة لتفرده في الفضائل فليس إلا أبو بكر، وهذا ما لم تقولوا به، فظهر تناقضكم وكذبكم.
[ ١٨٣ ]