لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله
[ ١١ ]
الذين اتهموا شيخ الإسلام بهذه التهمة كانت عمدتهم في هذا الاتهام عبارات لم يفهموا مغزاها عثروا عليها متفرقة في كتابه " منهاج السنة" وقبل أن أبين مقصود شيخ الإسلام منها أحب أن يعلم القارئ نبذة عن هذا الكتاب وظروفه ليكون على وعي وبصيرة بمنهج الشيخ.
كتاب " منهاج السنة " هو (من أهم وأكبر كتب شيخ الإسلام، وقد ورد ذكره في أكثر الكتب التي تحدثت عن مؤلفات ابن تيمية) وهو قد ألفه (حوالي سنة ٧١٠هـ. وهذا يعني أنه ألف هذا الكتاب أثناء وجوده في مصر)
وهو - ﵀ - قد ألفه نقضًا لكتاب (منهاج الكرامة) للرافضي ابن المطهر.
يقول شيخ الإسلام في مقدمة كتابه بعد حمد الله والثناء عليه: (أما بعد، فإنه قد أحضر إلي طائفة من أهل السنة والجماعة كتاباُ صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا، منفقًا لهذه البضاعة،
[ ١٣ ]
يدعو به إلي مذهب الرافضه الإمامية من أمكنه دعوته من ولاة الأمور. .) قال: (وذكر من أحضر هذا الكتاب أنه من أعظم الأسباب في تقرير مذاهبهم عند من مال إليهم من الملوك وغيرهم. وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه فيه (خدابنده) وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب، لما في ذلك من نصر عباد الله المؤمنين، وبيان بطلان أقوال المفترين الملحدين)
قلت: أما الرافضي المردود عليه فهو: (أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي ابن المطهر الحلى المشهور عند الشيعة بالعلامة. ولد سنة ٦٤٨ وتوفي سنة ٧٢٦هـ قبل وفاة ابن تيمية بعامين، وهو منسوب إلى الحلة السيفية التي بناها الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور المزيدي الأسدي من أمراء دولة الديالمة في محرم سنة ٤٩٥هـ، وهي واقعة بين النجف والخار علي طرفي شط الفرات)
(أما الملك خدابنده الذي ألف ابن المطهر كتابه " منهاج الكرامة من أجله فهو أحد ملوك الدولة الإيلخانية ومن أحفاد جنكيز خان واسمه الجايتو (أو أولجايتو) خدابنده غياث الدين محمد بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكيز خان. وقد تولى أخوة الملك غازان (أو قازان) الحكم سنة ٦٩٤ وولاه حكم
[ ١٤ ]
خراسان، وكان غازان ميالًا لأهل السنة (ولابن تيمية عدة وقائع معه) واستمر حكمه مدة ثمان سنين وعشرة أشهر إلى أن توفي في شوال سنة ٧٠٣، وتولى بعده أخوه خدابنده في شهر ذي الحجة من نفس العام. وقد استمر خدابنده بعض الوقت مقيمًا على السنة إلى أن كانت سنة ٧٠٩ حينما انتقل إلى مذهب الشيعة) بسبب الرافضي (ابن المطهر) الذي ألف له كتاب: " منهاج الكرامة " ودعاه فيه إلى اعتناق مذهب الرافضة بعد أن حسنه له وقبح صورة مذهب أهل السنة في عينه.
وكتاب " منهاج الكرامة " يتحدث فيه الرافضي عن مسألة ألإمامة التي يقول عنها بأنها (أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين) ويلخص لنا الرافضي كتابه أو رسالته في هذه المسألة بقوله: (وسميتها " منهاج الكرامة في معرفة الإمامة " ورتبتها على فصول:
الفصل الأول: في نقل المذاهب في هذه المسألة.
الفصل الثاني: في أن مذهب الإمامية واجب الاتباع.
الفصل الثالث: في الأدلة على إمامة علي ﵁ بعد رسول الله ﷺ.
الفصل الرابع. في الإثني عشر.
[ ١٥ ]
الفصل الخامس. في إبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان)
قلت هذا بإجمال فصول الكتاب المردود عليه فهو قد حدد هدفه من تأليفه، وهو تقرير إمامة علي - ﵁ - بعد الرسول ﷺ، والطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - وغيرهم من الصحابة.
وفي سبيل هذا الهدف الباطل الذي أقام عليه رسالته غلا غلوًا فاحشًا في علي - ﵁ - فصوره في صورة غير التي نعرف من سيرته، وعظمه على غيره من الصحابة - بل والرسول ﷺ - فجعل الأحداث تدور من حوله، فهو صانعها، وهو بطلها الوحيد.
وأقذع في تصويره - ﵁ - وأهل البيت في صورة المظلومين، الذين قد هضم الصحابة حقوقهم، وأما الصحابة الآخرين فقد صغر مواقفهم، ونال منهم، وجعلهم في صورة الظالمين الذين انتهكوا حق علي وأهل البيت، وتفنن - في سبيل هذا الهدف - في توزيع التهم عليهم.
فعلي - ﵁ - عنده هو الإمام المعصوم، وهو أفضل البشر بعد الرسول ﷺ وهو أزهد الناس، وأعبدهم، وأعلمهم في جميع العلوم وأشجعهم، وأنه يعلم الغيب وكان
[ ١٦ ]
مستجاب الدعاء، وأن الشمس قد ردت له ونزلت في شأنه آيات كثيرة، وفضله الرسول صلى الله علية وسلم في أحاديث كثيرة، وكانت له كرامات عظيمة إلخ.
وأما أبو بكر - ﵁ - فهو عند الرافضي قد اغتصب الخلافة من علي، وظلم فاطمة حقها، وأنه لا علم عنده، وهو لا يقيم الحدود على رعيته إلي آخر تهم الرافضي لأبي بكر - ﵁ - التي فندها شيخ الإسلام في كتابه.
وهكذا صنع الرافضي مع عمر ومع عثمان ومع معاوية ومع طلحة والزبير - ﵃ أجمعين -.
فهو قد أخفى فضائلهم واختلق لكل واحد منهم تهمة باطلة ليشوه صورته أمام الناس.
هذا ملخص ما احتواه هذا الكتاب الآثم الذي حاءته جنود شيخ الإسلام من كل مكان: من فوقه، ومن أسفل منه، حتى جعله حصيدًا خامدًا كأن لم يغن بالأمس فذب بحماس عن أعراض أكرم الخلق بعد الرسل، ونفى غلو الرافضة في علي، وبين المنهج الحق في جميع المسائل التي تعرض لها الرافضي.
ومما يأسف له المسلم أن هذا الكتاب العظيم لشيخ الإسلام - ﵀ - الذي أصبح مرجعًا لكل طالب علم بعده يريد أن ينقض شبهات الروافض لم يعجب بعض من يدعون العلم، ورأوا أنه كان الأولى أن لا يؤلفه شيخ الإسلام.
[ ١٧ ]
ومن هؤلاء: السبكي الذي كان خصمًا من خصوم شيخ الإسلام، حيث يقول في قصيدته حول الروافض وكتاب " منهاج السنة "
إن الروافض قوم لا خلاق لهم من أجهل الناس في علم وأكذبه
والناس في غنية عن رد إفكهم لهجنة الرفض واستباح مذهبه
فهو يرى أنه لا داعي للرد عليهم لافتضاح مذهبهم، وهذا سوء فهم وجهل من السبكي لأن شبه الروافض وأكاذيبهم إذا كانت مفضوحة عند العلماء الذين يخبرون مذهبهم الباطل، فإنها قد تروج على عامة المسلمين من عليه القوم وأسافلهم ممن لا علم عند برد شبهاتهم، فيتأثر بأقوالهم، وقد ينصر مذهبهم كما فعل الملك (خدابنده) الذي ألف له ابن المطهر كتابه. وتخيل لو كان عند هذا الملك علم بأباطيلهم كما وضحها شيخ الإسلام، هل كان سيترفض؟
قلت: وكأني بالحسد قد ملأ قلب السبكي حتى قال قولته السابقة، لأن الله قد ادخر هذا العمل العظيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يكتبه لغيره.
[ ١٨ ]
وقولة السبكي هذه أغضبت أحد علماء السنة (يوسف السرمري) فرد علي قصيدته السابقة بقصيدة أجمل منها جاء فيها:
وقعت في الشيخ إذ رد الروافض في قعر الحضيض وكانوا فوق مرقبه
أوهمتنا فيك رفضًا في كلامك والـ إنسان قد يبتلى من تحت مذربه
فهو يقول للسبكي بأنك أوهمتنا بأنك رافضي لأنك تدافع عن الروافض وترى عدم الرد على مذهبهم.
والصحيح أن السبكي ليس برافضي، ولكنه العداء والحسد لشيخ الإسلام.
قلت: ومن هؤلاء الذين لم يروا أهمية لرد شيخ الإسلام على الروافض: الصفدي، الذي لقي شيخ الإسلام عدة مرات، وكان شيخ الإسلام يحثه على ملازمة التتلمذ على يديه ليستفيد، ولكن غلبه حب الأدب، فصرفه الله عن العلم.
يقول الصفدي في كتابه: " أعيان العصر " عن شيخ الإسلام: (وضيع الزمان في رده على النصارى والروافضة ومن عاند الدين أو ناقضه، ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم لقلد أعناق أهل العلوم بدر كلامه النظيم)
[ ١٩ ]
قلت: لم يضيع شيخ الإسلام زمانه، بل أفاد الأمة بردوده تلك وجعلها مرجعًا لمن بعده ممن أرد نقض شبهات الأعداء، وأما التفسير وشروح البخاري فقد تتابع عليها علماء الإسلام بما يغني الأمة أن تنصرف (جميع) جهود علمائها إليها، ومن تأمل كتب وفتاوى شيخ الإسلام يعلم أن له حظا وافرًا من ذلك - أيضًا -.
وأخيرًا: ما أجمل قول الأستاذ محمد كرد على - ﵀ - في شيخ الإسلام:
(ولو لم يكن له إلا " منهاج السنة " لكفاه على الأيام فخرًا لا يبلى، ففيه مثال من علمه وقوة حجته، ومعرفته بالملل والنحل، وإذا قلنا: إنه لم يؤلف نظيره في الرد على المخالفين لأهل السنة لصدقنا كل منصف من أهل القبلة) .
[ ٢٠ ]
المتهمون