ويفهم من سياق الناظم أنهم هم الفرقة الناجية المذكورة في الحديث مع أنهم جعلوا مخالفة أهل السنة والجماعة الذين هم على ما كان عليه الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين أصلا للنجاة، فصاروا كلما فعل أهل السنة شيئا تركوه، وإن تركوا شيئا فعلوه، فخرجوا بذلك عن الدين رأسا.
وأصل ذلك ما قاله ابن المطهر الحلي: بحثنا مع الأستاذ نصير الدين
الطوسي في تعيين المراد من الفرقة الناجية، فاستقر الرأي على أنه ينبغي أن تكون الفرقة مخالفة لسائر الفرق مخالفة كثيرة، وما هي إلا الشيعة
[ ٢٦٠ ]
الإمامية؛ فإنهم يخالفون غيرهم من جميع الفرق مخالفة [كثيرة] بخلاف غيرهم، وقد نقل ذلك عنه الجلال الدواني في " شرح العضدية "، وتعقبه.
وقد ذكر العلامة البرزنجي ذلك أيضا.
ثم قال: أقول: في هذا الرأي المعكوس غلط وفساد من وجوه:
الأول: أن الفرقة الناجية قد بينها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ٢٦١ ]
بقوله: «هي السواد الأعظم» .
وبقوله: «ما أنا عليه وأصحابي» .
قال: فقد علمت أن الفرقة الناجية هي الموصوفة بهذا الوصف.
فينظر إلى الفرق ومعتقداتها وأعمالها، فمن وافقت النبي صلى الله تعالى وسلم وأصحابه هي الفرقة الناجية.
وقد علمنا بالتواتر أن الصحابة كانوا مجمعين على خلافة أبي بكر الصديق ﵁ ومن بعده.
[ ٢٦٢ ]
وعلى القول: بأن الخير والشر بقدر الله وقضائه، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وعلى الإيمان
بالمتشابه
[ ٢٦٣ ]
وأمور البرزخ والحشر ورؤية الله تعالى، وأن المؤمن لا يخلد في النار وإن دخلها، وعلى غسل الرجلين والمسح على الخفين،
وعلى نسخ المتعة،
[ ٢٦٤ ]
وعلى عدم ذكر الصحابة إلا بخير، وغير
ذلك فتكون الفرقة الناجية المتصفة بهذه العقائد والأعمال. ومعلوم أن الرافضة في طرف النقيض منها كلها، فليسوا الفرقة الناجية قطعا.
الثاني: أن قولهم: (بخلاف غيرهم من الفرق فإنهم متقاربون في أكثر
[ ٢٦٥ ]
الأصول) حجة عليهم؛ لأن التقارب في الأصول والفروع أقرب إلى الاجتماع. وقد بين ﷺ الفرقة الناجية، وفسرها بالجماعة.
ومعلوم أن من فارق الجماعة وخالفهم مخالفة كثيرة ليس من الجماعة في شيء؛ فإذن ليست الإمامية هي الفرقة الناجية قطعا.
الثالث: أن قولهم: ينبغي أن تكون الفرقة الناجية مخالفة لجميع الفرق مخالفة كثيرة. قياس في مقابلة بيان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونصه، وهو باطل؛ فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد نص على أن الناجية هي التي تكون على ما كان صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه عليه، فمن كان عليه في العقد والعمل فهو الناجي الكامل، ومن كان على بعضه كان إلى النجاة قريبا بقدر متابعته، وأما من خالف ذلك كثيرا فهو عن النجاة بمعزل، بل هو إلى الهلاك أقرب منه إلى
النجاة؛ بل هو الهالك قطعا؛ إذ لا نجاة إلا في الاتباع
الرابع: أن قولهم: (لو لم تفارق سائر الفرق مخالفة كثيرة لزم من
[ ٢٦٦ ]
الحكم بكونها الناجية الترجيح بلا مرجح، ومع ذلك هو من لغو الكلام وسفسافه، وذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يسكت عن البيان حتى يستنبط بالقياس العقلي، بل بينها بقوله: «هي التي ما أنا عليه وأصحابي») .
ولا شك أن بيان الدين موكول إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ .
فالناجية هي التي تكون على ما كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه عليه، وما كان عليه النبي وأصحابه اتباع الكتاب والسنة، والهالكة هي المخالفة، كثرت مخالفتها أو قلت؛ فإن الأهواء لا شك أنها متفاوته في القرب والبعد إلى الكتاب والسنة، فتخالف البعيدة مخالفة كثيرة والقريبة مخالفة قليلة.
فكان الطريق أن يقول: استقر الرأي على أن المتبعة لبيان رسول الله صلى الله تعالى وسلم هي الناجية، ويقول: قد تتبعنا أصول الفرق كلها فوجدنا أصول هذه الفرقة وفروعها موافقة لما كان عليه النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم [وأصحابه] دون سائر الفرق، فحكمنا بأنها الناجية، وأني له أن يقول ذلك! فإن القول بأنها التي تكون على ما كان النبي صلى الله تعالى
[ ٢٦٧ ]
عليه وسلم وأصحابه فرع اعتقاد أن الصحابة كانوا على الحق، واعتقاد ذلك يفك أساس مذهبهم ويحوجهم إلى القول بحقية خلافة الخلفاء الثلاثة، مع أنهم يقولون بارتدادهم كلهم إلا أربعة أو ستة، ولا شك أن من هذا اعتقاده لا يصح له [التمسك] بالكتاب والسنة اللذين وصلا إلينا برواياتهم، وفهمناهما ببيانهم، بخلاف أهل السنة القائلين: إن الصحابة خير القرون، وإنهم أفضل خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وإنهم على الحق، وإنهم كلهم عدول وإنهم يقتدى بهم؛ فهذه الفرقة هي الحقيقة أن تكون الناجية، دون التي رغبت عن اتباع الصحابة ناجية.
الخامس: إذا كان مدار النجاة -بزعمهم الفاسد- على المخالفة، يلزم أن يخرجوا من الدين رأسا؛ لأنهم كلما رأوا أهل السنة فعلوا شيئا موافقا للسنة
تركه هؤلاء، وإذا تركوا شيئا كذلك فعله هؤلاء؛ فخرجوا من الدين رأسا، وذلك هو الضلال المبين والهلاك اليقين.
[ ٢٦٨ ]
السادس: أن الطوسي رجل منجم متشبث بذيل الفلسفة وليس له في السنة ولا في الكتاب أثر يعتد به من رواية أو دراية، وابن المطهر الحلي -الذي هو تلميذه- أخس منه حالا.
فأنى لهما أن يبحثا عن الفرقة الناجية!! .
ولو كان لهما حياء لاستحيا أن يكونا من الباحثين عما ليس بفنهما ولكانا اتبعا بيان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، الموكول إليه البيان من الله الذي أرسله بالهدى ودين الحق، وقال لنا: فاتبعوه ووقفا عنده ولم يتجاوزاه.
فمن يكون رأس ماله الفلسفة أو النجوم أنى له أن يهجم على الحقائق الشرعية هذا الهجوم، فإنه يصيبه من أنجم الدين وشهبه الرجوم،
كما أشار إليه ناصر الدين البيضاوي في سورة الملك أن المراد بالشياطين
[ ٢٦٩ ]
في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ المنجمون.
حيث قال: وقيل معناه: رجوما وظنونا لشياطين الإنس وهم
المنجمون) انتهى.
السابع: أن هذا الافتراق إنما هو بسبب الاعتقاد دون العمل، وأن
[ ٢٧٠ ]
هؤلاء قد وافقوا أهل السنة [في القول] ببقاء الروح وفي عصمة الأنبياء من الصغائر ولو سهوا، وفي أكثر أمور البرزخ كسؤال القبر وعذابه والحساب والميزان، والصراط والحوض والشفاعة وانقطاع
عذاب الكبيرة وكون الجنة والنار مخلوقتين الآن موجودتين.
[ ٢٧١ ]
وكذلك وافقوا المعتزلة في:
القول بالقدر، وخلق الأفعال، وخلق القرآن.
ونفي
[ ٢٧٢ ]
الرؤية، ووجوب اللطف، والحسن والقبح العقليين.
وهكذا فلم يخالفوا جميع الفرق مخالفة
[ ٢٧٣ ]