عازب «أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما استخلف الأمير في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء والبنات وتركه فيهن، وقد توجه هو إلى تلك الغزوة، قال الأمير: يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ".
تقرير الاستدلال أن المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم فيعم جميع المنازل لصحة الاستثناء، وإذا استثنى مرتبة النبوة ثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها: صحة الإمامة وافتراض الطاعة أيضا لو عاش هارون بعد موسى؛ لأن هارون كانت له هذه المرتبة في عهد موسى.
[ ٣٤١ ]
فلو زالت عنه بعد وفاته لزم العزل؛ وعزل النبي ممتنع للزومه الإهانة المستحيلة في حقه، فثبتت هذه المرتبة للأمير أيضا وهي الإمامة.
والجواب: أن في هذا الاستدلال اختلالا من وجوه:
أما أولا: فلأن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين، بل هم صرحوا بأنه في نحو (غلام زيد) للعهد، وكيف يمكن العموم في (ركبت فرس زيد) و(لبست ثوبه) غاية الأمر الإطلاق، وللعهد هنا قرينة (أتخلفني إلخ) فالاستخلاف كالاستخلاف، فينقطع بانقطاعه، ولا إهانة، وهو واضح.
والاستثناء لا يكون دليل العموم إلا إذا كان متصلا، وهنا منقطع لفظا للجملية، ومعنى للعدم وهو ليس من المنازل.
[ ٣٤٢ ]
وأيضا بالعموم والاتصال يلزم كذب المعصوم؛ إذ من المنازل ما لا شك في انتفائه، كالأسنية والأفصحية والشراكة في النبوة والأخوة النسبية، وأين هذا من الأمير كرم الله وجهه؟ .
وأما ثانيا: فلأنا لا نسلم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هارون؛ لأنه كان نبيا مستقلا، ولو عاش لبقي كذلك، وأين النبوة من الخلافة؟ وهل هذا الاستدلال إلا من السخافة؟! .
وأما ثالثا: فلأن ما قالوا من أنه لو زالت هذه المرتبة من هارون لزم العزل، باطل؛ إذ لا يقال لانقطاع العمل عزل؛ لا لغة ولا عرفا ولا يفهم أحد من مثله إهانة، كما لا يخفى على المنصف.
[ ٣٤٣ ]
وأيضا: تشبيه الأمير بهارون المستخلف في الغيبة الثابت خلافة ما سواه كيوشع بن نون وكالب بن يوقنا، بعد الوفاة، يقتضي بموجب التشبيه الكامل عدم خلافة الأمير بعد الوفاة أيضا، فتدبر.
ولو تنزلنا من هذا كله قلنا: أين الدلالة على نفي إمامة الثلاثة ليثبت المدعى؟ غاية ما يثبته الحديث الاستحقاق ولو في وقت من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة، فالتقريب غير تام، والله تعالى أعلم.
[ ٣٤٤ ]