وهذا الكلام بمقام من الانتظام.
وهذا اللفظ قد وقع في غير موضع بحيث لا يناسب معنى الأولى بالتصرف، كقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ .
والسوق شاهد كما لايخفى.
ولو فرضنا كون " أولى " في صدر الحديث بمعنى " الأولى بالتصرف " أيضا لا يكون حمل المولى على ذلك مناسبا، إذ يحتمل أن يراد تنبيه المخاطبين بهذه العبارة ليستمعوا بأذن واعية وقلوب غير لاهية، وليعلموا أنه أمر إرشادي واجب الإطاعة، كما أن الأب يقول لأبنائه في مقام الوعظ والنصيحة: ألست أباكم؟ فافعلوا كذا؛ فمعنى ألست أولى بالمؤمنين؟ ألست رسول الله إليكم؟ أوألست بنبيكم؟ .
والربط حاصل بهذه العبارة كما هو ظاهر.
ومن العجب أن بعض المدققين منهم أورد دليلا على نفي معنى المحبة، وهو أن محبة الأمير كرم الله وجهه أمر مفاد، حيث كان ثابتا في ضمن آية ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ .
[ ٣٥٨ ]
فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا.
ولا يخفى فساده؛ إذ فرق بين " بين بيان وجوب محبة أحد في ضمن عموم، وبين إيجاب محبته بخصوصه ".
مثلا لو آمن أحد بجميع الأنبياء والرسل ولم يتعرض لاسم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في الذكر، لم يكن إسلامه معتبرا.
على أن وظيفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تأكيد مضامين القرآن، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وعلى ما قيل يلزم أن تكون التأكيدات من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في باب الصلاة والزكاة مثلا لغوا، والعياذ بالله تعالى.
ويلغو أيضا التأكيد في التنصيص على إمامة الأمير، وقد قالوا به، وسبب الخطبة على ما ذكره المؤرخون يدل صراحة على أن المراد المحبة.
وذلك أن جماعة كانوا مع الأمير في سفر اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، فلما رجعوا شكوا عليا ولم يحمدوا سيرته ولم يحسنوا سريرته، فلما أحس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك
[ ٣٥٩ ]
خطب هذه الخطبة العامة دفعا للكلام، ودرءا لسائر الأوهام.
وممن أورد القصة مفصلة محمد بن إسحاق وقد ذكرها غيره أيضا فليتأمل.
وقوله: (ولم يكن مبلغا إلخ) مردود بما سمعت.
وقد قيض الله تعالى لأمر الدين أناسا اقتدى بهم علي كرم الله تعالى وجهه، وغيره من الصحابة الأجلة رضوان الله عليهم أجمعين.
وقوله: (لا يصدر الخطأ عنه أصلا إلخ) سيأتي في بحث العصمة الكلام عليه مفصلا. إن شاء الله تعالى.
[ ٣٦٠ ]