به كل ما لم يقع في العهد النبوي لعدم المقتضي أو لوجود مانع؛ إذ قد قام الدليل على أنَّه لو وُجِد المقتضي أو زال المانع لَمَا تركه النبي - ﵌ -، فهو من هديه بالقوة.
ولك أن تستغني بقولك: "كل أمر أُلصق بالدين، ولم يكن من هدي النبي - ﵌ - "؛ فإنَّ هَدْيه هو سُنَّته، والدليل الدَّال على أمرٍ أنَّه من الدِّين وأنَّه إنَّما تركه - ﵌ - لعدم مقتضيه، أو لوجود مانع عنه في حياته= لا بد أن يكون ذلك الدليل من أقسام السُّنَّة.
وأبلغ من هذا كلِّه أن يُقال: إنَّ كلمتي "البدعة" و"المُحْدَثة" الواردتين في الأحاديث باقيتان على معناهما اللغوي، ولكن ليس المراد بهما صورة الفعل، وإنَّما المراد الحكم المزعوم له وجوبًا، أو ندبًا، أو غيرهما من الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية.
فمَن زعم أنَّ التَّختُّم بالعقيق واجب، أو مندوب، أو حرام، أو مكروه، فقد ابتدع؛ لأنَّ هذا الحكم الذي زَعَمَه مُحْدَث.
وهكذا من زعم أنَّ شرب قليل الخمر مباح لِمَن وَثِق من نفسه أنَّ قليله لا يجرُّه إلى كثيره فقد ابتدع؛ لأنَّ هذا الحكم
_________________
(١) وهو الإباحة في تلك الحال مُحْدَث. وكذا من زعم أنَّ الغِنَى شرط لصحة النكاح، أو سبب تام لوجوبه، أو مانع من وجوب صوم رمضان، أو أنَّ صوم مَن شَرِب الدَّواء عمدًا صحيح، أو أنَّ صوم من تعطَّر عمدًا باطل. فإن قلتَ: لكن السَّلف كثيرًا ما يطلقون على الأفعال أنفسها أنَّها "بدع"،
[ ٦ / ١٣٥ ]
كإخراج المنبر يوم العيد، وتقديم خطبة العيد على الصلاة (^١)، وأطلق بعض الصحابة البدعة على الاضطجاع بعد سُنَّة الفجر (^٢)، وعلى القنوت في الفجر (^٣)، وعلى صلاة الضحى (^٤).
_________________
(١) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩) وغيرهما، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصَّته مع مروان بن الحكم، حين قدَّم خطبة العيد على الصلاة وخطب على منبرٍ صنعه كثير بن الصَّلت.
(٢) يشير إلى ما ساقه عبد الرزاق (٣/ ٤٢ - ٤٣)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٤٦)، من آثار عدَّةٍ، عن جمع من الصَّحابة والتابعين ﵃ في تبديع الاضطجاع بعد راتبة الفجر أو كراهة ذلك أو النهي عنه.
(٣) يشير إلى ما أخرجه الترمذي (٤٠٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٨٠)، وابن ماجه (١٢٤١)، وأحمد (٣/ ٤٧٢)، (٦/ ٣٩٤)، وغيرهم، من حديث أبي مالك الأشجعي قال: قلتُ لأبي، يا أبت إنَّك قد صلَّيت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ههنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بُنَيَّ مُحْدَثٌ". قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصحَّحه الألباني في "الإرواء" (٤٣٥). وقد ساق عبد الرزَّاق (٣/ ١٠٥ - ١٠٨، ١١١)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢١ - ٢٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٢/ ٢١٣ - ٢١٤) جملة آثارٍ عن جمع من الصحابة والتابعين ﵃ في تركهم القنوت في الفجر أوالقول بعدم مشروعيَّته.
(٤) يشير إلى ما أخرجه البخاري (١٧٧٥)، ومسلم (١٢٥٥)، وغيرهما، من حديث مجاهد قال: دخلتُ أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر ﵄ جالسٌ إلى حجرة عائشة، وإذا ناسٌ يصلُّون في المسجد صلاة الضُّحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: "بدعةٌ". وقد ساق الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٥٢) عدَّة آثار بأسانيد صحَّحها عن ابن عمر ﵁ تسميته لها بالبدعة والمُحْدَثة، ثم قال ﵀: "وفي الجملة: ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضُحى؛ لأنَّ نفيه محمولٌ على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصةٌ .. قال عياض وغيره: إنَّما أنكر ابن عمر ملازمتها، وإظهارها في المساجد، وصلاتها جماعة، لا أنَّها مخالفة للسُّنَّة .. ". وينظر أيضًا: مصنَّف عبد الرزَّاق (٣/ ٧٨ - ٨١)، ومصنَّف ابن أبي شيبة (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٧).
[ ٦ / ١٣٦ ]
قلتُ: لِقائلٍ أن يقول: إنَّ ذلك كله تجوُّز سهَّلَه ما بين الأفعال وأحكامها من التلازم، فإنَّ من أخرج المنبر يوم العيد، وقدَّم الخطبة على الصلاة يدلُّ فعلُه ذلك على أنَّه يزعم أنَّه جائز، أو مندوب، فهذا الحكم المزعوم هو البدعة في الحقيقة، والفعل قرينة عليه.
وأمَّا بقية الأمور المذكورة فلا إشكال فيها؛ لأنَّ من أطلق على الاضطجاع بعد سُنَّة الفجر أنَّه بدعة إنَّما أطلقه لمَّا رأى قومًا يتحرَّونه زاعمين أنَّه سُنَّة، وأوضح من ذلك حال القنوت، وصلاة الضحى، فإنَّ من يقنت إنَّما يقنت زاعمًا أنَّ القنوت سُنَّة، وكذا من يصلِّي الضُّحى.
والذي ينبغي أن يعتمد في تعريف البدعة هو التعريف الثالث، أي: "أمر أُلْصِق بالدِّين، ولم يكن من هدي النبي - ﵌ -، لا بالفعل ولا بالقوَّة".
[ ٦ / ١٣٧ ]