صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة. ومعناه الظهور للعيان، لا كما تقول الصوفية: التَّجَلِّي: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب.
؟ الدليل من الكتاب:
قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]
- الدليل من السنة:
١- روى الإمام أحمد في «المسند» (٣/١٢٥) بإسناد صحيح: «حدثنا
أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري قال حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال هكذا يعني أنه أخرج طرف الخنصر قال أحمد أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى
[ ٩٢ ]
هذا يا أبا محمد قال فضرب صدره ضربة شديدة وقال من أنت يا حميد وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ فتقول أنت ما تريد إليه» .
وعند الترمذي (٣٢٨٢) بإسناد صحيح أيضًا من حديث سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁: «أنَّ النبي ﷺ قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى قال فساخ الجبل وخَرَّ موسى صعقًا» .انظر: «صحيح سنن الترمذي» (٣/٥١)
٢- حديث تجلِّي الله ﷿ لعباده يوم القيامة المشهور. رواه البخاري (٧٤٣٨) والترمذي (٢٤٨٠) وقال: «هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن النبي ﷺ رواياتٌ كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أنَّ الناس يرون ربهم وذِكر القدم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهبُ في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويُؤمَن بها ولا تُفَسَّر ولا تُتَوَهَّم ولا يقال كيف وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا
[ ٩٣ ]
إليه ومعنى قوله في الحديث:
«فَيُعَرِّفَهم نفسه» يعني: يَتَجَلَّى لهم»
قال الإمام أحمد كما في «مجموع الفتاوى» (٥/٢٥٧) لشيخ الإسلام ابن تيمية: «وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو الذي كَلَّم موسى تكليمًا، وتَجَلَّى للجبل فجعله دكًا، ولا يماثله شىءٌ من الأشياء في شيءٍ من صفاته، فليس كَعِلمه علمُ أحدٍ، ولا كقدرته قدرةُ أحدٍ، ولا كرحمته رحمةُ أحدٍ، ولا كاستوائه استواء أحدٍ، ولا كسمعه وبصره سمع أحدٍ ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحدٍ، ولا كَتَجَلِّيِهِ تَجَلِّي أحدٍ»
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٧/١٥٣): «وقول رسول الله ﷺ: «يَنْزِل ربُّنَا إلى السماء الدنيا» عندهم مثل قول الله ﷿ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًَّا صَفًَّا﴾ كلهم يقول يَنْزِل ويَتَجَلَّى ويجيء، بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء وكيف يَتَجَلَّى وكيف يَنْزِل، ولا من أين جاء ولا من أين تَجَلَّى ولا من أين يَنْزِل، لأنه ليس كشيءٍ من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له، وفي قول الله ﷿ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكن قبل ذلك متجلِّيًَا للجبل وفي ذلك ما يفسر معنى حديث التَنْزيل ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فلينظر في تفسير
[ ٩٤ ]
بقيُّ بن مخلد ومحمد بن جرير وليقف على ما ذكرا من ذاك ففيما ذكرا منه كفاية وبالله العصمة والتوفيق»
وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٦/٣٧): «وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه والتمثيل. فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز حكيم غفور رحيم وأنه سميع بصير وأنه غفور ودود وأنه تعالى - على عظم ذاته - يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وأنه تَجَلَّى للجبل فجعله دكًا ; وأمثال ذلك»
وقال في «مجموع الفتاوى» (٢٣/٧٦) «ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه إذا تَجَلَّى لهم يوم القيامة سجد له المؤمنون، ومن كان يسجد في الدنيا رياءً يصيُر ظهرُه مثل الطبق»
وقال الحكمي في «معارج القبول» (٢/٧٧٢): «وقوله فتنظرون إليه وينظر إليكم فيه إثبات صفة التَجَلِّي لله ﷿ وإثبات النظر له واثبات رؤيته في الآخرة ونظر المؤمنين إليه»
قال ابن منظور في «لسان العرب»: «قال الزجاج: ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أي: ظهر وبان. قال: وهذا قول أهل السنة والجماعة»
[ ٩٥ ]
وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب «العين»: «قال الله ﷿ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أي ظهر وبان»