صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله تعالى على ما يليق به؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
؟ الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا؛ فقد آذنته بالحرب وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مَسَاءَته» . رواه البخاري (٦٥٠٢) .
سئل شيخ الإسلام ﵀ في «الفتاوى» (١٨/١٢٩) عن معنى
[ ٩٦ ]
تردد الله في هذا الحديث؟ فأجاب:
«هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة، وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردد.
والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك؛ كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور؛ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنْزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه؛ كما قيل:
الشَّيْبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أَنْ أفَارِقَهُ فأعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلى البغضاءِ محبوبُ
ِ
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من
[ ٩٧ ]
الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: «حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره»، وقال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث؛ فإنه قال: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»؛ فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة؛ بحيث يحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت؛ ليزداد من محاب محبوبه، والله ﷾ قد قضى بالموت، فكل ما قضى به؛ فهو يريده، ولا بد منه؛ فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس أرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته» .
ثم قال (ص ١٣٥): «والمقصود هنا: التنبيه على أنَّ الشيء المعين يكون
[ ٩٨ ]
محبوبًا من وجه مكروهًا من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أنَّ هذا في الأفعال؛ فهو في الأشخاص، والله أعلم» .
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «لقاء الباب المفتوح» (س١٣٦٩) «إثبات التردد لله ﷿ على وجه الإطلاق لا يجوز، لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: «ما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن»، وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل رحمة هذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: «يكره الموت، وأكره إساءته، ولابد له منه» . وهذا لا يعني أنَّ الله ﷿ موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد، إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه: هل يقدر أو لا يقدر. أما الرب ﷿ فلا» .