يقال: خَلَق، يخلقُ، خلقًا.
والإنسانُ مفعولُ المصدر المخلوق، ليس هو المصدر، وإن كان قد يُطلق لفظُ المصدر على المفعول، تقول: هذا خَلقُ الله، أي: مخلوقُ الله.
٧٠٩ - وحكى أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في شرح السنة إجماعَ السلف على أنّ الفعلَ غيرُ المفعول (^١).
٧١٠ - قال شيخُنا أبو العبّاس (^٢): "وكثيرٌ من أتباع جَهْم، كأبي الحسن وأتباعه، ومَنْ وافقه من متأخِّري أصحاب مالك والشافعي وأحمد، مثل: ابن عقيل، وابن الجوزي وغيرهما، يقولون: إنّ الخلقَ هو المخلوق، والفعلَ هو المفعول، وقد جعلوا أفعالَ العباد فعلًا لله، والفعلُ عندهم هو المفعول، فامتنع عندهم - مع هذا - أن يكون فعلًا للعبد، لئلّا يكون فعلٌ واحدٌ له فاعلان، وأما الجمهور فيقولون: إنّه مخلوقٌ لله، مفعولٌ له، وهي فعلٌ للعبد قائمةٌ به، وليست فعلًا لله قائمًا به، بل مفعوله غيرُ فعله، والربُّ تعالى لا يوصف بما هو مخلوقٌ له، وإنما يوصف بما هو قائمٌ به، فلم يلزم هؤلاء أن يكون الربُّ ظالمًا، وأما أولئك فإذا قالوا: إنّه يوصف بالمخلوق المنفصل عنه فسُمّي خالقًا وعادلًا: لوجود مخلوق منفصل عنه خلَقَه، فإنّهم ألزموهم أن يكون ظالمًا لخلقه ظلمًا منفصلًا عنه؛ إذ كانوا لا يفرِّقون - فيما
_________________
(١) لم أقف على هذا النقل، لا في شرح السنة ولا في التفسير؛ ونقله ابن القيم في شفاء العليل (ص ١١٤)، عن البغوي.
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٨ - ٤٦٩).
[ ١ / ٣٩٦ ]
انفصل عنه - بين ما يكون صفةً لغيره وفعلًا له، وبين ما لا يكون، إذ الجميع عندهم نسبتُه واحدة إلى قدرته ومشيئته وخلْقه".
"وهؤلاء يلزمهم أن لا يكون لأفعال العباد فاعلٌ، لا الربّ ولا العبد، أمّا العبدُ فإنّها وإن قامت به الأفعالُ فإنّه غيرُ فاعلٍ لها عندهم، وأمّا الربُّ فعندهم لم يقم به فعلُ لا هذه ولا غيرها، والفاعل والمفعول من قام به الفعل، كما أنّ المتكلِّم المفعول من قام به الكلام، والمُريد المفعول من قامت به الإرادة، والحيّ والعالم والقادر من قامت به الحياة والعلم والقدرة" (^١).
"والذين يقولون: الخلقُ غيرُ المخلوق لهم قولان: هل يخلقُ بفعلِ واحدٍ قديم يُوجدُ به جميع المفعولات؟ أم هو يُوجِدُ المفعولات بأفعالٍ متعاقبة كما قال تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]؟ على قولين، ومن قال بالثاني قال: إنّ المؤثّر التامّ يستلزم الأثرَ التامّ، وإلّا لزم الترجيح بلا مرجّح، فإنّ الفاعل إذا كان قبل حدوث المفعول وحين حدوثه على حالٍ واحدة، كان تخصيصُ إحدى الحالين بحدوث المفعول ترجيحًا لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجّح، وهذا ممتنعٌ في صريح العقل، فالأثر لا يوجد إلّا إذا حصل مؤثّرُه التامّ، فإنّه بدون تمامه لا يكون مؤثرًا فلا يحصل الأثر، وإذا تمّ وجب حصولُ الأثر، إذ لو لم يجب لأَمكَنَ وجودُه وأَمْكَنَ عدمُه، فكان يتوقف على حدوث شيء آخر، فلا يكون المؤثر تامًّا، وهؤلاء يقولون: القدرة مع الفعل، وكذلك الإرادة وسائر ما يتوقّف عليه الفعل، وإن كان بعض ذلك قد يتقدّم عليه ويبقى إلى حين حصوله، لكن لابدّ من وجوده معه، وهذا الفعل الذي هو تكوين الرب خارج عن جميع الأسباب المخلوقة" (^٢).
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٣).
(٢) الاستغاثة في الرد على البكري (ص ٣١٤ - ٣١٨).
[ ١ / ٣٩٧ ]