ذكر ابنُ سبعين - المُلحِد - قولَ الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]، وقال في موضع آخر: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فقال: اعلم أنّه لا تناقض بين الآيتين بحال، وإنّما كان يجد الطاعنُ المقالَ أنْ لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها أو أنشأها أو ابتدأها، وإنّما قال ﴿دَحَاهَا﴾، فابتدأ الخلقَ للأرض كما في الآي الأول في يومين، ثم خلق السموات - وكانت دخانًا - في يومين، ثم بعد ذلك دحا الأرض أي بسطها ومدَّها وكانت ربوة مجتمعةً فأرساها بالجبال وأنبت فيها النبات في يومين، فتلك ستّة أيام ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾، وقيل: معنى ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي مع ذلك، وبعد تأتي في كلام العرب بمعنى مع، وأنشد:
فقلت لها فيئي إليك وإنني … حرام وإني بعد ذاك لبيب (^١)
أي: مع ذاك ملبّ.
٣٩٥ - قال أبو القسم عبد الله بن محمد بن ناقِيا (^٢) في المقامات العشرة (^٣)، وذكر قولَ معترض: ما معنى قوله ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
_________________
(١) البيت للمضرِّب بن كعب. لسان العرب (لبب) (١/ ٧٢٩).
(٢) شاعر، لغوي، بغدادي، توفي سنة (٤٨٥ هـ)، يقال: اسمه عبد الباقي. ينظر: وفيات الأعيان (١/ ٢٦٦).
(٣) مقامات الحنفي وابن ناقيا وغيرهما (ص ١٤١ - ١٤٣).
[ ١ / ٢٣٤ ]
الْقَمَر﴾ [يس: ٤٠]: وفي أوان كل محاق يقع الإدراك واللحاق، ثم في الكسوف الشمسي يكون الإدراك الحقيقي، فأجابه: إنّما الشمس لا تدرك القمر بفلكها، وإنّما هو بسرعة سيره يدركها، وذلك بمشاهدة الناظرين، قيل: فما معنى قوله ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، قال: المراد أنّه لا يذهب أحدُهما بمعنى صاحبه، ولا يزول تضامُّهما عن سببه، فكأنّه قال: لا الليل سابق النهار ولا النهار سابق الليل، ونابت إحدى الجملتين عن الأخرى، وهذا مذهبٌ من مذاهب العرب في أن السبق من النهار واقع؛ لأنّ الله لمّا خلق الشمسَ أوجد النهارَ بوجودها، ولم يكن الزمان قبلها يسمى ليلًا، فلما وقع الانحياز والتميّز بها كان النهارُ والليلُ، واستحقّ النهارُ السبقَ لأنّ الدليل منه، قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥].
٣٩٦ - قال الفخر الرازي في كتاب أسرار القرآن (^١): قوله تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] لا يقتضي كونَ الكواكب موجودةً فيها؛ وذلك لأنّ السموات إذا كانت شفّافةً فالكواكب فيها، سواء أكانت في سموات أخرى فوقها، فهي لا بدّ أن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها، فعلى التقديرين تكون السماءُ الدنيا متزيّنةً بهذه المصابيح.
٣٩٧ - قال عبد السلام بن بَرَّجان (^٢): ذكر الذين تعاطَوْا معرفةَ أجرام الكواكب وأبعاد الأفلاك، فزعموا أنّ الشمس هي أكبر من الأرض بمائة وثمانية وثمانين ضعفًا، ومنهم من زاد على ذلك إلى ثلثمائة ضعف، وكذلك قالوا في القمر وسائر الكواكب بالزيادة على الأرض، وفاضلوا بين ذلك، فإن كان المعنى منهم بموضع المضاعفة طريق الشمس في فلكها من
_________________
(١) لم أجد النقل في كتابه "أسرار التنزيل وأنوار التأويل"، فلعله من كتاب آخر.
(٢) تفسير ابن برّجان (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ١ / ٢٣٥ ]
مشرقها إلى مغربها، ثم بمصعدها في أعلى مسالكها في ذلك، ومنازلها إلى أدنى ذلك في المشارق والمغارب، فربما فارقوا أو ظُنَّ بهم ذلك، وإن كان هذا غيرَ مُدرَكٍ لبشر من غير توقيفِ نبوّة ولا إعلامٍ بوحي من عند الله، وإن كان المعنيّ بذلك قرص الشمس فالمشاهدةُ تُبطل ذلك، وإنّما أوقعهم في هذا التهافت ما رأوْه من أمر الله المجعول فيها وبها. وذكر بقيّةَ كلامه في تفسير سورة الأنعام، إلى أن قال: والقائلون بما تقدّم ذكرُه من عِظَم أجرام الكواكب هم القائلون حقًّا أنّهما لا يطلعان على جميع الأرض.
٣٩٨ - قال صاحب زاد المسافر في الطب (^١): والعين ليس فيها نور، وإنما نورها والضوء فيها إنما هو مُكتَسَب من الأنوار المشرقة التي هي الشمس والقمر والكواكب.
٣٩٩ - قال شيخُنا الإمام أبو العبّاس (^٢): "وليس مع أحد دليلٌ على أنّ الأرض إلى المركز جنسٌ واحدٌ متماثل، حتى يمتنع أن يكون سبع أرضين، يعني قول الله ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، بل علمُ الهيئة بعضُه يقوم عليه دليل، كاستدراة الأفلاك، وبعضُه لا يقوم عليه دليلٌ، مثل كون الثامن أو التاسع هو المحيط، وكون الشمس في الرابعة".
٤٠٠ - قال خُشَيْش بن أَصْرَم: حدثنا الفِرْيابي، ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى قال: قلت لمجاهد: أين الجنّة؟ قال: في أعلى العِلِّيِّين، قلت: فأين النار؟ قال: في أسفل السافلين.
٤٠١ - وقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا محمد بن سُلَيْم قال:
_________________
(١) هو الطبيب أبو جعفر أحمد بن إبراهيم القيرواني، المعروف بابن الجزار، توفي سنة ٣٦٩ هـ. السير (١٥/ ٥٦١)، الأعلام (١/ ٨٥).
(٢) لم أقف على توثيق هذا النقل في كتب شيخ الإسلام.
[ ١ / ٢٣٦ ]
سمعت قتادة قال: "كانوا يَرون أنّ الجنان في السموات، وأنّ النار في الأرضين السابعة".
٤٠٢ - وقال: حدثنا الفِرْيابي، ثنا سفيان، عن ثَوْر بن يزيد، عن خالد بن مِعْدان، عن عبد الله بن عمرو قال: "الجنّة مطويّة في قرون الشمس، تُنْشَر في كل عام مرتين، وأرواح المؤمنين في طير كالزرازير تأكل من ثمر الجنّة". رواه إسحاق بن راهويه (^١) وأبو بكر بن أبي شيبة (^٢)، عن عيسى بن يونس عن ثَوْر بن يزيد. وهو عندنا في جزء أبي عاصم، رواه عن ثَوْر.
٤٠٣ - قال عثمان بن سعيد الدارمي (^٣): وقد كتب إليّ علي بن خَشْرَم: أنّ وكيعًا سُئل عن حديث عبد الله بن عَمْرو في الجنّة معلّقة بقرون الشمس، فقال وكيع: "هذا حديث مشهور، قد روي ويُروى، فإن سئلوا عن تفسيره لم يُفسّر لهم، ومنهم من ينكره وينازع فيه، والجهميّة تنكره".
* * *
_________________
(١) وعنه الطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠/ رقم: ١٤١٦٧).
(٢) المصنف (١٨/ ٤١٧/ رقم: ٣٥١١).
(٣) نقض بشر المريسي (٢/ ٧٢٨ - ٧٢٩).
[ ١ / ٢٣٧ ]