٣٧٥ - قال أبو عُبَيْد القاسم بن سلّام (^١): حدثنا هُشَيْم، عن حُصَيْن، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، قال: "هذا هو السواد الّذي في القمر" (^٢).
قال أبو عُبَيْد: وأما ﴿مُبْصِرَةً﴾ فإنّ المعنى أنّه يُبصَر فيها، فكان الفرّاء (^٣) يذهب فيها إلى أنّ المُبْصِرة مُضيئة، قال: وكذلك قوله ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٧٦] قال: مضيئًا.
قال أبو عُبَيْد: يريد أنّه أضاء للناس البَصَرَ، هذا قولُ الفرّاء، وفيه وجه آخر، يقال: قد أبصر النهارُ، إذا صاروا (^٤) الناسُ يبصرون فيه، فهو مُبْصَر، وهو كقولك في الكلام: رجل مُخْبَث، إذا كان أهلُه وأصحابُه خبثاء، ورجلٌ مُضْعَف إذا كانت دولتُه ضعافًا، فكذلك النهار مبصرًا إذا كان أهلُه بصراء.
حدثنا حجّاج، عن ابن جُرَيْج، عن مجاهد ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسرَاء: ٥٩] قال: آيةً (^٥).
_________________
(١) لعلّ النقل هنا كتابه معاني القرآن، وهو مفقود.
(٢) أخرجه كذلك ابن جرير في التفسير (١٤/ ٥١٧)، لمجاهد عن ابن عباس.
(٣) انظر: معاني القرآن (٢/ ١٢٦) للفراء.
(٤) هكذا بخط المصنف.
(٥) وأخرجه ابن جرير (١٤/ ٦٣٨)، للحسين عن حجاج.
[ ١ / ٢١٩ ]
٣٧٦ - ذكر أبو الفرج بن الجوزي في بعض كتبه في الوعظ ما ذكره أبو الحسين ابن المُنادي أحمد بن جعفر في كتاب الملاحم والفتن (^١) قال: حدثني هارون ابن علي بن الحَكَم، ثنا أحمد بن عبد العزيز بن مِرْداس الباهلي، ثنا عبد الله بن محمد بن سعيد (^٢) القرشي، ثنا محمد بن موسى الشَّيْباني، ثنا مَسْلَمَة بن الصَّلْت، ثنا أبو علي حازم بن المُنْذِر العنزي، ثنا عمر بن صُبَيْح، عن مقاتل بن حيّان، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس. قال أبو علي: وحدثنا الحارث بن مُصعب، عن مقاتل، عن شهر بن حَوْشَب، عن حذيفة بن اليمان. قال أبو علي: وحدثنا الأَعْمَش، عن سليمان بن موسى، عن القاسم بن مُخَيْمِرَة، عن علي بن أبي طالب وحُذَيْفَة وأبن عبّاس، أنّهم كانوا جلوسًا ذات يوم، فجاء رجلٌ فقال: إني سمعت العجب، فقال حذيفة: وما ذلك؟ قال: سمعت رجالًا يتحدّثون في الشمس والقمر، فقال: وما كانوا يتحدّثون؟ فقال: زعموا أن الشمس والقمر يجاء بهما يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران، فيُقذفان في جهنّم، فقال علي وابن عباس وحذيفة: كذبوا، الله أجلّ وأكرم من أن يعذِّب على طاعته، ألم تر إلى قول الله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: في طاعة الله، فقال حذيفة: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ سئل عن ذلك فقال: "إنّ الله لما أبرم خلقه أحكامًا فلم يبق من خلقه غيرُ آدم، خلق شمسين من نور عرشه، فأما الذي كان في سابق علمه أن يطمسها ويحوّلها قمرًا فإنّه خلقها دون الشمس في الضوء، ولو تركهما شمسين كما خلقهما في بدء الأمر لم يُعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل"، إلى أن قال: "فأرسل جبريل، فأَمَرَّ جناحَه علو وجه القمر ثلاث مرات وهو يومئذ شمس، فمحى
_________________
(١) ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ رقم: ٢٩٠).
(٢) كتب المصنف في الحاشية بحذاء هذه الكلمة: (لعله: ابن عبيد)، يريد ﵀: ابن أبي الدنيا.
[ ١ / ٢٢٠ ]
عنه الضوء وبقي النور، فذلك قوله ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، فالسواد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط إنما هو أثر ذلك المحو، - قال: - وخلق الله الشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلاثمائة وستون ملكًا، وخلق القمر مثل ذلك، وكل بالشمس وعجلها ثلاثمائة وستين ملكًا من ملائكة أهل السماء الدنيا، قد تعلّق كل ملك منهم بعُرْوَة من تلك العرى، وللقمر مثل ذلك، وخلق الله لهما مشارق ومغارب في قطري الأرض، وكتفَي السماء ثمانين ومائة عين في المشرق، وثمانين ومائة عين في المغرب، فكل يوم لها مطلع جديد ومغرب جديد، فأطول ما يكون من النهار في الصيف إلى آخرها مطلعًا وآخرها مغربًا، وأقصر ما يكون من النهار في الشتاء، وذلك قول الله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وجمع عدتها بعد فقال: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعَارج: ٤٠] قال: وخلق الله بحرًا بينه وبين السماء مقدار ثلاث فراسخ، وهو قائم بأمر الله في الهواء لا تقطر منه قطرة، والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعة السهم، فتجري الشمس والقمر والنجوم الخمس في البحر، فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع وبعض تلك العيون على عجلتها، ومعها ثلاثمائة وستين ملكًا يجرونها، والبحر والقمر كذلك فإذا أراد الله أن يري العباد آيةً خرّب الشمس عن عجلتها فتقع في غير ذلك البحر، إلى أن قال: فإذا غربت ارتفعت في سرعة طيران الملائكة إلى السماء السابعة، فتسجد تحت العرش بمقدار الليل، ثم تؤمر بالطلوع من المشرق، فتطلع من العين التي وقّت الله لها، وقد وكّل الله بالليل ملكًا، وخلق الله حجبًا من ظلمة، فإذا غربت الشمس أقبل ذلك الملك فقبض قبضة من ظلم ذلك الحجاب، ثم استقبل المغرب، فلا يزال يراعي الشفق ويرسل تلك الظلمة من خلال أصابعه قليلًا قليلًا، حتى إذا غاب الشفق أرسل تلك الظلمة كلها، ثم نشر جناحيه، فيبلغان قطري الأرض وكتفي السماء، ثم يسوق
[ ١ / ٢٢١ ]
ظلمة الليل بجناحه إلى المغرب قليلًا قليلًا حتى إذا بلغ الفجر انفجر الصبح من المشرق، ثم ضم الظلمة بعضها إلى بعض، ثم قضى عليها بكف واحدة، فلا تزال الشمس والقمر كذلك، حتى يأتي الوقت اليوم الذي ضرب لنوم العباد".
وفيه قصّةُ طلوعها من مغربها، وقيامُ الساعة، وموتُ الملائكة.
وهو حديثٌ طويل منكر، لا يثبت بمثل إسناده شيءٌ.
ورواه ابنُ جرير في أوائل تاريخه (^١)، عن محمد بن أبي منصور الأملي عن خلف بن واصل عن أبي نُعَيْم - هو: عمر بن صُبَيْح -.
وروي عن علي بن الحسين الخوّاص، عن عبد العزيز بن النعمان، عن عبد الله ابن ضرار، عن أبيه، عن مقاتل بن حيّان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس مرفوعًا.
رواه عن الخوّاص: عبد الله بن أبي سفيان الموصلي الشعراني.
وموتُ الملائكة قد جاء في حديث الصور، وفي حديث لَقِيط بن عامر الذي رواه ابن خُزَيْمَة (^٢): "ثم تُبعَثُ الصَّيْحَة، فلعمرو إلهك ما تدَع على ظهرها شيءٌ إلّا مات، والملائكة الذين مع ربك، فخلت الأرض".
٣٧٧ - وفي كتاب الإكليل لأبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهَمْداني (^٣): وقال أُمَيَّة: إنّ الشمس لا تطلع حتى تجلد، وإنّ القمر في الكسوف يدخل في الساهور وهو عميد عنده يدخل فيه، وذلك من حكايات اليهود وقولهم.
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٦).
(٢) في التوحيد (رقم: ٢٧١). وأخرجه الحاكم (٤/ ٥٦٠ - ٥٦٤)، وفيه مجاهيل.
(٣) توفي سنه ٣٣٤ هـ. وكتابه "الإكليل" طبعت منه أجزاء، ولم يعثر عليه كاملًا. منظر: الأعلام (٢/ ١٧٩).
[ ١ / ٢٢٢ ]
٣٧٨ - قال محمد بن زكريا بن يحيى الرازي في كتاب سمع الكِيان (^١) وهو القول في أصول الأفعال والانفعالات المتولدة عن تلاقي الاستقساب والأجسام الطبيعية التي هي النار والهواء والماء والأرض، وسائر الأجسام المركبة منها كالحيوان والنبات والمعادن، وعن الأجرام السماوية، فإنّ هذه أجسام طبيعية، قال: وإن كانت طبيعةً خامسة، على أنّه لا اتفاق بين الفلاسفة الطبيعيين في أنّ الفلك طبيعةٌ خامسة، بل قد قال أجلّهم وأشرفهم أعني أفلاطن إنّه ناري أرضي، وليس أيضًا الكلام الذي جاء به أرسطاليس ومن سلك طريقه ليبيّن أن الفَلك طبيعة خامسة متخلّص من الشكوك، لكن مملوء شكًّا، وذلك أنه لا يصحّ من مخالفة حركة الفلك بحركات العناصر الأربعة أنّ الفلك عنصر مخالف لها دون أنْ يصحّ أن الفلك ليس بمحمول على هذه الحركة بل تحرُّكه بذاته ومن ذاته أمر أجلّ، أما لو وجدنا دولابًا من خشب لا يُرى مدبره لتواريه عنا لوجدنا الخشب يتحرّك بخلاف حركته الطبيعية، ولم يكن لنا أن نحكم من هذا الموضع فقط أن فلك الحركة للخشب طبيعية، فغير مأمون أن تكون حركة الفلك بالحمل والقسر، وإن كنا لا نشهد هذا الحامل القاسر، وأيضًا فقد نجد الأجسام المتحركة على استقامة تتحرك على استدارة لعارض داخل على طباعها، كالماء في حال غليانه، والذهب في حال ذوبانه، فتبيّن إذًا أنّه لا سبيل إلى الحكم بأنّ جوهر الفلك مخالف لجوهر الاسطقساب من مخالفته لحركتها، إلّا أنْ يصحّ عندنا أن هذه الحركة من ذاته وجوهره وليس بمحمول عليها بتة".
٣٧٩ - قال كوشيار بن لبان بن باشهري الجيلي (^٢): السماء هي الجسم المتحرِّك المحرِّك لجميع الكواكب من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلة
_________________
(١) انظر فى وصفه: عيون الأنباء في طبقات الأطباء (ص ٣٨٦).
(٢) مهندس فلكي، توفي سنة ٣٥٠ هـ، له بعض الكتب المخطوطة في علم الفلك، منها: المدخل إلى أحكام النجوم، ومجمل الأصول، وغيرها. الأعلام (٥/ ٢٣٦).
[ ١ / ٢٢٣ ]
دورة واحدة، وهذا الجسم كُرَيّ، وحركته دورته، ومركزه مركز العالم، ونهايته نهاية العالم، والأرض في وسطه، وهي أيضًا كُرَيّة، وليس لها عند نهاية السماء قدر محسوس.
ثم استدلّ على ذلك وقال: أصغر كوكب في السماء الذي يُرى كالنقطة هو أضعاف الأرض، فكيف حال الأرض لو رؤيت من ذلك البعد.
قال: فإذا ضربتَ حصّة الدرجة الواحدة في ثلاثمائة وستين حصلت استدارة الأرض على خطّ واحد أربعة وعشرين ألف ميل، وقطرها سبعة آلاف وستمائة وستة وثلاثون ميلًا.
وقال: وإذا ضُرب القطر في الدور حصلت مساحة بسيط الأرض مائة وثلاثة وثمانين ألف ألف وثلاثمائة وستة وعشرين ألفًا وأربعمائة ميل، والميل ثلاثة آلاف ذراع، والذراع ستة وثلاثون أصبعًا، والأصبع ست شعيرات مصفوفة بطون بعضها إلى بعض، والفَرْسَخ اثنا عشر ألف ذراع، والدرجة ستة وستون ميلًا وثلثا ميل.
٣٨٠ - قال ابن الهَيْثَم (^١): والساعة خمسة عشر درجة.
٣٨١ - وقال غيره: الشمس تقطع السماء في سنة، وتقيم في كل برج شهرًا، وفي كل منزل من المنازل ثلاثة عشر يومًا ما خلا الجهة فإنها تقيم فيها أربعة عشر يومًا، والقمر يقطع السماء في شهر، ويقيم في كل برج ليلتان وثلثا ليلة، وفي كل منزل ليلة، وفلك البروج له دورة كل يوم وليلة.
٣٨٢ - قال ابن قُتَيْبَة. وقد سمعتُ من يذكر أنّ للأفلاك أطواقًا (^٢)، واستدارة سطحها موازنة لاستدارة السماء، تجري فيها النجوم والشمس
_________________
(١) أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم، الملقب بطليموس الثاني، مهندس من أهل البصرة، له تصانيف كثيرة في الهندسة. الأعلام (٦/ ٨٣ - ٨٤).
(٢) في الأصل: أطواق.
[ ١ / ٢٢٤ ]
والقمر فوقها، ولستُ أدري ماذا، ولا وجدتُ عليه شاهدًا من الكتاب ولا من الحديث، ولا من قول العرب، والله أعلم. حكاه عن ابن قُتَيْبَة: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللَّخْمي الجُهَني النحوي (^١) في شرح قصيدة أبي علي بن الهيثم (^٢).
٣٨٣ - وذكر ابنُ الهَيْثَم في رسالته في بيان أنّ المَرْئِيَّ من السماء أكثر من نصفها: أنّ المهندسين اختلفوا في مقدار محيط أعظم الدوائر المرسومة على كرة الأرض، وأكثر ما قالوا فيه: إنّه اثنان وعشرون ألف ميل، والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد. وعلى ما ذكره ابنُ الهَيْثَم يكون قطرُها سبعة آلاف ميل بالميل الذي ذكره هو.
٣٨٤ - وقال غيره: الأرض ليست بذات قدر محسوس عند فلك المَرِّيخ وما وراءه من الأفلاك، بل هي كالنقطة، وأما عند فلك القمر فلها قدر محسوس. وقال: الناظرُ في النَّيْرَب والكواكب يجدها بأسرها متحرّكة بالحركة اليومية، يطلع ما يطلع منها من المشرق ويسير إلى المغرب ويخفي فيه، وبعد خفائه مدّة يعود المشرق ثانيًا ويطلع كما طلع أولًا وهكذا دائمًا ويتحرّك ما لا يطلع الحركة من الأولى باختلاف المنطقيين والأقطاب، وذلك لأنّ الإحساس بحركتين مختلفتين في كرة واحدة على منطقة وقطبين بإعيائها ممتنع، بل إنما يحس فيها بحركة واحدة هي مركّبة من مجموعهما إن كانتا إلى جهة، وحاصله من قبيل أسرعهما على إبطائهما كانتا إلى
_________________
(١) توفي سنة ٥٧٧ هـ، له: شرح الفصيح لثعلب، المدخل إلى تقويم اللسان، وغيرها. بغية الوعاة (١/ ٤٨ - ٤٩)، الأعلام (٥/ ٣١٨).
(٢) شرح قصيدة ابن الهيثم في النجوم (ق ٢٤/ أ - ب - نسخة دار الكتب المصرية ١٠٥١ ميقات).
[ ١ / ٢٢٥ ]
جهتين، وكذلك الحكم فيما زاد على ذلك، وهاتان الحركتان متشابهتان في أنفسهما، شاملتان لجميع ما يختص به علوا من الكواكب والأجرام، ثم إنّه نجد النيِّرين والخمسة من الكواكب ذوي حركات مختلفة غير متشابهة، لا في أنفسها، ولا يقاس بعضها إلى بعض، فلذلك أثبت أهلُ العلم تسعة أفلاك في بادئ قولهم، اثنين منها للحركتين المذكورتين، وسبعة للسيّارات السبعة. ولما لم يكن لباقي الكواكب حركةٌ غيرُ الأولتين، اكتفوا بإحدى فلكيهما مكانًا لها، وإن كان كونها على أفلاك شتى جائزًا. وأيضا، إسناد إحدى الأوليين إلى المجموع لا إلى فلك خاص به لم يكن ممتنعًا، لكنهم لم يذهبوا إلى ذلك، فجعلوا أعلى الأفلاك للحركة الأظهر، على أنّه غير مكوكب، وسمّوه فلك البروج وفلك الثوابت، وسمّوا كواكبَه ثوابتًا إما لقلّة حركاتها الثابتة، أو لثبات أوضاعها أبدًا، والسبعة الباقية للسيّارات السبعة على ترتيب خسف بعضها بعضًا، اقصاها لزُحَل، وما يليه للمشتري، ثم للمرِّيخ، والأدنى للقمر، والذي فوقه لعُطارِد، ثم للزُّهْرة، وجعلوا الشمس في الفلك الأوسط بين هذه وتلك، وإن لم تنكسف إلا بالقمر؛ استحسانًا لما في ذلك من حسن الترتيب وجودة النظام، إذ النسبة مربوطة، منها العلويّة بوجه، والسفليّان بوجه، والقمر بوجه آخر غيرهما، وكان أيضًا بُعدُها معلومًا (^١) من الأرض مناسبًا لهذا الوضع.
وقد قيل: إنّ الزُّهْرة رؤيت في بُعدها الأبعد والأقرب، كاشفة إياها كحالة في صفحتها، ويجب أن ينقسم كل واحد من الأفلاك السبعة إلى أفلاك تتألّف حركة كوكبة المركّب منها بمطابقة لما يوجد، فهذه السبعة هي التي لم يجوِّزوا أن يكون أقلَّ منها، وأما في جانب الكثرة فلا قطع.
وبفلك القمر تتناهى الفلكيّات، وتكون ما دونه العنصريّات، وهي أيضًا طبقات: طبقة النار الصرف، ثم طبقة لما يمتزج من النار والهواء الحار التي
_________________
(١) في الأصل: معلوم.
[ ١ / ٢٢٦ ]
تتلاشى فيه الأدخنة المرتفعة من السفل، تتكون فيها الكواكبُ ذوات الأذناب والنيازِك وما يشبهها، وربما توجد متحرِّكةً بحركة الفلك تشييعًا له، ثم طبقة الهواء الغالب التي تحدث فيها الشهب، ثم طبقة الزمهرير التي هي منشأ السحب والرعد والبرق والصواعق، ثم طبقة الهواء الكثيف المجاور للأرض وللماء، ثم طبقة الماء، وبعض هذه الطبقة منكشفة عن الأرض، ثم طبقة الأرض المخالطة لغيرها التي تتولّد فيها الجبال والمعادن وكثير من النباتات والحيوانات، ثم طبقة الأرض الصرفة المحيطة بالمركز.
قلتُ: في بعض ما ذكره هؤلاء نزاعٌ، وقد ذكر ذلك القاضي أبو بكر بن الطيّب (^١) في كتاب الدقائق.
وذكر قومٌ أنّ الأفلاك أطواقٌ تجري فيها النجوم والشمس والقمر والسماء فوقها، كما تقدّم حكايةُ ابن قُتَيْبَة فيه.
٣٨٥ - وفي كتاب جوامع علم النجوم لأحمد بن محمد بن كثير الفَرْغاني الحاسب (^٢): دور الفلك الأعظم أربعمائة ألف ألف ميل وعشرة ألف ألف وثمانمائة وثمانية عشر ألفا وخمسة وسبعون ميلًا، كل درجة من الفلك الأعظم ألف ألف ميل ومائة ألف وأحد وأربعين ألفا ومائة وستون ميلًا.
٣٨٦ - قال أبو الحَكَم عبد السلام بن عبد الرحمن بن بَرَّجان في تفسيره (^٣) في سورة "الأنعام": ذكر الذين تعاطَوْا معرفةَ أجرام الكواكب وأبعاد الأفلاك، فزعموا أنّ الشمس هي أكبر من الأرض بمائة وثمانين ضعفا، ومنهم من زاد على ذلك إلى ثلثمائة ضعف، وكذلك قالوا في القمر وسائر
_________________
(١) هو: القاضي محمد بن الطيب الباقلاني، البغدادي، توفي سنة (٤٠٣ هـ). السير (١٧/ ١٩٠ - ١٩٣).
(٢) جوامع علم النجوم (ص ٨٢ - طبعة أمستردام).
(٣) تفسير ابن برّجان (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ١ / ٢٢٧ ]
الكواكب بالزيادة على الأرض، وفاضلوا بين ذلك، فإن كان المعنى منهم بموضع المضاعفة طريق الشمس في فلكها من مشرقها إلى مغربها، ثم بمصعدها في أعلى مسالكها في ذلك، ومنازلها إلى أدنى ذلك في المشارق والمغارب، فربما قالوا أو ظن بهم ذلك، وإن كان غير مدرك لبشر من غير توقيف نبوّة ولا إعلامٍ بوحي من عند الله، وإن كان المعنى بذلك قرص الشمس فالمشاهدة تبطل ذلك، وإنما أوقعهم في هذا التهافت ما رأوْه من أمر الله المجعول فيها وبها، وذلك أنّ الله جعلها شخصا محاطًا به، محصورا له مقدَّم ومؤخَّر وجنبات رفعه الله ﷿ في لوح الجوّ، وأجراها في الفلك الرابع الذي هو أول أفلاكه فلك القمر، دع عنك ما دون ذلك من فلك الرياح وفلكي الليل والنهار وفلك المياه، وهي جسم نيِّر سراجي عمّ ضياؤه ما سمّي نهارًا، فكان ذلك سبب شهرتها واضطرار الأبصار إلى رؤيتها، دون تضامٍّ من أحد إلى أحد ولا تضارِّ. إلى أن قال: ولو كان ما ذكروه من عظيم جرمها وتضعيف ذلك على جرم الأرض على ما زعموه لكانت الأرض في ضمّها كالنقطة، والمعهود المُتَعارَف أنّ ظلال الأشخاص تعظم مع القرب وتستدقّ على البعد، وفي مثل بعد ما بين الأرض وما بينها يوجد ذلك، وذلك كلّه دليل على قصورها ونقصها عن العظم الذي وصفوها به.
٣٨٧ - وقال في تفسير سورة "هود" (^١): جاء عن رسول الله ﷺ أنّه سئل: أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خَلْقَه؟ قال: "في عماءٍ، ما تحته هواء، وما فوقه هواء"، فأعلَمَ صلوات الله عليه بحديثه هذا أنّ العماء للعرش بمنزلة العرش للماء، ويأتي من مفهوم هذا أنّ الله تعالى خلق الماء من الهواء، وكذلك فتق بالهواء ممّا شاء ممّا هو [دون] (^٢) العرش، وفتق الماء
_________________
(١) تفسير ابن برّجان (٣/ ١٣).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من قلم المصنّف، وقد استدركتُه من التفسير.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ثم أوجد في ذلك الفتق ما شاء من خليقته، آيةُ ذلك في الشاهد خلقُه الماءَ في الهواء بواسطة الرياح المرسلة بأمره الدالة على الروح منه. إلى أن قال: أفلا يرون أنّ الله يخلق الماءَ من الهواء، ثم يصيّر الماء إلى الهواء، ثم يعيدُه إلى الماء إذا شاء.
٣٨٨ - وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] (^١): هنّ السموات الدنيا اللاتي دون السموات العلا، التي جعل القمر فيهنّ نورًا والشمس سراجًا.
٣٨٩ - قال أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف في رسالته في المدّ والجَزْر: فأما جسم القمر فقريبٌ من جزء من أربعين من الأرض، فأما الشمس فمثل الأرض مائةً وستة وستين مرّةً وثلاثة أثمان، فأما زُحَل فأقلّ من تسعين مرّةً. قال: وأما زُحَل فإنّه أسرعُها حركةً، إلّا أنّ بُعده من الأرض في بُعده الأبعد على ما أتى به علمُ المساحة، مثل نصف قطر الأرض عشرين ألف مرّةً، فأما القمر فإذا كان في بُعده الأبعد كان بُعده من الأرض مثل نصف قطرها ستّةً وستين مرّةً ودقائق، فأما الشمس فإذا كانت في بُعدها الأبعد كان بُعدها من الأرض مثل نصف قطر الأرض ألف مرّةً ومائتي مرّةٍ وعشر مرارٍ.
٣٩٠ - قال الحسن بن الحسن بن الهَيْثَم في رسالته في الهَيْئَة: فلك زُحَل سطحُه الأعلى مماسٌّ كرةَ الكواكب الثابتة وسطحه الأدنى مماسٌّ كرةَ المشتري، وكذلك المشتري سطحُه الأعلى مماسٌّ فلك زُحَل، وسطحُه الأدنى مماسٌّ فلك المرِّيخ، وكذلك فلك المرِّيخ سطحُه الأعلى مماسٌّ فلك المشتري، وسطحُه الأدنى مماسٌّ فلك الشمس.
_________________
(١) تفسير ابن برّجان (٤/ ٨٨).
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقال: إنّ فلك الكواكب الثابتة السطح الأعلى من كرته مباشرٌ للفلك الأعظم المحيط بجميع الأفلاك المتحرك الحركة السريعة، والسطح الأدنى منها مباشر لفلك زُحَل، وهذا الفلك يتحرك من جهة المغرب إلى جهة المشرق.
وقال: الفلك الأعلى المحيط بجميع الموجودات محيطٌ بكرة الكواكب الثابتة مماسٌّ لها، وهو يتحرك من المشرق إلى المغرب، ويحرك بحركته جميع أفلاك الكواكب.
وقال: إنّ فلك الشمس محيطان السطح الأعلى من كرته محدَّبٌ مماسٌّ لقعر فلك المرِّيخ، والسطح الأدنى مقعَّرٌ مماسٌّ لمُحدَّب فلك الزهرة.
وقال في سطحَيْ القمر: الأعلى منهما مماسٌّ لمقعَّر فلك عُطارَد، والأدنى منهما مماسٌّ لكرة النار.
وقال في سطحَيْ فلك عُطارَد المتوازيين: الأعلى منهما مماسٌّ لمقعَّر فلك الزهرة، والأدنى مماسٌّ لمحدَّب فلك القمر.
وفي سطحَيْ فلك الزهرة: يماسُّ الأعلى فلك الشمس، ويحيط الأدنى بفلك عُطارَد.
٣٩١ - قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد المعروف بابن أبي الأَشْعَث - وهو جهميّ متفلسف - في مقالته في العلم الإلهي: وقد وضح البرهان عن أرسطاطاليس في المقالة الثامنة من كتابه في السماع الطبيعي، أنّ شيئًا متساوية الأجزاء لا يمكن أن يحرك نفسه، وقد بينّا نحن أيضًا هذا في المقالة الأولى، وقد رجع القول إلى أنّ محرِّكُه غيرُه، وما مُحرِّكُه غيرُه فمُحدَث. قال: وقد قال أرسطاطاليس إنّ كلّ جسم بالفعل فهو متناهٍ، ومحالٌ أن يكون جسمٌ متناهي غيرَ متناهي القوّة، والفلك جسمٌ متناهي فهو متناهي القوّة.
[ ١ / ٢٣٠ ]
٣٩٢ - قال محمد بن زكريا الرازي: وقد صحّ أنّه لا يمكن حدوثُ جسمٍ لا من شيء، والأجسام تنحل جميعًا، وتتركّب من شيء واحد في جوهره، لكن إفادة البرهان على هذين المعنيين من علم ما بعد الطبيعة. وقال: على أنّه لم يصحّ أنّ الفلك سببُ الحياة في المتكوّنات، بل سببُ النموّ بإثارته الحرارة في عالم الأرض والماء. وقال: اختلفت الفلاسفةُ في الأرض الأصليّة: الطين هي، أم الحجر؟ فقال بعضُهم: إنّ جملة الأرض كانت حجرًا ثم تولّد الطينُ في سطوحها على الدهر، وقال بعضُهم: بل الحجر متولِّد والطين هي الأرض. قال: وقد أثبتنا أنّ داخل الفلك خلاء ما ببرهان فضلا عن خارجه، فالقول الصحيح إذًا أنّ خارج الفلك خلاء؛ إذ ليس يمكن أن يتناهى الجسمُ إلى شيء أو يكون لا في مكان، وكذلك الفلك المطلق الحقيقي إنّما هو الخلاء على ما بيّنّاه. وقال: اختلف الفلاسفةُ الطبيعيّون هل الفلك حيوان أم لا. قال: وزعم أرسطو أنّ له حاسّة السمع والبصر دون سائر الحواسّ لاستغنائه به عنها.
٣٩٣ - قال القاضي أبو محمد بن الطيّب الباقِلّاني في كتاب دقائق الكلام: باب الردّ عليهم في قولهم إنّ أقرب الأفلاك إلينا القمر وهو أدناها منّا، وأجمع الكلّ منهم على ذلك، فيقال لهم: لمَ قلتُم هذا؟ وما دليلُكم عليه؟ فإن قالوا: لأنّنا شاهدناه يكسف الكواكبَ كلَّها، فوجب أنّه تحتها وهي فوقه، فيقال لهم: متى رأينا ما تدّعون من ذلك، ومتى وجدنا القمر قطّ يكسف الشمس وعُطارَدًا، وكذلك ما رأينا الزهرةَ قطّ كسفت عُطارَدًا، ولا عُطارَدًا كسف الزُّهرة ولا زُحَلًا.
قال: وقد اختلف أصحابُ الفلك في أعلى الأفلاك، فقال قومٌ منهم - وهم الجمهور -: إنّها سبعةٌ وإنّ أعلاها الفلك السابع وهو فلك الكواكب
[ ١ / ٢٣١ ]
الثابتة وإنّه لا فلك وراءه، وقال آخرون منهم: بل هناك فلك ثامن فوق الفلك السابع يحرِّك الكواكبَ كلَّها حركةً شرقيّة. وذكر علَّتَهم ومنعهم صحّتَها.
وقال: وقال أكثرُهم: إنّ هذا الكون اللازوردي الذي يُرى للسماء هو لونُ السماء، وقال آخرون منهم ومن الصابئة والمسلمين: هو لونٌ معترضٌ بيننا وبين الفلك، وكذلك قالوا فيما يُرى من لون الكواكب والشمس والقمر، وقال آخرون منهم: إنّ لون الفلك البياض، وإنّما يُرى لازورديّ لوقوع شعاع الشمس عليه، وهو إلى الزرقة قسمين كذلك.
وقال - فيما زعم بعضُهم -: إنّ ضوء جميع النجوم من الشمس لا من ذواتها، كما أنّ ضوء القمر من قِبَل الشمس لا من ذاته. قال: وهذا أيضًا من أمحل المحال وأظهر الأمور فسادًا. قال: وبيّنا أنّ ضوء القمر ليس من الشمس، وأنّ ذلك لا دليل عليه، وأنّ الدليل يوجب خلاف ما قالوه.
قال: وفي حُذّاق الأوائل من الفلاسفة من يقول إنّ الكواكب لا ألوان ولا شعاع لشيء منها، وإنّه لا يقبل اللون ولا الشعاع إلّا الأجسام الطبيعيّة المركّبة، والأفلاك ممّا فوق الطبيعة.
وذكر قولَ الذين يقولون إنّ الفلك يسير من المشرق إلى المغرب، وإنّ الكوكب تسير من المغرب إلى المشرق، قال: وهذا خلاف العيان؛ لأنّنا نرى النجوم كلَّها سائرة من المشرق إلى المغرب، فلو كان الأمر كما ذكروا من أنّ النجوم نسير من المشرق إلى المغرب لوجب أن تكون الشمس والقمر وأكثر هذه النجوم لا تظهر لنا إلّا في كلّ حين ودهر من الدهور الطويلة.
وحكى قولَ من زعم من الفلاسفة أنّ الأرض هي المتحرّكة والفلك هو الساكن، وقولَ بعضهم إنّ القمر إنّما يؤثر في ضيائه وصفائه غارات الأرض إذا دنى منها، قال: ويقال لهم: قد قال الكريمُ إنّ ضياء القمر ليس من الطبيعة وذاته، ولكنّه من مقابلة الشمس واتّصال شعاعها بجوهره، فيجب
[ ١ / ٢٣٢ ]
كذلك أن تكون الشمسُ فاعلةً للقمر ومدبِّرةً له، وهذا جهل عليهم. قال: ويقال له: بقي عليك إفسادَ ما نقوله نحن والمسلمون وأهلُ كلّ ملّة من أنّ حركات الأفلاك ليست بنفسيّة ولا طبيعيّة، بل هي من قِبَل غيره الذي هو محرِّكٌ له حركةً دائمةً سرمديَّةً، إلى حيث يشاء تسكينَه، فدُلَّ على فساده إن كنت قادرًا على ذلك.
٣٩٤ - قال الفخر الرازي في الملخّص (^١): بل يجوز أن يكون فوق الفلك التاسع المتحرّك بالحركة اليوميّة من الأفلاك ما لا يعلم عددَها إلّا الله تعالى، بل يحتمل أن يكون هذا الفلك التاسع بما فيه من الكرات مركوزًا في ثخن كرة أخرى عظيمة، ويكون في ثخن تلك الكرة ألف ألف مثل هذه الكرة، وليس ذلك بمُستبعَد، فإنّ تدوير المرِّيخ أعظم من ممثّل الشمس، فإذا عُقل ذلك فأيّ بأس بأن يُفرض مثلُه فيما هو أعظم منه.
* * *