٤٣٦ - عن الأَعْمَش، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث المدينة، وهو متوكّئًا على عسيب معه، فمرّ نفرٌ من اليهود، فقال بعضُهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضُهم: لا تسألوه لا يجيء فيه شيءٌ تكرهونه، فقال بعضُهم: لنسألنّه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم! ما الروح؟ فسكت، فعلمتُ أنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قال الأَعْمَش: هكذا في قراءتنا. رواه البخاري ومسلم (^١).
٤٣٧ - قال ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات (^٢): حدثني سُرَيْج بن يونس، ثنا عَبيدة بن حُمَيْد، أخبرني عمّار، عن سالم بن أبي الجَعْد قال: قال حُذَيْفَة: "الروح بِيَد ملَك وإنّ الجسد ليُغْسَل، وإنّ ذلك الملَك لَيمشي معه إلى القبر، فإذا سوّي عليه سلك فيه، فذلك حين يخاطَب".
_________________
(١) البخاري في كتاب العلم (رقم: ١٢٥) وتفسير الإسراء (رقم: ٤٧٢١) والاعتصام (رقم: ٧٢٩٧) والتوحيد في موضعين (رقم: ٧٤٥٦، ٧٤٦٢)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين (رقم: ٢٧٩٤).
(٢) المنامات (رقم: ٧).
[ ١ / ٢٥١ ]
٤٣٨ - قال أبو محمد بن حزم في كتاب الدرّة (^١): "والروح والنفس شيءٌ واحد، قال رسول الله ﷺ ليلةَ ناموا عن صلاة الصبح: (إنّ أرواحنا كانت بيد الله فردَّها إذْ شاء)، أو كما قال ﵇، وقال له بلال في ذلك الحين: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله) فلم ينكر ذلك عليه النبي ﵇". الأقوال التي حُكيت للناس في الروح حُكيت لهم في النفس. وقال بعضُ الناس: الألفاظ ثلاثة: النفس، والروح، والحياة، ومعنى الروح أنّه الحياة، وإليه ذهب أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم القلانسي وطائفة من المعتزلة.
٤٣٩ - وقال أبو محمد البغوي (^٢) في الروح المركّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان: "تكلّم فيه قومٌ، فقال بعضهم: هو الدم، ألا ترى أنّ الحيوان إذا مات لا يموت منه إلّا الدم، وقال قومٌ: هو نَفَس الحيوان، بدليل أنّه يموت باحتباس النفَس، وقال قومٌ: هو عرض، وقال قومٌ: هو جسم لطيف، وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النورُ والطيبُ والعلوُّ والعلمُ والبقاءُ، ألا ترى أنّه إذا كان موجودًا يكون الإنسانُ موصوفًا بجميع هذه الصفات إذا خرج ذهب الكلُّ، وأولى الأقاويل أن يوكّل علمه إلى الله ﷿، وهو قولُ أهل السنة، قال عبد الله بن بُرَيْدَة: إنّ الله لم يُطْلِع على الروح ملَكًا مقرّبًا ولا نبيًّا مرسلًا".
٤٤٠ - وقال أبو الحسن الآمدي علي بن الحسن (^٣): "وقد اختلف
_________________
(١) الدرة فيما يجب اعتقاده (ص ٢١٧ - ٢١٨).
(٢) معالم التنزيل (٥/ ١٢٦).
(٣) انظر: أبكار الأفكار (٤/ ٢٧٤ - فما بعدها)، مع اختلاف فيه.
[ ١ / ٢٥٢ ]
الأولون في أمر النفس الإنسانية، فقال قومٌ: إنها عرَض، لكن منهم من قال إنّها من جملة القوى الفعّالة ومنهم من قال إنّها مزاج، وقال قومٌ: إنها جسم، ثمّ منهم من قال إنّها جسم عبقري، ومنهم من قال إنّها الروح، ومنهم من قال إنّها الدم، والذي ذهب إليه المحقِّقون منهم: أنّه جوهر بسيط مجرّد عن المادة، دون علائق المادة، ويدل عليه أن كل عاقل يجد من نفسه أنه يعمل شيئًا ما، فإن كان بسيطًا لا تركيب فيه فهو المطلوب، وإن كان مركّبًا ففيه البسيط، والبسيط غير متحرى، فالمُدرَكُ إمّا أن يكون بسيطًا أو مركّبًا لا جائز أن يكون مركّبًا، وإلّا فالمُدرَك منه إما البعض أو الكل، فإنّ المدرَك البعض دون الكل، فإن كان مركّبًا عاد التقسيمُ وتسلسل، وإن كان بسيطا فهو النفس والباقي خارجٌ عنها، وإن كان المُدرِكُ هو الأجزاء فإمّا أن يكون كل جزء أدرك ما أدركه الآخر أو غيره، فإن كان الأول لزم حصولُ العلم بالشيء الواحد مرارًا، وهو خلاف ما نجده من أنفسنا، وإن كان الثاني فقد لزم التحري فيما لا يُتحرَّى وذلك محال، فلم يبق إلّا أن يكون المدرك للبسائط بسيطًا لا تركيب فيه، وإلّا لزم التحري فيما لا يُتحرّى له أو عُدم التحري في المتحرَّى وهو محال، وذلك هو المعنى بالنفس الناطقة".
قلت: هذه الحجة التي ذكرها هو وغيره على أنّ النفس ليست بجسم، قد نقضها عليهم شيخُنا أبو العبّاس وبيّن فسادَها بكلام مفصّل مبسوط ليس هذا موضع حكايته.
فمنه (^١): أنّ قولهم (العلم بما لا ينقسم لا ينقسم) كلام لا حقيقة له؛ إذ حاصله: أن العلم بما لا اختيار فيه لا اختيار فيه، وما لا اختيار فيه لا يُعلم، بل لا يوجد، فلا يُتصوّر أن يقوم عليه محلّ أصلًا، وإنما مدار حججهم على إثبات موجود لا امتياز فيه، كما أثبتوا جزاءً لا ينقسم أو يقبل
_________________
(١) لم أجد هذه النقول في مصنفات شيخ الإسلام المطبوعة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
الانقسام إلى غير نهاية، فما ادّعَوْه من الجزء والانقسام المحصور الذي هو فصل بعضه عن بعض كما نفوه من الانقسام الذي يُعنى به إمكان تعلّق العلم والإدراك ببعضه دون بعض، فلا ذلك المثبت له تلك القسمة له وجود، ولا هذا المنفي عنه هذه القسمة له وجود، بل كل موجود ثبتت له هذه المباينة والقيام بالنفس الذي سمّوه انقسامًا، وليس في الموجودات ما يفضل بعضه عن بعض، حتى ينتهي إلى جزئهم أو ينقسم دائمًا. وأما ما ذكروه من أنّ النفس يقوم بها العلمُ بالأمور الكلّية، كالإنسانية والجسمية التي لا توجد إلّا في الأذهان، والكلي المجرّد عن جميع الأمور المشخصة، فلو كان مخلد جسمًا لكان له مقدار معيّن، فيقال لهم: إن كانت هذه الحجّة صحيحة فيلزم أن تكون النفس أمرًا كلّيًا لا يتعيّن ولا يتميّز عن غيره، ولا له وجود خارجي يتخصّص به، وهذا في الحقيقة قولٌ بعدم النفس وتعطيلٌ لها، لأنّ كلّ موجود فلابدّ له من تعيين يتخصّص به في الخارج، فحججهم هذه توجب عدم النفس من حيث ظنوا تجريدَها، كما أنّ احتجاجهم على تنزيه الباري يوجب تعطيلَه، حيث يجعلونه الوجودَ المطلقَ الذي لا يتعيّن، وذلك يمتنع وجودُه في الخارج، وذلك لأنهم إذا قالوا: النفس تقوم بها أمورٌ كلّية، وجعلوا المحلّ كالحالّ في ذلك، لزم أن تكون النفس كلّية، وإن لم يجعلوا المحلّ كالحالّ تُطلب الحجة.
٤٤١ - قال أبو محمد بن حزم (^١) في من قال: إنّ الروح عرَض لا يبقى وقتين بل يفنى ويضمحل، وإنّ النفس ليست شيئًا غير الهواء الداخل والخارج بالتنفس: "ما قال هذا القولَ أحدٌ ممن ينتمي إلى الإسلام إلّا أبو الهُذَيْل العَلّاف المعتزلي، وهي أحد شنعه المُخرجة له عن الإسلام، ثم اتبعه على ذلك الطائفة المنتمية إلى الأشعرية".
_________________
(١) الدرة (ص ٢٠٤ - ٢٠٥).
[ ١ / ٢٥٤ ]
٤٤٢ - أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المزّي، أبنا ابن البخاري، أبنا الكِنْدي، أبنا أبو القاسم بن يوسف، أبنا أبو الحسين بن المهتدي بالله، أبنا محمد بن بكران، ثنا محمد بن مَخْلَد، حدثني إبراهيم - هو: ابن هانئ النيسابوري -، ثنا عفّان، ثنا وُهَيْب، ثنا سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" (^١). رواه مسلم (^٢)، لعبد العزيز الدَّراوَرْدي عن سُهَيْل.
٤٤٣ - قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسرّة القرطبي في رسالته إلى موسى بن جُدَيْر الحاجب: النفس من الروح، وليس الروح من النفس، الروح كالأصل، والنفس كالفرع، فأما في تعارف الكلام وتصاريفه في القرآن والآثار على اتساع المعاني، فقد يقع كل واحد منهما مكانَ صاحبه، وإنما لَفَظَ القرآن بالنفس إذا تحيا أرواح البشر، ولا يذكر الروح إلّا بمعنى الأصل الأعلى الذي منه فصلت الأرواح المطلقة في الدنيا، فأما فصلُ ما بينهما في خلق ابن آدم، فإنّ الروح هي التي لها العقل والسمع والبصر وسائر الحواس الخمس، وقوله (الروح) يقع عليها وعلى النفس معها، ثم خاصة منفردة هي التي تخدم البدن في التنفّس والحركات الباطنة، كحركة المعدة والكبد والمثانة والأعضاء العاملة في جسم الحيوان، فالنفس هي التي تبقى للنائم عند نومه، تعمل في الرئتين بالنفس وفي سائر أعضاء البدن المسخّرة لصلاح الجسم، والروح هي التي تنقبض عند النوم وتستيقظ فتعقل
_________________
(١) أخرجه أبو الحسين بن المهتدي بالله في مشيخته - الجزء الأول - (ق ١٨١/ ب - مجموع ٧٣)، والرواية من طريقه.
(٢) في كتاب البر والصلة (رقم: ٢٦٣٨).
[ ١ / ٢٥٥ ]
وتسمع وتبصر، ولا يبقى أحدُهما دون صاحبه، ولا يفترقان، وإذا خُلقت الروح عند الموت فالنفس بدنها وحجابها والله أعلم، واعلم رحمك الله أنّ هذا لا يتيسّر إلّا لمن تحمّله فهمُه.
٤٤٤ - قال أبو محمد بن قُتَيْبَة (^١): والعربُ تسمي الدمَ نفسًا لاتّصال النفس به، على حدّ مذهبهم في تسمية الشيء بما اتّصل به أو بمُجاوِرِه، أو كان سببا له، يقولون: نفَست المرأة إذا حاضت، كأنها دميت، وقال أصحاب اللغة: وإنما سمّيت المرأة نفساء لسيلان الدم، وقال إبراهيم: كل شيء ليست له نفس سائلة فإنه لا ينجّس الماء إذا سقط فيه، يريد كل شيء ليس له دم سائل، ويسمّي العرب النفس نسمةً، وأصل النسمة النفس، وروى في بعض الحديث: "تنكّبوا الغبار فإنّه منه تكون النسمة" (^٢)، يُراد منه يكون النفس والربو، وسمّي نَفَسًا لأنه عن النفس يكون، والعرب تقول: مات فلان حتْفَ نفسه وحَتْفَ أنفه، إذا مات على فراشه، لأنه لا يزال يتنفّس حتى يموت فتخرج نفسه نفَسًا من أنفه وفمه.
٤٤٥ - قال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في المطالب العالية (^٣): ثم إنّ العقلاء تحيّروا في معرفة النفس، وأنها هل هي عبارة عن هذا الهيكل المحسوس، أو عن جسم داخل فيه، أو عن عرض قائم به، أو عن جوهر مجرد. وقال: إنّ النفوس البشرية كلها مجبولة في الأصل على محبة الله، عاشقة لكبريائه، وحجابها عن ذلك استغراقُها في العلائق البدنية، والطيبات الجسدانية، فإذا زال عن نفسه هذا الحجاب أو قللها، ارتفع الحجاب
_________________
(١) تفسير غريب القرآن (ص ٢٣).
(٢) أورده الشيخ الألباني في الضعيفة (رقم: ٦) وقال: "لا أعلم له أصلا".
(٣) المطالب العالية في العلم الإلهي (٧/ ٣٥).
[ ١ / ٢٥٦ ]
وظهرت أنوار معرفة الله للمستعدّين لذلك بحسب استعدادهم، وقال أرسطو: من أراد الشروع في هذا الباب فليستحدث لنفسه طبيعة أخرى، ومراده التجرّد عن العلائق المذكورة، فليجتهد الإنسان في تحصيل ذرّة من ذلك، حتى يصير ذلك من أعظم الجواذب إليه والانصراف عما عداه، قال أرسطو: قد كنت أشرب فلا أروي إلى أن شربت من هذا البحر فرويت ريًّا لا ظمأ بعده أبدًا.
٤٤٦ - ذكر صاحب المفصل في شرح المحصّل للرازي (^١): قوله (اختلف أهل العلم في حدوث الأجسام، والوجوه الممكنة فيه لا تزيد على أربعة، الخ)، قال الشارح: الوجوه الممكنة بحسب القسمة العقلية لا تزيد على أربعة أقسام؛ لأنّ الجسم: إما أن يكون محدثَ الذات والصفات معًا، أو قديمَ الذات محدثَ الصفات، أو محدثَ الذات قديمَ الصفات، والقسمُ الأول - وهو أن يكون محدثَ الذات والصفات معًا - فهو قول الجمهور من المسلمين والنصارى واليهود والمجوس، قال: وإنما قال: قول الجمهور من المسلمين والنصارى واليهود، لأن قومًا من المسلمين - كأبي نصر الفارابي، وأبي علي بن سينا، وأبي البغدادي - وشرذمة قليلة من النصارى واليهود خالفوا في ذلك.
قلت (^٢): هؤلاء ليسوا مسلمين ولا كتابيين وإنما هم منافقون.
قال (^٣): وأما القسم الثاني فهو أن يكون قديم الذات والصفات معًا، فهو قول أرسطاطاليس وأصحابه مثل: ثاوفرسطيس، وثامسطويس، وبرقلس، الإسكندر الأفردوسي، وفرفوريوس، ومن المتأخرين الحكماء الإسلاميين: أبي نصر الفارابي، وأبي علي بن سينا، وحكى يحيى النحوي
_________________
(١) المفصل في شرح المحصَّل (ق ٩٩/ أ - نسخة الأحمدية ١٤٠٣٣)، وهو للكاتبي القزويني.
(٢) الكلام للمصنّف ابن المحبّ.
(٣) المفصل (ق ٩٩/ أ - ب).
[ ١ / ٢٥٧ ]
عن برقلس أن أول من قال بهذا القول هو أرسطاطاليس، إذا عرفت هذا فنقول: إنّ هؤلاء زعموا أن السموات قديمة بذواتها وصفاتها المعينة، أعني: الشكل والمقدار وغير ذلك، سوى الحركات والأوضاع فإنها حادثة، إذ كل حركة وكل وضع فهو مسبوق بحركة أخرى ووضع آخر، إلى ما لا نهاية له، فالحركة قديمة بنوعها حادثة بشخصها، وكذلك الوضع قديم بنوعه حادث بشخصه، وقد عرفت معنى الوضع فيما قبل، وأما العناصر، فالهيولى منها قديمة بشخصها، والجسمية - أي الصورة الجسمية منها - قديمة بنوعها.
قال (^١): وأما القسم الثالث، وهو أنّ كون الجسم قديم الذات محدث الصفات فهو قول الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطاطاليس بالزمان، كثاليس، وإيكسماغورس، وفيتاغورس، وسقراط، وقول جميع الثنوية، كالمانوية، والديصانية، والمرتيونية، والماهانية، والحرنانية، وهم الذين قالوا بالقدماء الخمسة، ثم اختلف هؤلاء في الأصل الذي حدث هذا العالم، من السموات والكواكب والعناصر على الوجه الذي الآن عليه، فصاروا لذلك فرقتين: الفرقة الأولى: الذين زعموا أن ذلك الأصل والمادة هو الجسم، والفرقة الثانية: الذين قالوا ذلك الأصل ليس بجسم ولا جسماني، أما الفرقة الأولى فقد اختلفوا في ذلك الجسم هو الأصل، فزعم مالِيس أنّه قابلٌ لكل الصور، وزعم أنه إذا انجمد صار أرضًا، وإذا لطف صار هواءً، ومن صفوة الهواء تكوّنت النار، ومن الدخان الذي خالط ذلك الهواء تكونت السموات، ويقال إنه أخذ ذلك من التوراة لأنه جاء في السفر الأول منه: إن الله خلق جوهر النظر إليه نظر الهيبة فدانت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع منه بخار كالدخان فخلق منه السموات، وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثم أرساها بالجبال فقال تعالى في القرآن ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] أي قصد السماء بها تركيب أجزائها ويشكلها
_________________
(١) المفصل (ق ٩٩/ ب - ١٠٢/ ب)، بتصرف.
[ ١ / ٢٥٨ ]
أشكالها الخاصة، وزعم أنكسيمايس أنه الهواء، وذكر قول من قال إنه النار ومن قال هو الأرض ومن قال هو البخار ومن قال هو الخليط الذي لا نهاية له، وهو أجسام غير متناهية، وفيه من كل نوع أجزاء صغيرة متلاقية، إلى أن قال: وزعمت المنوية أن أصل العالم هو النور والظلمة، قال: الفرقة الثانية، الذين قالوا: إن الأصل الذي منه حصل العالم ليس بجسم، وهم أيضًا فريقان، الفرقة الأولى: الذين قالوا إن الجسم مركب من الصورة والهيولى، وفسّروا الصورة بالحجمية والتحزّر، والهيولى بمحلّ هذه الصورة على ما عرّفناك ذلك قبل، ثم أثبتوا حدوث تلك الحجمية وقدم الهيولى، وهو قول الخراسانيين واختيار محمد بن زكريا الرازي وزعم ابن زكريا أن هذا مذهب جملة الفلاسفة الذين كانوا قبل العلم الأول، إلى أن قال: الفرقة الثانية أصحاب فيتاغورس، وهم الذين قالوا: الباري هي الأعداد المتولدة من الوحدات، اعلم أنه حكى عنه أنه قال: مبادئ الأشياء هي الأعداد المتولدة من الوحدات، وزعم أن الأعداد التي هي فوق العشرة تولدها إنما يكون من العشرات، أو منها ومن أخواتها، وأما العشرة فإنما تتولد من الواحد والإثنين والثلاثة إن كانت مجردة فهي مجرّد ثلاثة واحدات، وإذا صارت ذات وضع فهي النقطة والإثنان إن كانا مجردين، فهما مجرّد وحدتين، وإن صارا ذا وضع فهو الخط والثلاثة إن كانت مجرّدة فهي مجرد ثلاث واحدات، وإذا صارت ذات وضع فهو السطح والأربعة إن كانت مجردة فهي مجرد أربع وحدات، وإن صارت ذات وضع فهي الجسم، وبالجملة فإنه زعم الكمّ المنفصل هيولى والكم المتصل صورة.
قال (^١): وأما القسم الرابع، وهو أن يقال: العالم محدث الذات قديم الصفات، فذلك مما لا يقول به عاقل".
٤٤٧ - ذكر قُسْطا بن لوقا البعلبكي في كتابه في الفرق بين الروح
_________________
(١) المفصل (ق ١٠٢/ ب - ١٠٣/ أ).
[ ١ / ٢٥٩ ]
والنفس (^١): أنّ في البدن الإنساني روحين: أحدهما يقال له الحيواني، ومادته الهواء، وينبوعه القلب، يبعث الشريانات إلى سائر البدن، فيفعل الحياة والتنفس، والآخر يقال له النفساني مادته الروح الحيواني وينبوعه الدماغ، ويفعل في الدماغ نفسه العلم والذكر والرؤية.
ثم قال: القول في النفس: أما النفس فإن وصفها على حقيقتها صعب معتاص جدًّا، والدليل على ذلك اختلاف جل الفلاسفة فيها، وكذلك من بعدهم.
وذكر في الفصل بين الروح والنفس: أنّ الروح جسم، والنفس لا جسم، بل قال: هي جوهر، قال: وإنّ الروح تجري في البدن، والنفس لا تجري فيه، وإنّ الروح إذا فارق البدن بطل، والنفس تبطل أفعالها من البدن، ولا تبطل هي بذاتها، وإنّ النفس تحرّك البدن والحس والحياة تتوسط الروح، والروح تفعل ذلك بغير توسط، وإن الروح تحرك البدن ومثله الحس والحركة، فإنه أول علة ذلك وفاعله فيه، وإن النفس تفعل ذلك وهي علة ثانية، فالروح إذًا علّة قريبة لحياة البدن وحسه وحركته، وباقي أفعاله، والنفس علة ذلك البعيدة.
٤٤٨ - أنبأنا عبد القادر بن عبد العزيز بن عيسى بن الملك العادل، أنبأنا أبو علي البكري الحسن بن محمد، أبنا أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن صالح ابن المعزِّم الهمذاني بها، أبنا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي الهمذاني بها، أبنا أبو الفرج علي بن محمد بن عبد الحميد البجَلي، أبنا أبو بكر أحمد بن علي بن لال الفقيه الهمذاني، ثنا القاسم بن أبي صالح، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا أبو ثابت محمد بن
_________________
(١) كتاب الفرق بين الروح والنفس (٢/ ٨٩ - ضمن رسائل ابن سينا).
[ ١ / ٢٦٠ ]
عبد الله المديني، ثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن درّاج، عن عيسى بن هلال، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ قال: "إن روحَيْ المؤمنَين ليلتقيان على مسيرة يوم وما رأى أحدُهما صاحبَه قط" (^١).
٤٤٩ - قال جالينوس في مقالته في أنّ قوى النفس تابعة لمزاج البدن: وقد برهنتُ في موضع آخر أنّ أنواع النفس ثلاثة، وأنّ هذا هو رأي أفلاطون، وبينتُ أيضًا أنّ الواحدة في الكبد، والأخرى في القلب، والأخرى في الدماغ، وقد نجد أفلاطون قد قنع بأنّ الجزء الفكري وحده من هذه الثلاثة الأنواع أو الأجزاء التي للنفس غير ميّت، وأما أنا فليس عندي ما أقضي به أنها غير ميّتة، ولا أنها ليست كذلك.
٤٥٠ - وذكر أبو حيّان التوحيدي في كتاب الزُّلْفَة، أنه قرأ بخطِّ قُدامة: قال أفلاطون: إن مسكن الأنفس الفعلية إذا تجرّدت، هو - كما قالت الفلاسفة القدماء - خلف الفلك في عالم الربوبية، حيث نور الباري، وليس كل نفس تفارق البدن من ساعتها إلى ذلك المحل؛ لأن في النفس نفس تفارق البدن وفيها درن وأشياء خبيثة، فمنها ما يصير إلى فلك القمر مقيم هناك مدّة نت الزمان، فإذا تهذَّبت ونقيت غاية النقاء، وزالت أدران الحس وخياله وخبثه منها ارتفعت حينئذ إلى عالم العقل، وجازت الفلك وصارت في أجل محل وأشرفه، وصارت حينئذ لا تخفى عليها خافية، وطابقت نور الباري وصارت تعلم الأشياء قليلها وكثيرها، كعلم الإنسان بأصبعه الواحدة أو بظفره، وصارت الأشياء كلّها مكشوفة بارزة لها، وفوّض إليها الباري أشياء من سياسة العالم تلتذّ بفعلها والتدبير لها.
_________________
(١) إسناده ضعيف لأجل دراج وهو ابن سمعان أبو السمح، قال الإمام أحمد؛ حديثه منكر، وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف، وضعفه الدارقطني، انظر: التهذيب (١/ ٥٧٤).
[ ١ / ٢٦١ ]
قلت: إنما أكتب مثل هذا الكلام؛ لمعرفة آراء الناس ومذاهبهم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول. قال أبو حيّان: وحكى لنا أبو زكريا الصيمري قال: قرأت على سمكة القمّي، قال: قرأت على ابن محارب، قال: قرأت على الكندي قوله عن أرسطاطاليس، ووصفه أمر الملك اليوناني الذي فولج فمكث لا يعيش ولا يموت أيامًا كثيرة، كلما أعاق أعلم الناس أشياء من علم الغيب، وحدّثهم بما رأى من الأنفس والصور والملائكة، وأعطاهم في ذلك العلامات، وأخبر جماعة من أهل بيته بعمر واحد واحد منهم، فلما امتحن ذلك كان كما قال، ولم يتجاوز أحد منهم المقدار الذي حذّه له من العمر، وأخبر أن خسفًا يكون في بلاد كذا وكذا بعد سنة، وسيل يكون في مواضع أخر بعد سنين، فكان الأمر كما قال.
وقال الكندي: وذكر أرسطاطاليس أن السبيل في ذلك أن نفسه إنما علمت ذلك العلم؛ لأنها كادت تفارق بدنه، فكيف لو فارقت البدن على الحقيقة، لكانت قد رأت عجائب من أمر الملكوت الأعلى.
بعض الناس ذهب إلى أن الكواكب كلها غير نيِّرة، وزعم أن النور المعارض لها احتماء الهواء والتهابه بحركتها، فلذلك ترى ملتهبة مضيئة، وإنما ذلك التهاب النار الموهم؛ إذ كان دونها أن النور لها.
وقال قوم آخرون: إن الشمس وحدها مضيئة نيِّرة في نفسها، وإن سائر الكواكب ليس كذلك وإنما يُعرض لها النور بإلقاء الشمس الشعاع عليها، كما تُعرض الأشياء عندنا.
وقال بعضهم: بل الكواكب كلها إلا القمر مضيئة بأنفسها، فأما القمر فمخالف لها، واستدلوا على ذلك بما يُعرض له من إهلاله وتدويره، وقالوا إنه وحده يقبل الضوء من الشمس، وبحسب موضعه منها يكون قبوله للضوء
[ ١ / ٢٦٢ ]
منها، إما أعلاه، وإما أسفله، وإما بعض الأعلى وبعض الأسفل، وبحسب موضعنا منه متوسط أو غيره تكون أبصارنا مدركة ضوءه، إما كله، وإما بعضه، وقد بابًا في إبطال قول من قال إن الكواكب تستضيء بالشمس.
قلت: لِما ذكر من أن ضوء القمر من قبل الشمس شاهدٌ ذكره الفرّاء في المعاني، في قول الله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ [الشمس: ٢]، قال: "ويقال: إذا تلاها فأخذ من ضوئها، وأنت قائل في الكلام: اتبعت قول أبي حنيفة، وأخذت بقول أبي حنيفة، والاتباع والتلو سواء".
٤٥١ - قال ابن الخطيب في مقدّمته في المنطق التي سمّاها: الآيات البيِّنات (^١): "ومثال الحدسيّات هو أنا إذا شاهدنا اختلاف شكل القمر، قربه أو بعده من الشمس، يحصل لنا علم بأن ضوءه مستفاد من الشمس، وهذا الكلام في الحد، فإن علمنا بهذه المقدمة إن كان بديهيًّا فهو من البديهيَّات، فلا وجه لجعله فيها آخر في مقابلة البديهيات، وأيضًا فقد بيّنّا في كتب الحكمة أن هذه المقدمة ليست بيقينية، وإن كان مستفادًا من البرهان، فلا يكون هو من مبادئ البرهان".
فصل: ذكر شيخنا أبو العباس في حكمة الله تعالى في خلق الإنسان، قال (^٢): "وأدنى ذلك أن العين والفم والأذن فيها مياه ورطوبة، فماء العين مالح، وماء الفم عذب، وماء الأذن مرّ، فإن العين شحمة، والملوحة تحفظها أن تذوب، وهذه أيضا حكمة تمليح ماء البحر، فإن له سببًا وحكمة؛ فسببه سبوخة أرضه وملوحتها، فهي توجب ملوحة مائه، وحكمتها أنها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة، فإنه لولا ملوحة مائه لأنتن، ولو أنتن لفسد الهواء، حتى يموت بسبب ذلك خلق كثير؛ وماء
_________________
(١) الآيات البينات (ق ٣٣/ أ - ب - الإسكوريال ٦٥٠).
(٢) النبوات (٢/ ٩٢٢).
[ ١ / ٢٦٣ ]
الأذن مرّ؛ ليمنع دخول الهوامّ إلى الأذن؛ وما الفم عذب؛ ليطيب به ما يأكله، فلو جعل الله ماء الفم مرًّا لفسد الطعام على أكلته؛ ولو جعل ماء الأذن عذبًا لدخل الذباب في الدماغ".
فصل: قول الله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] الآية، فيها قولان:
أحدهما: إن الممسكة من توفّيت وفاة الموت أولًا، والمرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول أنه يتوفى نفس الميت، فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى.
والقول الثاني في الآية: إن الممسكة والمرسلة في الآية كلاهما توفى وفاة النوم، فمن استكملت أجلها أمسكها عنده، فلا يردّها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلها ردَّها إلى جسدها فتستكمل.
٤٥٢ - قال أبو عبد الله ابن القيم (^١): "واختار شيخ الإسلام هذا القول، وقال: يدلّ عليه الكتاب والسّنة، قال: فإنه سبحانه ذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفّاها وفاة النوم، وأما التي توفّاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال، بل هي من قسم ثالث". قال ابن القيّم: "والذي يترجّح هو القول الأول؛ لأنه أخبر سبحانه بوفاتين: وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم، وقسّم الأرواح قسمين: قسمًا قضى عليها الموت فأمسكها عنده، وقسمًا وهي التي توفَّاها وفاة الموت، وقسمًا لها بقية أجل فردّها إلى جسدها إلى استكمال أجلها، وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين
_________________
(١) الروح (ص ٣٨).
[ ١ / ٢٦٤ ]
المذكورتين أولًا، فهذه ممسكة، وهذه مرسلة، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفّاها في منامها، فلو كان قد قسّم وفاة النوم إلى قسمين: وفاة موت ووفاة نوم، لم يقل (والَّتي لم تَمُت)، فإنها من حين قبضت ماتت، وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت، فكيف يقول بعد ذلك: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] بعد أن توفّاها وفاة النوم، فهو سبحانه توفّاها أولًا وفاة نوم، ثم قضى عليها الموت بعد ذلك؛ والتحقيق أن الآية تتناول النوعين، فإنه سبحانه ذكر وفاتين: وفاة نوم ووفاة موت، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى، ومعلوم أنه سبحانه يمسك كل نفس ميت، سواء مات في النوم، أو في اليقظة، ويرسل نفس من لم يمت، فقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] يتناول من مات في اليقظة، ومات في المنام".
* * *
[ ١ / ٢٦٥ ]