فإنه بعد قتل الخليفة المتوكل على اللَّه جعفر بن المعتصم باللَّه بن هارون الرشيد (^١)، بدأ الضعف والتفرق والانقسام يظهر في الخلافة العباسية منذ حينئذٍ، فبدأ الأتراك يفرضون إرادتهم على الخلفاء حيث سيطروا على الدولة العباسية ومؤسساتها وبيت المال فيها بعد قتلهم المتوكل وتنصيب ابنه المنتصر باللَّه محمد خليفة (^٢) بعده، وسَخَّروا جميع ذلك لخدمة مصالحهم وأطماعهم، حتى أصبح خلفاء بني العباس ألعوبة بأيديهم، يعزلون ويقتلون من شاءوا ويولون من شاءوا، وكذلك تنافسوا على جمع الأموال والثروات الطائلة، وأخفقت كل محاولات الخلفاء بعد ذلك في استرداد هيبة الخلافة وقوتها، وفي عهد الخليفة المعتمد على اللَّه أحمد بن المتوكل (^٣) رجع للخلافة شيء من قوتها وهيبتها إلى وفاته، لكن سرعان ما سيطر القادة الأتراك على الدولة بعد ذلك، ولم يبق للخلفية من الأمر شيء سوى الاسم والدعاء له على المنابر فقط. حتى أنه في خِلافة المستعين
_________________
(١) جعفر المتوكل على اللَّه أبو الفضل بن المعتصم باللَّه أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد القرشي العباسي البغدادي، الخليفة العباسي العاشر، كان أسمر، مليح العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، إلى القصر أقرب، وأمه أم ولد، أظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة، وبسطها ونصر أهلها، يعني محنة خلق القرآن، توفي سنة ٢٤٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ١٠٩٧).
(٢) محمد بن المتوكل، وقيل: الزبير، ولد سنة ٢٢٢ هـ كان أعين، قصيرًا، أقنى، أسمر، ضخم الهامة، عظيم البطن، جسيما، مليح الوجه، مهيبا، بويع بالخلافة في صبيحة الليلة التي قتل فيها المتوكل، ولم تطل مدته فقد توفي سنة ٢٤٨ هـ. انظر: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لابن الجوزي (١١/ ٣٥٣) وما بعدها. تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا. الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.
(٣) أحمد بن المتوكل على اللَّه جعفر بن المعتصم، أبو العباس، المعتمد على اللَّه: خليفة عباسي، ولد بسامراء، وولي الخلافة سنة ٢٥٦ هـ بعد مقتل المهتدي باللَّه بيومين. وطالت أيام ملكه، وكانت مضطربة كثيرة العزل والتولية، بتدبير الموالي وغلبتهم عليه، فقام وليّ عهده أخوه الموفق باللَّه طلحة فضبط الأمور، وصلحت الدولة وانكفَّت يد المعتمد عن الحكم، توفي سنة ٢٧٩ هـ. انظر: الأعلام لخير الدين الزركلي (١/ ١٠٦).
[ ١ / ١٣ ]
باللَّه أبي العباس أحمد (^١) لم يكن له من الخلافة إلا الاسم، وكان المماليك الأتراك مستولين على المُلْك، وكان الأمر جميعه لكبِيرَي الأتراك وَصِيف (^٢) وبُغَا (^٣) التُّركيِّين حتى قيل في ذلك:
خَلِيفَةٌ فِي قَفَصٍ … بيْنَ وَصيفٍ وبُغَا
يَقُولُ ما قَالَا لهُ … كما تقُولُ البَبَّغا (^٤)
ولما خُلع الخليفة المستعين باللَّه، قال بعض الشعراء أبياتًا يصف ما آلت إليه تلك الأحوال:
خُلعَ الْخَلِيفَةُ أحمدُ بنُ محمدٍ … وسيُقتلُ التَّالي لهُ أو يُخلَعُ
ويزولُ مُلْكُ بني أبيهِ ولا يُرى … أحدٌ تمَلَّكَ مِنهمُ يَستَمْتِعُ
إيهًا بني العباسِ إن سبيلَكُم … في قتلِ أعبُدكم طَريقٌ مَهْيَعُ
رَقَّعتُمُ دُنياكُمُ قتُمزَّقَتْ … بكمُ الحياةُ تَمزُّقًا لا يُرقَعُ (^٥)
ونتيجة لهذه الفوضى قام الخليفة الراضي باللَّه أبو العباس محمد (^٦) بإنشاءِ منصب "أمير الأمراء"؛ وذلك بقصد إنقاذ الخلافة العباسية من التدهور والضعف، وإعادة الهيبة والقوة لها، والحد من تسلط الأتراك، وأعطى صاحب هذا المنصب الصلاحيات الواسعة سواءً كانت إداريةً أو عسكريةً أو ماليةً.
_________________
(١) أحمد بن محمد بن المعتصم باللَّه، وكنيته أبو العباس، ولي إلى أن خلع بسر من رأى بعد دخوله بغداد، وذلك لثلاث عشرة خلت من المحرم سنتين وتسعة أشهر وتسعة أيام، ومات بالقادسية، وكان عمره أربعة وعشرين سنة. انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٦/ ٢٥٥).
(٢) وَصيف التركي القائد، من كبار الأمراء، استولى على المعتز واحتجر عليه، واصطفى لنفسه الأموال والذخائر، خرج في طائفة يسيرة إلى الخليفة فوثبوا عليه فقتلوه بالدبابيس، وقطعوا رأسه، ونصبوا الرأس على رمح، قُتل وصيف في سنة ٢٥٣ هـ، قبل بغا بيسير، وكانا الفاتقة والراتقة زمن المتوكل، والمستعين، والمعتز. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٦/ ٢٢٦).
(٣) بُغا الصغير الشّرابيّ، وكان قد تمرّد وطغى، وراح نظيره وصيف، فتفرد واستبد بالأمور، وكان المعتز باللَّه يقول: لا أستلذ بحياة ما بقي بغا، ثم إن بُغا وثب فأخذ من الخزائن مائتي ألف دينار، وتمرد فُقتل بعد ذلك سنة ٢٥٤ هـ. انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي (٣/ ٢٤٢).
(٤) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٦/ ٥٧) والوافي بالوفيات للصفدي (١٠/ ١١٠) وسط النجوم للعصامي (٣/ ٤٧٣).
(٥) انظر: تاريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري (٩/ ٣٥٠).
(٦) الراضي باللَّه أبي العباس محمد بن المقتدر، كانت مده خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر: صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي (١١/ ٢٨٤).
[ ١ / ١٤ ]
لكن الإصلاح عبر هذا المنصب لم يدم إلا اثنتي عشرة سنة، فكان بعد ذلك سببًا لظهور التنافس الشرس من قِبل الأمراء الأتراك على هذا المنصب، فتمكن بعضهم بسببه من الاستيلاء على بغداد وأصبح بيدهم تولية الخليفة وعزله.
وحصل بسببه الاضطراب السياسي، وضعفت نتيجة لذلك كلِّهِ سلطة الخليفة، بحيث أصبح مجردًا من صلاحياته ولم يبق له من الخلافة إلا اسمها.
واستمر هذا الحال إلى خلافة المستكفي باللَّه (^١)، حيث دخل بنو بويه (^٢) بغداد في سنة ٣٣٤ هـ بقيادة أبي الحسين أحمد بن بويه، مع أخَويه أبي الحسن على بن بويه، وأبي على الحسن بن بويه، "ووقف أحمد بن بويه بين يدي الخليفة طويلًا وأخذت عليه البيعة للمستكفي باللَّه واستحلف له بأغلظ الأيمان، ووقعت الشهادة على المستكفي باللَّه وعلى الأمير أبي الحسين، ثم ليس الأمير الخلع ولُقِّبَ بـ "معز الدولة" ولُقِّبَ أخوه أبو الحسن على بن بويه بـ "عماد الدولة" وأخوه أبو علي الحسن بن بويه بـ "ركن الدولة" وأمر أن تُضرب ألقابُهم وكُناهم على الدنانير والدراهم وانصرف بالخلع إلى دار مؤنس، ونزل الديلم والجيل والأتراك دور الناس فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة وصار رسمًا عليهم إلى اليوم" (^٣).
لم يدم الأمر طويلًا فلقد قُبض على الخليفة المستكفي باللَّه من على كرسيه واقتيد وخُلع، ومن حينئذ خضعت الخلافة العباسية للبويهيين خضوعًا تامًا مدة مائةٍ وسبعةٍ وعشرين سنة (^٤).
وكان آخر أمرائهم أبو نصر "الملك الرحيم" خسرو فيروز بن عماد الدين مرزبان، حيث خُلع سنة ٤٤٧ هـ، وبعد ذلك سُجن ومات مسجونًا (^٥).
وفي تلك السنة دخل السلاجقة بغداد بقيادة طغرلبك السلجوقي وقضوا على نفوذ البويهيين وأعادوا للخلافة العباسية هيبتها.
_________________
(١) المستكفي عبد اللَّه بن على المكتفي، ويكنى أبا القاسم، وأمه أم ولد رومية تسمى غصن، ولي الخلافة، وسنه يومئذ إحدى وأربعون سنة وسبعة أيام، وكان في سن المنصور يوم ولي، وكانت خلافته سنة واحدة وأربعة أشهر، وسُملت عيناه، وله ثمان، وقيل ثلاث وأربعون سنة وأشهر. انظر: التنبيه والإشراف للمسعودي (١/ ٣٤٥).
(٢) دولة رافضية أعجمية انتشرت بسببها البدع والمحدثات في بلاد العراق. انظر: صفحة (٤٧) من هذا البحث.
(٣) انظر: تجارب الأمم وتعاقب الهمم لابن مسكويه (٥/ ٢٧٥) باختصار وتصرف.
(٤) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٩/ ٦١٣).
(٥) انظر: تاريخ ابن الوردي لابن الوردي (١/ ٣٤٤ و٣٥٣).
[ ١ / ١٥ ]
قال ابن القلانسي:"ولم يزل الأمر على ذلك مستمرًا إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكان بن سلجوق (^١) وقويت شوكة الترك وانخفضت الدولة البويهية واضمحلت وانقرضت" (^٢). وكان دخوله بغداد بسبب مكاتبة الخليفة له واستدعاءه لكف شر البويهيين ووزرائهم (^٣).
قال الذهبي: "ومَلَكَ طغرلبك العراق، وقمع الرافضة، وزال به شعارهم، وكان عادلًا في الجملة، حليمًا كريمًا محافظًا على الصلوات، يصوم الاثنين والخميس، ويعمر المساجد" (^٤).
وبهذا يكون قد بدأ عصرٌ جديدٌ من عصور الدولة العباسية حكم فيه السلاجقة العراق وتوسعوا شرقًا وغربًا، واستمرت دولتهم قرنًا ونصف القرن، وسقطت مع سقوط الخلافة العباسية على يد المغول، حيث بدأ اجتياح المغول للبلدان الإسلامية سنة ٦١٧ هـ، فدخلوا بلاد ما وراء النهر خراسان (^٥) فدمروها وأفسدوا فيها، وأحرقوا مساجدها وقتلوا كثيرًا من علمائها وأهلها وأتلفوا الكتب، فلم يسلم إلا القليل من الناس (^٦).
وقال ابن الأثير: "لقد بقيتُ عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيًا منسيًا، إلا أنني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا، فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم من خلق اللَّه ﷾ آدم إلى الآن، لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقا، فإن التواريخ
_________________
(١) السلطان طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق السلطان الكبير ركن الدين أبو طالب طغرلبك أول ملوك السلجوقية أصلهم من بر سنجار وهم قوم لهم عدد وقوة كانوا لا يدخلون تحت طاعة السلطان وإذا قصدهم من لا طاقة لهم به دخلوا المفاوز. انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ٧٠).
(٢) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٤٤٢).
(٣) انظر: العِبر في خبر من غبر للذهبي (٢/ ٢٨٩).
(٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٠٤).
(٥) بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق ازاذوار قصبة جوين وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان، وتشتمل على أمهات من البلاد منها نيسابور وهراة ومرو، وهي كانت قصبتها، وبلخ وطالقان ونسا وأبيورد وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون. معجم البلدان لياقوت بن عبد اللَّه الرومي الحموي (٢/ ٣٥٠).
(٦) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبري (١/ ٥٨٣).
[ ١ / ١٦ ]
لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر (^١) ببني إسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس؟ وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا؟ فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج" (^٢).
وفي عام ٦٥٦ هـ احتلوا بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وقتلوا خليفة المسلمين المستعصم باللَّه العباسي (^٣)، واستباحوا بغداد قتلًا وسلبًا ونهبًا.
قال الحافظ ابن كثير في أحداث تلك السنة: "فيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة وانقضت دولة بني العباس منها" (^٤).
وقال الذهبي: "ثم دخلت حينئذ التتار بغداد وبذلوا السيف واستمر القتل والسبي نيفًا وثلاثين يومًا، فقَلَّ من نجا، فيقال: إن هولاكو أمر بعد القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسر فعند ذلك نودي بالأمان، واشتد الوباء بالشام ولاسيما بدمشق وحلب لفساد الهواء" (^٥).
وقُتل كثيرٌ من المسلمين، من العلماء والوزراء والعامة، حتى النساء والأطفال لم يسلموا من القتل.
قال ابن كثير: "ومالوا على البلد، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون، وكان الفئام من الناس يجتمعون في الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي المكان، فيقتلونهم في الأسطحة، حتى تجري الميازيب من
_________________
(١) اسمه نبوخذ نصَّر بن سنحاريب بن كيحسري، من الفرس الأُوَل قبل النبط وقبل بني ساسان وكان يقال للفرس الأول الأشكنان وللنبط الاردوان. انظر: المحبر لمحمد بن حبيب البغدادي (ص ٣٩٤).
(٢) انظر: الكامل لابن الأثير (١٠/ ٣٣٣).
(٣) آخر خلفاء بني العباس ببغداد، وكانت مدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيامًا، وتقدير عمره سبعًا وأربعين سنة، وكان متدينًا متمسكًا بمذهب أهل السنة والجماعة، على ما كان عليه والده وجده رحمهم اللَّه تعالى، ولم يكن على ما كانوا عليه من التيقظ والهمة، بل كان قليل المعرفة والتدبير والتيقظ نازل الهمة، محبًا للمال مهملًا للأمور يتكل فيها على غيره. انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٢٣١).
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٥٦).
(٥) انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (٣/ ٢٧٨).
[ ١ / ١٧ ]
الدماء في الأزقة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي (^١)، وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. . . وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف. وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس. . وقُتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد. . ولما انقضى أمد الأمر المقدور، وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر، فتغيرت صورهم، وأنتنت البلد من جيفهم، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (^٢). وكان دخولهم بغداد في العشرين من محرم (^٣).
قال ابن كثير: "وما زال السيف يقتل أهلها أربعين صباحًا، وكان قتل الخليفة المستعصم باللَّه أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر، وعفا قبره، وكان عمره يومئذ ستًا وأربعين سنة وأربعة أشهر، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام" (^٤). وكانت هذه الفتنة العظيمة التي حلت بالمسلمين بسبب الرافضة الحاقدين، وسعيهم لهدم الخلافة والقضاء على الإسلام والمسلمين.
قال الذهبي: "كان وزير العراق مؤيّد الدين ابن العَلْقمي رافضيًا جَلْدًة خبيثًا داهيةً، والفتن في استعارٍ بين السّنّة والرّافضة حتّى تجالدوا بالسّيوف، وقُتِل جماعة من الرّوافض ونُهِبوا، وشكا أهل باب البصرة إلى
_________________
(١) محمد بن محمد بن علي بن أبي طالب الوزير الكبير، المدير المبير مؤيد الدين ابن العلقمي البغدادي، الشيعي الرافضي، وزير الخليفة الإمام المستعصم باللَّه، ولي وزارة العراق أربع عشرة سنة، فأظهر الرفض قليلًا، وكان في قلبه غل على الإسلام وأهله، فأخذ يكاتب التتار، ويتخذ عندهم يدا ليتمكن من أغراضه الملعونة. وهو الذي جرأ هولاكو وقوي عزمه على المجيء، وقرر معه لنفسه أمورا انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم، وولي الوزارة للتتار على بغداد مشاركا لغيره، ثم مرض ولم تطل مدته، ومات غمها وغبنا، فواغبناه كونه مات موتا حتف أنفه، وما ذاك إلا ليدخر له النكال في الآخرة. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٣/ ٨٤١ - ٨٤٣).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٥٩ - ٣٦٢).
(٣) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٣/ ١٩٣).
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣٦١).
[ ١ / ١٨ ]
الأمير رُكْن الدين الدوَيْدار (^١) والأمير أبي بكر ابن الخليفة (^٢) فتقدّما إلى الجند بنهب الكرخ، فهجموه ونهبوا وقتلو، وارتكبوا من الشّيعة العظائم، فحنق الوزير ونوى الشّرّ، وأمر أهل الكَرْخ بالصبْر والكفّ، وكان المستنصر باللَّه قد استكثر من الْجُنْد حتى بلغ عدد عساكره مائة ألف فيما بَلَغَنَا، وكان مع ذلك يصانع التّتار ويُهاديهم ويُرضيهم. فلمّا استخلف المستعصم كان خليّا من الرّأي والتّدبير، فأشير عليه بقطع أكثر الْجُنْد، وأنّ مصانعة التّتار وإكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك، وأمّا ابن العلْقمي فكاتَبَ التّتار وأطمعهم فِي البلاد، وأرسل إليهم غلامه وأخاه، وسهّل عليهم فتْحَ العراق، وطلب أن يكون نائبَهم، فوعدوه بذلك وتأهّبوا لقصد بغداد (^٣). ولكن لم يتم لابن العلقمي الرافضي ما أراد، فلم يَسْلَمْ من القتلِ أهلُ ملتهِ من الرافضة، بل نالتهم السيوف، ولحقت بهم الحتوف.
قال ابن الوردي: "أراد ابن العلقمي نُصْرَة الشيعة فنُصر عَلَيْهِم، وحاول الدّفع عنهُم فدُفع إليهم، وسعى وَلَكِن في فسادهم، وعاضد وَلَكِن على سبي حريمهم وَأَوْلَادهم، وَجَاء بجيوش سلبت عَنهُ النِّعْمَة، ونكبت الإِمَامَ والأمَّة، وسفكت دِمَاء الشِّيعَة وَالسّنة، وخلدت عَلَيْهِ الْعَار واللعنة:
وأتى الخائنُ الْخَبيث بمُغْلٍ … طبقَ الأَرْضَ بَغْيُهُمْ تَطبيقَا
هَكَذَا يَنصُرُ الجَهولُ أَخَاهُ … وَمِنَ البرِّ مَا يكون عُقُوقَا (^٤)
بعد ذلك توجه التتار لغزو الشام، فأرسل هولاكوا عدة رسائل إلى سلاطين المماليك بالشام يطلب منهم الاستسلام ويتهددهم ويتوعدهم (^٥).
وبدأ تحركهم نحو الشام "ففي جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وستمائة نزل حرّان (^٦) واستولى عليها وملك بلاد الجزيرة (^٧)، ثمّ سيّر ولده أشموط بن هولاكو إلى الشام وأمره بقطع الفرات وأخذ البلاد الشاميّة،
_________________
(١) الملك، مقدم جيش العراق، مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير أحد الأبطال المذكورين والشجعان الموصوفين الذي كان يقول: لو مكنني أمير المؤمنين المستعصم، لقهرت التتار، ولشغلت هولاكو بنفسه. انظر: السير للذهبي (٢٣/ ٣٧١).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٦١).
(٣) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٦٧٠).
(٤) انظر: تاريخ ابن الوردي (٢/ ١٩٠).
(٥) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٦٧٠ - ٦٧٧).
(٦) مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور، وهي على طريق الموصل والشام والروم. انظر: معجم البلدان لياقوت (٢/ ٢٣٥).
(٧) بلاد يحيط بها من جهاتها الأربع نهر دجلة والفرات. انظر: حدود العالم من المشرق إلى المغرب (١/ ١٦٢).
[ ١ / ١٩ ]
وسيّره في جمع كثيف من التّتار، فوصل إلى نهر الجوز (^١) وتلّ باشر (^٢)، وأخذوا حلب (^٣) في ثاني صفر من سنة ثمان وخمسين وستمائة وحاصروها حتّى استولوا عليها في تاسع صفر بالأمان، فلمّا ملكوها غدروا بأهل حلب وقتلوا ونهبوا وسبوا وفعلوا تلك الأفعال القبيحة على عادة فعلهم.
وكان رسل التّتار بقرية حَرَسْتَاء (^٤) فدخلوا دمشق ليلة الاثنين سابع عشر صفر، وقرئ بعد صلاة الظهر فرمان -أعني مرسوما- جاء من عند ملك التّتار يتضمن الأمان لأهل دمشق وما حولها، وشرع الأكابر في تدبير أمرهم. ثم وصلت التّتار إلى دمشق في سابع عشر شهر ربيع الأوّل، فلقيهم أعيان البلد أحسن ملتقى وقرئ ما معهم من الفرمان المتضمّن الأمان، ووصلت عساكرهم من جهة الغوطة (^٥) مارّين من وراء الضّياع إلى جهة الكُسْوة (^٦)، وأهلكوا في ممّرهم جماعة كانوا قد تجمّعوا وتحزّبوا، فقتلوا الرجال وسَبَوا النساء والصّبيان، واستاقوا من الأسرى والأبقار والأغنام والمواشي شيئًا كثيرًا" (^٧).
عزم التتار بعد ذلك على التوجه إلى مصر لاحتلالها كما احتلوا قبلها العراق ثم الشام، وكان سلطان دمشق هو الملك الناصر (^٨)، وسلطان مصر الملك المظفر قطز (^٩)، فتوجه الملك المظفر قطز ومعه الملوك والأمراء
_________________
(١) ناحية ذات قرى وبساتين ومياه بين حلب والبيرة التي على الفرات وأهل قراها كلهم أرمن. انظر: معجم البلدان لياقوت (٢/ ١٨٣).
(٢) قلعة حصينة، وكورة واسعة في شماليّ حلب، بينها وبين حلب يومان. انظر: مراصد الاطلاع لعبد المؤمن القطيعي (١/ ٢٦٩).
(٣) مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات طيبة الهواء صحيحة الأديم والماء. انظر: معجم البلدان لياقوت (٢/ ٢٨٢).
(٤) قرية كبيرة عامرة وسط بساتين دمشق على طريق حمص، بينها وبين دمشق أكثر من فرسخ. انظر: نفس المصدر (٢/ ٢٤١).
(٥) هي الكورة التي منها دمشق، كلها أشجار وأنهار متصلة قلّ أن يكون بها مزارع للمستغلّات إلا في مواضع كثيرة، وهي بالإجماع أنزه بلاد اللَّه وأحسنها منظرا، وهي إحدى جنان الأرض الأربع. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٢١٩).
(٦) ضيعة ومنزل ومنها إلى دمشق اثنا عشر ميلا. انظر: المسالك والممالك الحسن المهلبي العزيزي (١/ ٦٣).
(٧) انظر: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبي المحاسن ابن تغري بردي (٧/ ٧٤ - ٧٩).
(٨) الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، ولد سنة ٦٢٧ هـ وسلطنوه بعد أبيه سنة ٦٣٤ هـ، كان حليمًا جوادًا موطأ الأكتاف حسن الأخلاق محببًا إلى الرعية فيه عدل في الجملة وقلة جور وصفح، خُدع وعُمل عليه حتى وقع في قبضة التتار فذهبوا به إلى هلاوو فأكرمه، ثم قتله بعد ذلك سنة ٦٥٩ هـ. انظر: العبر للذهبي (٣/ ٢٩٧).
(٩) السلطان الشهيد الملك المظفر، سيف الدين المعزي، كان أكبر مماليك الملك المعز أيبك التركماني، وكان بطلًا شجاعًا، مقدامًا، حازمًا، حسن التدبير، يرجع إلى دين وإسلام وخير، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوض اللَّه شبابه بالجنة ورضي عنه، توفي سنة ٦٥٨ هـ. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٨٨٧).
[ ١ / ٢٠ ]
والقواد لملاقاة التتار وقتالهم، فالتقوا في عين جالوت (^١)، فهزم اللَّهُ التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا وذلك في سنة ٦٥٨ هـ.
قال ابن كثير: "واتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام حتى جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت وللَّه الحمد، وذلك أن الملك المظفر قطز صاحب الديار المصرية لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة (^٢)، وقد عزموا على الدخول إلى الديار المصرية، وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، وليته فعل، وكان في صحبته الملك المنصور (^٣) صاحب حماة، وخلق من الأمراء وأبناء الملوك، وقد وصل إلى قَطْيَة (^٤)، وتهيأ الملك المظفر للقائه وأرسل إليه وإلى المنصور مستحثين، وأرسل إليه يقول: تقدم حتى نكون كتفًا واحدًا على التتار. . . والمقصود أن المظفر لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى الديار المصرية بعد تمهيد مملكتهم بالشام بادرهم هو قبل أن يبادروه، وبرز إليهم، أيده اللَّه تعالى، وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج بالعساكر المصرية، وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى بمن معه من العساكر المنصورة إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا شديدًا، فكانت النصرة وللَّه الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة. . . واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع وفي كل مأزق. . . وهرب من بدمشق منهم، وكان هربهم منها يوم الأحد ٢٧ من رمضان صبيحة النصر الذي جاءت فيه البشارة بالنصرة على عين جالوت، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون ويأسرون وينهبون الأموال فيهم، ويفكون الأسارى من أيديهم قهرًا، وللَّه الحمد والمنن على جبره الإسلام، ومعاملته إياهم بلطفه الحسن، وجاءت بذلك البشارة السارة، فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة وفرح المؤمنون يومئذ بنصر اللَّه فرحًا شديدًا، وأيد اللَّه الإسلام
_________________
(١) بليدة بين بيسان ونابلس من فلسطين. انظر: نهر الذهب في تاريخ حلب لكامل بن حسين الغزي (٣/ ١٣٥).
(٢) مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر، وهي من نواحي فلسطين غربي عسقلان. معجم البلدان الياقوت (٤/ ٢٠٢).
(٣) الملك المنصور، ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي صاحب حماة، وأبو ملوكها، كانت دولته ثلاثين سنة، وقد هزم الفرنج مرتين، جمع في خزانته من الكتب ما لا مزيد عليه، وكان في خدمته ما يناهز مائتي معمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمنجمين والفلاسفة والكتبة، وكان كثير المطالعة والبحث، بنى سورا لحماة ولقلعتها. توفي سنة ٦٨٣ هـ. انظر: السير للذهبي (٢٢/ ١٤٦).
(٤) قرية في طريق مصر في وسط الرمل قرب الفرما. معجم البلدان لياقوت (٤/ ٣٧٨).
[ ١ / ٢١ ]
وأهله تأييدًا، وكُبِتَ أعداءُ اللَّه النصارى واليهودُ والمنافقون، وظهر دين اللَّه وهم كارهون، ونصر اللَّه دينه ونبيه ولو كره الكافرون" (^١).
عاد التتار بعد ذلك لغزو بلاد الشام في شهر رجب عام ٦٨٠ هـ، وأفسدوا في طريقهم ودخلوا حماة فقتلوا وأحرقوا، وكان المسلمون بقيادة السلطان المنصور سيف الدين قلاوون، فعسكروا بظاهر حمص (^٢)، فلما كان يوم الخميس رابع عشره التقى الجمعان عند طلوع الشمس، وكان عدد التتار على ما قيل مائة ألف فارس أو يزيدون، وعسكر المسلمين على مقدار النصف من ذلك أو أقل، وتواقعوا من ضحوة النهار إلى آخره، وكانت وقعة عظيمة لم يشهد مثلها في هذه الأزمان، ولا من سنين كثيرة. . واضطربت ميمنة المسلمين، وحمل التتار على ميسرة المسلمين، فكسروها وانهزم من بها، وكذلك جناح القلب الأيسر، وثبت الملك المنصور سيف الدين قلاوون في جمع قليل بالقلب ثباتًا عظيمًا، ووصل جماعة كثيرة من التتر خلف المنكسرين من المسلمين إلى بحيرة حمص، وأحدق جماعة من التتر بحمص، وهي مغلقة الأبواب، وبذلوا نفوسهم وسيوفهم في من وجدوه من العوام، والسوقة، والغلمان، والرجالة المجاهدين ظاهرها، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأشرف الإسلام على خطة صعبة، ثم أن أعيان الأمراء ومشاهيرهم وشجعانهم. . . لما رأوا ثبات السلطان ردوا على التتار وحملوا فيهم عدة حملات فكسروهم كسرة عظيمة، فتمت هزيمتهم، وقتلوا مقتلة عظيمة تجاوز الوصف. . . فضربت البشائر على قلعة دمشق وسر الناس، وزينت القلعة والمدنية، وأوقدت الشموع" (^٣).
وفي عام ٦٩٩ هـ تواترت الأخبار بقصد التتر إلى بلاد الشام، وقد خاف الناس من ذلك خوفًا شديدًا، وجفل الناس من بلاد حلب وحماة، وخرج السلطان من الديار المصرية قاصدًا الشام، ولما وصل السلطان إلى وادي الخزندار (^٤) عند وادي سَلَمْيَة (^٥)، التقى التتار هناك يوم الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول، فالتقوا معهم، فكَسَروا المسلمين، وولى السلطان هاربًا، وقد هرب جماعة من أعيان البلد وغيرهم إلى الديار المصرية، وكان سلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة، فاجتمع أعيان البلد والشيخ تقي الدين ابن تيمية
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٩٩ - ٤٠٢).
(٢) بلد مشهور قديم كبير مسوّر، وهي بين دمشق وحلب في نصف الطريق. انظر: نفس المصدر لياقوت (٢/ ٣٠٢).
(٣) انظر: ذيل مرآة الزمان لقطب الدين اليونيني (٤/ ٩١ - ٩٥) والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٤/ ١٤).
(٤) وادي يقع على بعد ثلاثة فراسخ من حمص. انظر: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل اللَّه العمري (٢٧/ ٤٨٤).
(٥) بلد من أعمال قنسرين بثغور الشام على طرف البادية، بينه وبين حمص مرحلة. انظر: الروض المعطار لمحمد الحِميري (١/ ٣٢٠).
[ ١ / ٢٢ ]
واتفقوا على المسير إلى قازان (^١) لتلقيه، وأخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر، فاجتمعوا به وكلمه الشيخ تقي الدين ابن تيمية كلامًا قويًا شديدًا، فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، وفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى توجه السلطان قازان إلى بلاده نحو بلاد العراق، وترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل، وجاء كتابه: إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل، ومن عزمنا العود إليها في زمن الخريف، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها (^٢).
وفي عام ٧٠٢ هـ عاد التتار لغزو بلاد الشام بقيادة قازان، وفي الثاني من شهر رمضان حصلت معركة عظيمة بِمَرْجِ الصُّفَّرِ (^٣) في وادي شَقْحَبٍ (^٤) بين المسلمين والتتار، انتهت بانتصار الإسلام وأهله انتصارًا عظيمًا (^٥).
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ممن جاهد ونصح وشجع، وكان قبل ذلك قد ذهب لمصر ودخل على السلطان الملك الناصر فاجتمع بأركان الدولة واستصرخ بهم وحضهم على الجهاد وتلا عليهم الآيات والأحاديث وأخبرهم بما أعد اللَّه للمجاهدين من الثواب فاستفاقوا وقويت هممهم (^٦)، فكان له ﵀ ورضي عنه دورٌ عظيمٌ في تشجيع الناس وحثهم على القتال، وأقسم لهم بأنهم منصورون، وأفتاهم بجواز الفطر في نهار رمضان ليتقووا على الجهاد، ولم ينصرف عنهم بل جاهد بنفسه وقاتل قتالًا يفوق الوصف.
قال ابن كثير: "وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون على التتار، فيقول له الأمراء: قل إن شاء اللَّه، فيقول: إن شاء اللَّه تحقيقًا لا تعليقًا، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب اللَّه" (^٧).
_________________
(١) قازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان، هلك بنواحي الري، في أواخر سنة ٧٠٣ هـ، وكان قد ملك في أواخر سنة ٦٩٤ هـ، فيكون مدة مملكته ثمان سنين وعشرة أشهر، وكان قد اشتد همه بسبب هزيمة عسكره وكسرتهم على مرج الصفر سنة ٧٠٣ هـ، فلحقه حمى حادة ومات مكمودًا. انظر: المختصر لأبي الفداء الأيوبي (٤/ ٥٠).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٧١٨ - ٧٢٥).
(٣) صحراء بين دمشق والجولان، وهو مرج الصّفّر، بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديده، وبعده راء مهملة. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (٢/ ٨٤٤).
(٤) قرية شقحب من عمل دمشق. خطط الشام لمحمد بن عبد الرزاق بن محمد، كُرْد علي (١/ ٢٧٦).
(٥) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٤/ ٤٨)، والبداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ٢٩).
(٦) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص ١٣٥).
(٧) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٣).
[ ١ / ٢٣ ]
وقال ابن عبد الهادي: "وفي أول شهر رمضان من سنة ٧٠٢ هـ كانت وقعة شَقحَب المشهورة وحصل للناس شدة عظيمة وظهر فيها من كرامات الشيخ وإجابة دعائه وعظيم جهاده وقوة إيمانه وشدة نصحه للإسلام وفرط شجاعته ونهاية كرمه وغير ذلك من صفاته ما يفوق النعت ويتجاوز الوصف" (^١).
وكانت هذه آخر غزوة للتتار على بلاد الإسلام حيث هزمهم اللَّه شر هزيمة، ولم يقم لهم بعد ذلك قائمة، وللَّه الحمد والمنة.