" كان أرسلان التركي المعروف بالبَسَاسِيري قد عظم أمره واستفحل؛ لعدم أقرانه من متقدمي الأتراك، واستولى على البلاد وطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على كثير من المنابر العراقية والأهواز ونواحيها، ولم يكن الخليفة القائم بأمر اللَّه يقطع أمرا دونه، ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته، وشهد عنده جماعة من الأتراك عرفهم وهو بواسط عزمه على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق الملقب طغرلبك يستنهضه على المسير إلى العراق، فانفض أكثر من كان مع البَسَاسيري، وعادوا إلى بغداد سريعا، ثم أجمع رأيهم على قصد دار البَسَاسيري وهي في الجانب الغربي فأحرقوها، وهدموا أبنيتها" (^١).
وبعد أن قضت الدولة السلجوقية على الدولة البويهية الرافضية الباطنية، وذلك على يد السلطان السلجوقي طغرلبك -كما مر معنا سابقًا- وأزالت مظاهر الرفض والبدع والمحدثات، حصلت فتنة بين السلطان طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال الذي كان واليا على الموصل من قبل أخيه، وكان كل ذلك بسبب البَسَاسيري.
"فخالف عليه أخوه إبراهيم وانصرف بجيش عظيم معه يقصد الري، وكان البَسَاسيري راسل إبراهيم يشير عليه بالعصيان لأخيه، ويطمِعه في الملك والتفرد به، ويعده بمعاضدته ومظافرته عليه" (^٢).
فهرب إبراهيم ينَّال وترك الموصل، فلحق به أخوه السلطان طغرلبك ليرده إلى الطاعة، فجرت بينهم حروب انتهت بقتله، وأمر السلطان بإبعاد البساسيري، فسار إلى رحبة مالك بالشام، وكاتب العبيدي صاحب مصر بالدخول في طاعته ليمده بالسلاح والمال، فعاد البساسيري واستولى على الموصل، ثم استولى على بغداد
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد للخطيب (٩/ ٤٠٧).
(٢) انظر: نفس المصدر (٩/ ٤٠٨).
[ ١ / ٤٥ ]
وذلك في سنة ٤٥٠ هـ، وخلعوا الخليفة العباسي القام بأمر اللَّه، وخطب بجامع المنصور للمستنصر باللَّه العبيدي صاحب مصر، وجعل السكة باسمه، وأمر فَأُذِّنَ بحي على خير العمل، فرجع السلطان طغرلبك إلى بغداد ومعه الجيوش لرد الخليفة العباسي والقضاء على البساسيري وفتنته، فتم ذلك وللَّه الحمد وقُتل البساسيري وصُلب رأسه، وقُضي عليه وعلى فتنته سنة ٤٥١ هـ (^١).