اشتهرت أسرة آل المحب الصامت بالإمامة والعلم والعمل، والدين والورع، والفضل والخير، والتقى والصلاح.
وتنتمي أسرة آل المحب إلى عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن السعدي الأنصاري المقدسي الجماعيلي، رحمه اللَّه تعالى.
وتفرع من هذا الرجل الصالح المبارك أسر علمية عظيمة كان لها الأثر الكبير على بلاد الشام، بل على بلاد الإسلام، وكان من تلك الأسر العلمية أسرة آل المحب، وأسرة الحافظ الإمام ضياء الدين المقدسي، والإمام المحدث بهاء الدين المقدسي، والحافظ المحدث أحمد البخاري، وبرز من هذه الأسر أئمة حفاظ، وعلماء كبار، من الرجال والنساء.
وأول من اشتهر من أسرة آل المحب جدهم:
١ - محب الدين أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، الإمام المحدث المفيد الرحال، عُني بالحديث أتم عناية، وكتب العالي والنازل، وحصل الأصول، وبقي في الرحلة مدة سنين، وأقام ببغداد سنوات في الطلب، ثم قد دمشق وتأهل، وجاءه ابنان، فقرأ لها الكثير حضورة وساعة، والصغير منها هو الزاهد العابد أبو العباس أحمد والد الشيخ محب الدين عبد اللَّه محدث الصالحية في وقته ومفيدها، توفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ثمان وخمسين وستمائة -﵀- وله من العمر أربعون سنة، وفي أولاده علم واعتناء بالحديث (^١).
٢ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن أبي بكر المقدسي، ابن المحب، كان من كبار الصالحين الأتقياء، ولد في سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وحضر وسمع من عدد من العلماء، وطلب بنفسه في أيام ابن البخاري، وأسمع ولده محب الدين، وكان على طريقة حميدة، وعليه جلالة ووقار، وعلى ذهنه أحاديث ومسائل، وطال عمره وعلا سنده، وخرجوا له معجها في أحد عشر جزءًا، ولي مشيخة الضيائية، توفي في العشرين من ذي الحجة سنة ثلاثين وسبعمائة (^٢).
_________________
(١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٨٨١) والسير له (٢٣/ ٣٧٥).
(٢) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (ص ٥٠) وذيل التقييد للفاسي (١/ ٣١٩) والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ١٢٤) ومعجم الشيوخ للسبكي (ص ٧٠).
[ ١ / ٨٧ ]
٣ - محب الدين أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن أبي بكر المقدسي المحدث الصادق مفيد الجماعة، ولد في المحرم سنة أربعة وثمانين وستمائة، وقيل سنة اثنين وثمانين وستمائة، وأسمعه والده من عدد من العلماء، ثم طلب هو بنفسه في سنة ثمان وتسعين فأكثر وجمع فأوعي، وكان فصيحا سريع القراءة بليغا مليح التلاوة ذا خير وصدق وسمت وتقوى، ومشيخته نحو ألف شيخ، وأفاد كثيرًا واستفاد، وخرج لنفسه ولغيره من ذوي الإسناد، وحدث كثيرًا وسمع منه جم غفير، توفي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبعمائة (^١).
٤ - أبو الفتح أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن المحب، المقرئ المقدسي، سمع حضورًا من جماعة من العلماء، وكتب وقرأ وخرج لغيره وتنبه، ولد سنة تسع عشرة وسبعمائة سمع من الإمام الذهبي وابن الزراد وست الفقهاء وغيرهما، وأحضره أبوه قبل ذلك على ابن الشيرازي وغيره، وحصل له ثبتًا فيه شيء كثير، ثم تنبه وطلب بنفسه وقرأ وخرج لنفسه ولغيره وكانت فيه لكنة ومات في الطاعون العام سنة ٧٤٩ هـ وهو أخو الحافظ أبو بكر ابن المحب الصامت المشهور (^٢).
٥ - برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أبي العباس أحمد ابن المحب عبد اللَّه بن أحمد المقدسي، المحدث الفقيه العالم النبيه، سليل العلماء والمحدثين، ولد سنة اثنتين وسبعمائة، وسمع من طائفة من العلماء، وطلب الحديث وقتًا، وسمع جملة وقرأ، وكان شديد الاعتناء بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتابته بخطه المليح، ولديه فضيلة، وذهنه جيد وكتابته سريعة حلوة، وقرأ للعامة بعد أخيه واشتهر (^٣).
٦ - زين الدين أبو حفص عمر ابن الحافظ محب الدين عبد اللَّه بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن السعدي المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي المسند، حضر في الثالثة في ربيع الأول سنة ثلاثين وسبعمائة على بعض العلماء وسمع الأربعين المنتقاة من كتاب الآداب للبيهقي، وحضر في الرابعة في شعبان سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة على الحافظ المزي وغيره أربعة مجالس من أمالي النجاد، وعلى غيرهم جزء من حديث ابن زرقويه، وسمع الثاني من الحنائيات، والأربعين لأبي بكر المقرئ، وعلى المزي وغيره الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي، حدَّث وسمع منه
_________________
(١) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين (ص ١٠١) ومعجم الشيوخ الكبير للذهبي (ص ٣١٩).
(٢) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٢٠).
(٣) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين (ص ٨٥) والمعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٥١).
[ ١ / ٨٨ ]
عدد من العلماء، مات في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، ومولده في ثاني عشرين صفر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (^١).
٧ - عبد الرحيم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن الزين السعدي المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي، من دمشق ويعرف بابن المحب وهو ابن أخي الشمس محمد بن محمد بن أحمد الآتي، وجده هو عم الحافظ أبي بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد ابن المحب الصامت، ولد في صفر سنة ثمان وستين وسبعمائة، وسمع مسند النساء من مسند أحمد وغالب مسند عائشة منه والفوت من أوله، ومشيخة الفخر من جزء الأنصار وغير ذلك، وحدث سمع منه الفضلاء، مات في سنة أربعين وثمانمائة (^٢).
٨ - شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن ابراهيم المقدسي الصالحي المحدث المعروف بابن المحب، سمع جامع الترمذي، وكثيرًا من ذلك بقراءته وذلك من قوله في الجزء العاشر: باب ما جاء في حد السكران إلى آخر الكتاب، ومشيخة الفخر ابن البخاري، وقرأ مشيخة ابن البخاري مع ذيل الحافظ المزي عليها، والجزأين الأولين على غيره، وسمع شمائل الترمذي على ثلاثين شيخًا منهم الحافظ المزي وزينب بنت الكال المقدسية حضورًا في الثالثة في يوم الثلاثاء العشرين من رجب سنة ٧٣٣ هـ وكان يعمل المواعيد على الكراسي، ومات في ربيع الآخر سنة ٧٨٨ هـ بصالحية دمشق وله ست وخمسون سنة (^٣).
٩ - شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسمعيل بن منصور بن عبد الرحمن السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي ويعرف أيضًا بابن المحب، ولد في شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة، حضر في الثالثة سنة سبع وخمسين مجالس المخلدي الثلاثة وغيرها، وفي الخامسة على ابن القيم ثلاثيات أحمد وغيرها، وسمع مسند أحمد إِلَّا اليسير، ومن ست العرب حفيدة الفخر الشمائل النبوية وغيرها، وسمع من غيرهم مشيخة الفخر وذيلها ومن أولهما الترمذي وأبا داود في آخرين، وحج وجاور بالحرمين وحدث بها بدمشق وغيرها، سمع منه الفضلاء روى لنا عنه غير واحد كالأبي وفي الأحياء من يروي بالسماع منه فضلا عن الإجازة، وكان من
_________________
(١) انظر: ذيل التقييد للفاسي (٢/ ٢٤١).
(٢) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (٣/ ٣٦٤) والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٤/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٣) انظر: ذيل التقييد للفاسي (١/ ٢١٢) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٥١١).
[ ١ / ٨٩ ]
المكثرين بدمشق ذا نظم ونثر، وشرع في شرح البخاري تركه بعده مسودة، وكان يقرأ الصحيحين على العامة مات بطيبة المكرمة في رمضان سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان يذكر عن نفسه أنه رأى منامًا من نحو عشرين سنة يدل على موته بالمدينة، ثم سمعوه منه قبل خروجه لهذه السفرة فكان كذلك، وهو بقية البيت من آل المحب بالصالحية (^١).
١٠ - أمة اللطيف ابنة الإمام الشمس محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد اللَّه ابن أحمد بن محمد بن ابراهيم بن أحمد السعدي المقدسي الأصل الصالحي أخت الشمس محمد الماضي ووالدة الشهاب أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المعروف بابن زريق ويعرف أبوها بابن المحب سمعت من والدها في سنة سبع وثمانين وسبعمائة الدعاء للمحاملي، وأجاز لها المحب الصامت وغيره، وحدثت وكانت خيرة أصيلة، ماتت في جمادى الآخرة سنة أربعين وثمانمائة (^٢).
ويلتقي معهم في النسب أيضًا هؤلاء النبلاء الأعلام، والأئمة الكرام:
١١ - أبو عبد الكريم عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي، شيخ صالح، مقرئ، وهو عم الحافظ الضياء، هاجر إلى دمشق قبل الجماعة، وتعلم بها شيئًا من العلم، ثم عاد، وكان كثير الخير، نظيف الثياب صالحًا، ثم جاء ومضى إلى حران المرح، فأم بأهلها، وعاد مريضا إلى دمشق، فمات في رجب، توفي سنة ٥٥٥ هـ (^٣).
١٢ - بهاء الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل ابن منصور المقدسي، الحنبلي، الشيخ الإمام العالم، المفتي، المحدث، وهو ابن عم الحافظ الضياء، والشمس أحمد البخاري والد الفخر علي، ولد سنة خمس أو ست وخمسين وخمسمائة، هاجر به أبوه نحو دمشق سرة وخفيه من الفرنج والبلاد لهم، ثم سافر أبوه إلى مصر تاجرًا، رحل إلى حران، وبغداد، والموصل، وبُخاري، وغيرها، وأجاز له طائفة كبيرة، وروى الكثير، وكان ينفق حديثه، فحدث بقطعة كبيرة منه ببعلبك، وبنابلس، وبجامع دمشق، وكان إمامًا في الفقه، لا بأس به في الحديث، مناظرا، اشتغل وسمع الكثير، وكتب الكثير بخطه، وأقام بنابلس سنين يؤم بالجامع الغربي منها، وانتفع به خلق كثير من أهل نابلس وأهل القرايا. وكان كريمًا، جوادًا، سخيًا،
_________________
(١) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (٣/ ٣٦٢) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٥١١) والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٩/ ١٩٥).
(٢) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (١٢/ ١٠).
(٣) انظر: التاريخ للذهبي (١٢/ ٩٢).
[ ١ / ٩٠ ]
حسن الأخلاق، متواضعا، ورجع إلى دمشق قبل وفاته بيسير، واجتهد في كتابة الحديث وتسميعه، توفي سنة ٦٢٤ هـ (^١).
١٣ - جمال الدين أبو بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي، الحنبلي، الإمام الفقيه المحدث الزاهد، وهو أخو الإمام بهاء الدين المقدسي السابق، ولد سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وتوفي بنابلس لأنه مضى ليزور القدس بعد حجته، وكان فقيًا زاهدًا، ورعًا، كثير الخوف من اللَّه، كان يعرف بالزاهد، رحل مع أخيه البهاء عبد الرحمن إلى بغداد، وسمع الكثير بها وبدمشق، وكان يتنظف ويبالغ في الوضوء، ثم رجع وتزوج. ثم سافر إلى بغداد، وأقام بها مدة وحصل فنونًا، وعاد. وكان يؤم بمسجد دار البطيخ بدمشق، توفي سنة ٦٠٠ هـ (^٢).
١٤ - ضياء الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي المقدسي، الإمام الحجة، الحافظ الكبير، محدث عصره ووحيد دهره، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، ولد سنة تسع وستين وخمسمائة، بالدير المبارك، بقاسيون، وأجاز له خلق كثير، وسمع في سنة ست وسبعين وبعدها بدمشق ومصر وبغداد وببلاد شتى، يقال: إنه كتب عن أزيد من خمسمائة شيخ، وحصل أصولًا كثيرة وأقام بهراة ومرو، وهو حافظ متقن، ثبت ثقة، صدوق نبيل، حجة عالم بالحديث وأحوال الرجال، له مجموعات وتخريجات، وهو ورع تقي زاهد، عابد في أكل الحلال، مجاهد في سبيل اللَّه، ما رئي مثله في نزاهته وعفته وحسن طريقته في طلب العلم وأثنى عليه الكثير، توفي يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة ودفن بسفح قاسيون (^٣).
١٥ - شمس الدين، أبو العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي، المقدسي، ثم الدمشقي، المعروف بالبخاري. أخو الحافظ ضياء الدين محمد، ووالد الفخر علي مسند وقته، ولد في العشر الأواخر من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة بالجبل، سمع بدمشق ورحل إلى بغداد وهو ابن بضع عشرة مع أقاربه، وسمع بنيسابور وواسط من جماعة، وتفقه وبرع، وأقام ببخارى مدة يشتغل بالخلاف؛ ولهذا عرف بالبخاري، ثم رجع إلى الشام، وسكن حمص مدة. ويقال: إنه ولي بها القضاء، وكان إمامًا
_________________
(١) انظر: التاريخ للذهبي (١٣/ ٧٦٨).
(٢) انظر: السير للذهبي (١٢/ ١٢٢٦) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٥٤١) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٣٣٤).
(٣) انظر: التاريخ للذهبي (١٤/ ٤٧٢) والسير له (٢٣/ ١٢٦) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٥١٤) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٥٠).
[ ١ / ٩١ ]
عالمًا، مفتيًا مناظرًا، ذا سمتٍ ووقار، وكان كثير المحفوظ، حجة صدوقًا، كثير الاحتمال، تام المروءة، لم يكن في المقادسة أفصح منه، واتفقت الألسنة على شكره، وشهرته وفضله، وما كان عليه يغني عن الإطناب في ذكره، حدث البخاري بدمشق وحمص، وسمع منه جماعة، وروى عنه أخوه الضياء الحافظ، وولده الفخر، توفي ليلة الخميس خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وقيل: توفي ليلة الجمعة خامس عشر من الشهر المذكور (^١).
١٦ - فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي، المقدسي الصالحي، الفقيه المحدث المعمر، مسند الدنيا، ابن الشيخ شمس الدين البخاري المتقدم، وعمه الحافظ الضياء، ولد في آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة، أو أول سنة ست وسبعين، سمع بدمشق والقدس والاسكندرية، وحمص، وبغداد، وتفرد بالرواية عن جماعة، وقرأ بنفسه، وسمع كثيرًا من الكتب الكبار والأجزاء، واستجاز له عمه الحافظ الضياء من خلق، وتفرد في الدنيا بالرواية العالية، وتفقه على الشيخ موفق الدين، وقرأ عليه المقنع، وأذن له في إقرائه، وقرأ مقدمة في النحو، وصار محدث الإسلام وراويته، روى الحديث فوق ستين سنة وسمع منه الأئمة الحفاظ المتقدمون، وقد ماتوا قبله بدهر، وخرج له عمه الحافظ ضياء الدين جزءًا من عواليه، وحدث كثيرًا، وكان شيخًا عالمًا فقيهًا، زاهدًا عابدًا، مسندًا مكثرًا، وقورًا، صبورًا على قراءة الحديث، مكرمًا للطلبة، ملازمًا لبيته، مواظبًا على العبادة، ألحق الأحفاد بالأجداد، وحدث نحوًا من ستين سنة، وتفرد بالرواية عن شيوخ كثيرة. وانتهت إليه الرياسة في الرواية، وقصده المحدثون من الأقطار، وكان يحفظ كثيرًا من الأحاديث وألفاظها المشكلة، وكثيرًا من الحكايات والنوادر، ويرد على من يقرأ عليه مواضع، يدل رده على فضل ومطالعة ومعرفة، وكان فقيهًا عارفًا بالمذهب، فصيحًا، صادق اللهجة، يرد على الطلبة، مع الورع والتقوى، والسكينة والجلالة، وهو أحد المشايخ الأكابر، والأعيان الأماثل، من بيت العلم والحديث، ولا يُعلم أن أحدًا حصل له من الحظوة في الرواية في تلك الأزمان مثل ما حصل له، قال ابن تيمية: "ينشرح صدري إذا أدخلت ابن البخاري بيني وبين رسول اللَّه -ﷺ- في حديث" (^٢).
قال الذهبي: "وهو آخر من كان في الدنيا بينه وبين النبي -ﷺ- ثمانية رجال ثقات".
_________________
(١) انظر: بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (٢/ ١٠١١ - ١٠١٢) والتاريخ للذهبي (١٤/ ٤٧٢) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٦) والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ١٢٩ - ١٣٠).
(٢) انظر: العبر للذهبي (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤) وذيل الطبقات لابن رجب (٤/ ٢٤١ - ٢٤٩) وذيل التقييد للفاسي (٢/ ١٧٨).
[ ١ / ٩٢ ]
وقال: "وإن كان للدنيا بقاء فليتأخرن أصحابه إن شاء اللَّه تعالى إلى بعد السبعين وسبعمائة" (^١).
قال ابن رجب: "يريد لكثرتهم، وكذا وقع، فإنا نحن الآن بعد السبعين، ومن رأى أصحابه جماعة أحياء وآخر من مات منهم. صلاح الدين محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر المقدمي توفي في شوال سنة ٧٨٠ هـ، وتوفي -﵁- ضحي يوم الأربعاء ثاني شهر ربيع الآخر سنة ٦٩٠ هـ" (^٢).
١٧ - محمد ابن الإمام رحلة الآفاق فخر الدين علي ابن العلامة شمس الدين شيخ الحديث بالضيائية. ولد سنة اثنتين وخمسين وستمائة أو قبلها، وأجاز له عدد من الأئمة وسمع جماعة منهم، وكان فيه شهامة، وقوة نفس وعلم، توفي في ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبعمائة (^٣)
١٨ - محمد بن أحمد الشيخ أبو عبد اللَّه بن الشيخ المحدث كمال الدين عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، المعروف بالضياء، السالك طريق الفقر، ولد سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان شيخا يخالط الفقراء طول عمره، وحضر غزوات الظاهر مع المشايخ، وسمع من المزي حضورًا، ومن جماعة، وله إجازة بعض أصحاب السلفي، وشهدة، وتوفي -رحمه اللَّه تعالى- في سادس شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وسبعمائة (^٤).
١٩ - الشيخة الصالحة المسندة المعمرة أم عبد اللَّه زينب ابنة الشيخ كمال الدين أبي العباس أحمد ابن الإمام كمال الدين عبد الرحيم بن عبد الواحد ابن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الصالحية، ولدت في أول سنة ست وأربعين وستمائة تقريبًا، سمعت من عدد من العلماء وأجاز لها جماعة من بغداد ومن ماردين، وكانت صالحة عابدة، كثيرة الصلاة والصيام وفعل الخير، وحدثت بالكتب الكبار، وكانت سهلة في التسميع محبة لأهل الحديث، كريمة النفس، وطال عمرها وتفردت بغالب إجازتها، وانتفع بها وخُرِّج لها، توفيت ليلة الاثنين التاسع عشر من جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمائة (^٥).
٢٠ - الشيخة الصالحة المسندة أم عبد الرحمن حبيبة بنت عبد الرحمن زين الدين بن الإمام جمال الدين أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي، حضرت على عدد من
_________________
(١) انظر: التاريخ للذهبي (١٥/ ٦٦٥).
(٢) انظر: ذيل الطبقات لابن رجب (٤/ ٢٤٨).
(٣) انظر: التاريخ للذهبي (٢/ ٢٣٤).
(٤) انظر: أعيان العصر (٤/ ٢٥٢) والدرر الكامنة لابن حجر (٥/ ٥٤).
(٥) انظر: الوفيات لابن رافع (١/ ٣١٦ - ٣١٨).
[ ١ / ٩٣ ]
العلماء، وسمعت من جماعة منهم، وتوفيت رحمها اللَّه تعالى في خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وكتب عنها بإذنها عبد اللَّه بن أحمد بن المحب المقدسي (^١).
٢١ - الشّيخة الصّالحة الحنبلية المسندة المكثرة ستّ العرب بنت محمد بن الفخر علي بن أحمد بن عبد الواحد بن البخاري، حضرت على جدّها كثيرًا، وعلى غيره، وحدّثت وانتشر عنها حديث كثير، وطال عمرها، وانتفع بها، توفيت بدمشق ليلة الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة سبع وستين وسبعمائة، ودفنت بسفح قاسيون، وتقدم ذكر ولدها شمس الدين محمد (^٢).
٢٢ - فاطمة وتدعي آس خاتون ابنة شيخنا أبي عبد اللَّه محمد ابن الشيخ فخر الدين علي بن أحمد ابن البخاري، الشيخة المحدثة المسندة، سمعت من جدها الشيخ فخر الدين وحدثت عنه، توفيت في ليلة السبت العشرين من ذي الحجة بجبل قاسيون، سنة أربعين وسبعمائة (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: أعيان العصر للصفدي (٢/ ١٨٠ - ١٨١).
(٢) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٤٣٣ - ٤٣٥) وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
(٣) انظر: الوفيات لابن رافع (١/ ٣٤٥).
[ ١ / ٩٤ ]
عبد الرحمن
منصور
إسماعيل
عبد الرحمن
إبراهيم. . . أحمد
المحدث جمال الدين أبو بكر محمد (٥٦٣ - ٦٠٠ هـ). . . إبراهيم. . .عبد الرحمن. . . عبد الواحد
الحافظ بهاء الدين عبد الرحمن (٥٥٥ - ٦٢٤ هـ). . . محمد. . .الإمام ضياء الدين محمد (٥٦٩ - ٦٤٣ هـ). . . الإمام أحمدالبخاري (٥٦٤ - ٦٢٣ هـ)
أحمد. . .عبد الرحمن. . .الإمام الفخر علي (٥٧٥ - ٦٩٠ هـ)
الإمام محب الدين عبد اللَّه (٦١٨ - ٦٥٨ هـ). . .حبيبة (٦٥٠ - ٧٣٣ هـ). . . الإمام محمد (٦٥٢ - ٧٢٦ هـ)
أبو العباس شهاب الدين أحمد (٦٥٣ - ٧٣٠ هـ). . .ست العرب (. . . - ٧٦٧ هـ). . .فاطمة آس خاتون (٠٠٠ - ٧٤٠ هـ)
أبو إسحاق إبراهيم (٧٠٢ - ٧٤٩ هـ). . . الإمام محب الدين عبد اللَّه (٦٨٤ - ٧٣٧ هـ). . .محمد
أبو الفتح أحمد (٧١٩ - ٧٤٩ هـ). . .أبو حفص عمر (٧٢٨ - ٧٨١ هـ). . .الإمام محمد بن المحب الصامت (٧١٢ - ٧٨٩ هـ). . . الإمام شمس الدين محمد (. . .- ٧٨٨ هـ). . .أحمد
الإمام شمس الدين محمد (٧٥٥ - ٨٢٨ هـ). . . أمة اللطيف (. . .- ٨٤٠ هـ). . .عبد الرحيم (٧٦٨ - ٨٤٠ هـ)
شجرة نسب تجمع هؤلاء العلماء رحمهم اللَّه تعالى.
[ ١ / ٩٥ ]