فبعد وفاة السلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان (^٢) عام ٤٨٥ هـ عُهد بالسلطة إلى ابنه محمود (^٣)، وكان ما يزال حينذاك طفلًا صغيرًا ابن خمس سنين (^٤)، فخرج عليه أخوه بَرْكْيَارُوْقُ (^٥)، وبدأ بينهما تنافس وصراع على السلطة.
وفي سنة ١٨٦ هـ خَطَب تُتُشَ بن ألب أرسلان (^٦) صاحب دمشق لنفسه بالسلطنة، وطلب من الخليفة أن يخطب له بالعراق فحصل التوقف عن ذلك، بسبب ابن أخيه بركياروق بن ملكشاه (^٧).
_________________
(١) انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ١٢٩ - ١٦١).
(٢) ملكشاه، السلطان جلال الدولة أبو الفتح ابن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود السلجوقي، ملك من الأقاليم ما لم يملكه أحد من السلاطين، من أحسن الملوك سيرة، ولذلك كان يلقب بالسلطان العادل، توفي سنة ٤٨٥ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١٠/ ٥٥٢).
(٣) مغيث الدين السلجوقي أبو القاسم محمود بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، الملقب مغيث الدين، أحد الملوك السلجوقية المشاهير، كان متوقد ذكاء، قوي المعرفة بالعربية، حافظًا للأشعار والأمثال، عارفًا بالتواريخ والسير، شديد الميل إلى أهل العلم والخير، وكانت السلطنة في أواخر أيامه قد ضعفت وقلت أموالها، توفي سنة ٥٢٥ هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٥/ ١٨٣).
(٤) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ٣٠٣).
(٥) بركياروق أبو المظفر بن ملكشاه بن ألب آرسلان السلجوقي السلطان الكبير، ركن الدين، أبو المظفر، ويلقب أيضا: بهاء الدولة، تملك بعد أبيه، وناب عنه على خراسان، أخوه السلطان سنجر، وكان بركيا روق شابا شهرا شجاعا لعابا، فيه كرم وحلم، وكان مدمنا للخمر، تسلطن وهو حدث، له ثلاث عشرة سنة، فكانت دولته ثلاث عشرة سنة في نكد وحروب بينه وبين أخيه محمد، يطول شرحها، توفي سنة ٤٩٨ هـ. انظر: السير للذهبي (١٩/ ١٦٩).
(٦) تتش بن ألب أرسلان أبي شجاع الملك أبو سعيد تاج الدولة السلجوقي، تركي محتشم، شجاع، من بيت ملك وتقدم، كان تتش معظما للشيخ أبي الفرج الحنبلي. وقد جرت في مجلسه بدمشق مناظرة عقدها لأبي الفرج وخصومه في قولهم: إن القرآن يسمع ويقرأ ويكتب، وليس بصوت ولا حرف. فقال الملك: هذا مثل قول من يقول: هذا قباء، وأشار إلى قبائه، على الحقيقة، وليس بحرير، ولا قطن، ولا كتان. وهذا الكلام صدر من تركي أعجمي، توفي سنة ٤٨٨ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١٠/ ٥٩٣).
(٧) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٣٦).
[ ١ / ٤٦ ]
وفي السنة التي تليها سأل بركياروق من الخليفة العباسي أن يعهد إليه بالسلطة، فخُطب له ببغداد وعُهد إليه بها، وذلك في عام ٤٨٧ هـ (^١).
وكذلك امتد الصراع بين بركياروق وبين عمه تُتُشَ بن ألب أرسلان الذي حكم دمشق وحلب وعددًا من بلدان الشام، فحصل بينهما قتال استمر إلى أن تغلب عليه بركياروق وقتله بالقرب من مدينة الري في سنة ٤٨٨ هـ، حيث هزم شش وقتل في المعركة (^٢).
وكذلك خرج السلطان محمد بن ملكشاه (^٣)، وخطب لنفسه ببغداد، وحصل بينه وبين أخيه بركياروق حروب طويله، وصراع على السلطة، استمر مدة اثنتي عشرة سنة (^٤).
قال ابن كثير: "وكانت له مع بركياروق خمس وقعات هائلة" (^٥).
وكانا يقتتلان مرات، ويصطلحان مرات، إلى أن تم الصلح بينهما في آخر الأمر (^٦).
وقال ابن الأثير: "وكان سببه أن الحروب تطاولت بينهما، وعم الفساد، فصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والقرى محرقة، والسلطنة مطموعًا فيها، محكومًا عليها، وأصبح الملوك مقهورين، بعد أن كانوا قاهرين، وكان الأمراء الأكابر يؤثرون ذلك ويختارونه ليدوم تحكمهم، وانبساطهم، وإدلالهم" (^٧).
وبعد تلك الحروب والوقائع والخسائر توفي بركياروق.
قال ابن كثير: "جرت له خطوب كثيرة، وحروب هائلة، وأحوال متباينة، خطب له ببغداد ست مرات، وعزل عنها ست مرات، وكان عمره يوم مات أربعًا وعشرين سنة وشهورًا، وقام من بعده ولدُه ملكشاه
_________________
(١) انظر: السير للذهبي (١٨/ ٣٢٣).
(٢) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (١/ ٢١٢).
(٣) السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، أول ما خطب له بغداد في ذي الحجة سنة ٤٩٢ هـ وقطعت خطبته عدة مرار، ولقي من المشاق والأخطار ما لم يلقه أحد، إلى أن توفي أخوه بركياروق، فحينئذ استقرت له السلطنة وصفت له، ودانت البلاد وأصحاب الأطراف لطاعته، وكان اجتماع الناس عليه بعد موت أخيه اثنتي عشرة سنة وستة أشهر، وكان عادلًا حسن السيرة شجاعًا وأطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد، توفي سنة ٥١١ هـ. انظر: عيون الروضتين لابن خلكان (١/ ١٠٧).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ١٠١).
(٥) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٦٨).
(٦) انظر: السير للذهبي (١٩/ ٤٠٥).
(٧) انظر: الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٩٣).
[ ١ / ٤٧ ]
فلم يتم أمره؛ بسبب منازعة عمه محمد له" (^١).
وأدى هذا التنافس والاقتتال إلى ظهور فرق الكفر والضلال، وتسلط التتار والصليبيين على بلاد الإسلام.
قال الذهبي: "وفي هذا الوقت كثرت الباطنية بالعراق والجبل، وزعيمهم الحسن بن الصبَّاح، فملكوا القلاع وقطعوا السبل، وأهمَّ الناسَ شأنُهم واستفحل أمرُهم، لاشتغال أولاد ملكشاه بنفوسهم" (^٢).