فمنذ ضَعْفِ الدولةِ العباسيةِ -كما مر معنا سابقًا- أخذتِ الدُّولُ المستقلةُ تنتشر في العالم الإسلامي، وهذا أدى في بعض الأحيان إلى مزيد من الضعف والتشرذم والتناحر على المُلك والسلطة، بل أصبح بعضهم يتسمى باسم "أمير المؤمنين".
وغلبت على الدنيا الطوائف، فصارت واسط (^٢) والبصرة (^٣) والاهواز (^٤) في يدي البريدي (^٥)، وفارس (^٦) في يد
_________________
(١) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي (ص ١٩١).
(٢) مدينة بين الكوفة والبصرة من الجانب الغربي، كثيرة الخيرات وافرة الغلات. تشقها دجلة. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٤٧٨).
(٣) البصرة بالعراق، وهي كانت قبة الإسلام، ومقر أهله، بنيت في خلافة عمر -﵁- سنة أربع عشرة واختط عتبة بن غزوان المنازل بها وبنى مسجدًا من قصب. انظر: الروض المعطار لمحمد الحِميري (ص ١٠٥).
(٤) الأهواز جمع هوز، وأصله حوز، فلما كثر استعمال الفرس لهذه اللفظة غيّرتها حتى أذهبت أصلها جملة لأنه ليس في كلام الفرس حاء مهملة، وإذا تكلّموا بكلمة فيها حاء قلبوها هاء فقالوا في حسن هسن، وفي محمّد مهمّد، ثم تلقّفها منهم العرب فقلبت بحكم الكثرة في الاستعمال، وعلى هذا يكون الأهواز اسما عربيًا سمّي به في الإسلام، وكان اسمها في أيام الفرس خوزستان. معجم البلدان (٤/ ٢٨٤) وقال القزويني: ناحية بين البصرة وفارس، ويقال لها خوزستان، بها عمارات ومياه وأودية كثيرة، وأنواع الثمار والسكر والرز الكثير. انظر: آثار البلاد (ص ١٥٢).
(٥) أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد البريدي كان وزيرا للمقتفي العباسي، ثم خلعه واستولى على الأهواز والبصرة، وكان قد قتل أخاه لكونه يذكر عيوبه فلم يمتع بعده وأخذته الحمى أسبوعا فهلك في سنة ٣٣٣ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (٧/ ٦٣٠).
(٦) ولاية واسعة وإقليم فسيح، أول حدودها من جهة العراق أرّجان ومن جهة كرمان السّيرجان ومن جهة ساحل بحر الهند سيراف ومن جهة السند مكران، قال أبو علي في القصريات: فارس اسم البلد وليس باسم الرجل ولا ينصرف لأنه غلب عليه التأنيث كنعمان وليس أصله بعربي بل هو فارسيّ معرب أصله بارس وهو غير مرتضى فعرّب فقيل فارس. المعجم لياقوت (٤/ ٢٢٦).
[ ١ / ٢٤ ]
علي بن بويه (^١)، وكرمان (^٢) في يد أبي على بن إلياس (^٣)، والري (^٤) وأصبهان (^٥) والجبل في يد ركن الدولة أبي علي بن بويه ووشمكير (^٦)، والموصل وديار ربيعه (^٧) وديار بكر (^٨) في يد بني حمدان (^٩)، ومصر والشام في يد محمد بن طغج (^١٠)، والمغرب وإفريقية في يد أبي تميم (^١١)، والأندلس في يدي الأموي (^١٢)، وخراسان وما وراء النهر في يد
_________________
(١) كان علي بن بويه أحد قواد مرداويج الديلمي، فانفرد عنه وحارب أمير فارس محمد بن ياقوت فهزمه واستولى على مملكة فارس، وهذا أول ظهور بني بويه، وكان أبوه بويه من أوساط الناس. انظر: العبر للذهبي (٢/ ١٣).
(٢) ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان. المصدر السابق (٤/ ٤٥٤).
(٣) انظر: الكامل لابن الأثير (٧/ ١٦ و٣٨).
(٤) كورة معروفة تنسب إلى الجبل وليست منه بل هي أقرب إلى خراسان، انظر: الروض المعطار للحميري (ص ٢٧٨).
(٥) منهم من يفتح الهمزة، وهم الأكثر، وكسرها آخرون، منهم: السمعاني وأبو عبيد البكري الأندلسي: وهي مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، ويسرفون في وصف عظمها حتى يتجاوزوا حدّ الاقتصاد إلى غاية الإسراف، وأصبهان: اسم للإقليم بأسره، انظر: معجم البلدان لياقوت (١/ ٢٠٦).
(٦) وشمكير بن زيار ملك الديلم بعد أخيه مرداويج، وحكم على مدائن الجبل وغيرها، وكان بنو بويه من أمراء أخيه مرداويج، ثم استقلوا عنهم، وقتل وشمكير سنة ٣٥٦ هـ. انظر: المختصر لأبي الفداء الأيوبي (٢/ ١٠٧).
(٧) ديار ربيعة بين الموصل إلى رأس عين، نحو بقعاء الموصل ونصّيبين ورأس عين ودنيسر والخابور جميعه، وما بين ذلك من المدن والقرى وربما جمع ذلك بين ديار بكر وديار ربيعة وسمّيت كلّها ديار ربيعة لأنهم كلهم ربيعة. مراصد الاطلاع للقطيعي (٢/ ٥٤٨).
(٨) ديار بكر ناحية ذات قرى ومدن كثيرة بين الشام والعراق قصبتها الموصل وحران وبها دجلة والفرات. انظر: آثار البلاد للقزويني (١/ ٣٦٨).
(٩) أسرة عربية تغلبية، ينتسبون إلى حمدان بن حمدون التغلبي، كانوا شيعة رافضة، وكانت ابتداء دولتهم في أوائل القرن الرابع الهجري، وحكموا الموصل وحلب وغيرها، ونشروا البدع الرافضية وأخفوا معالم السنة الحنيفية، وانقرضت دولتهم في أواخر ذلك القرن. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٠٥) وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون الإشبيلي (٤/ ٢٩٠).
(١٠) الإخشيد، أبو بكر محمد بن طغج بن جفّ التركي الفرغاني، صاحب مصر والشام، ولي ديار مصر سنة إحدى وعشرين، ثم أضيف إليه دمشق وغيرها في سنة ثلاث وعشرين. والإخشيد بالتركي: ملك الملوك؛ وطغج عبد الرحمن، وهو من أولاد ملوك فرغانة، وكان جدّه جفّ من الترك الذين حملوا إلى المعتصم، فأكرمه وقرّبه. توفي سنة ٣٣٤ هـ. العبر للذهبي (٢/ ٤٥).
(١١) أبو تميم المعز لدين اللَّه مَعَد العبيدي أحد ملوك العبيديين الذين حكموا مصر، توفي سنة ٣٦٥ هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٢٧).
(١٢) أمير المؤمنين الناصر لدين اللَّه عبد الرحمن بن محمد الأموي، دامت دولته خمسين سنة، صاحب الفتوحات الكثيرة، والغزوات المشهورة، وهو أول من تلقب بألقاب الخلافة، وذلك لما بلغه قتل المقتدر، ووهن الخلافة العباسية، فقال: أنا أولى بالاسم والنعت. توفي سنة ٣٥٠ هـ. انظر: السير للذهبي (١٥/ ٥٦٣).
[ ١ / ٢٥ ]
نصر بن أحمد (^١)، وطبرستان (^٢) وجرجان (^٣) في يد الديلم (^٤)، واليمامة (^٥) والبحرين (^٦) في يد أبي طاهر (^٧) الجنابي" (^٨).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حين تولى المقتدر ولم يكن بلغ بعد وهو مبدأ انحلال الدولة العباسية؛ ولهذا سُمِّي حينئذ بأمير المؤمنين الأموي الذي كان بالأندلس، وكان قبل ذلك لا يسمى بهذا الاسم ويقول: لا يكون للمسلمين خليفتان. فلما ولي المقتدر قال: هذا صبي لا تصح ولايته، فسُمي بهذا الاسم، وكان بنو عبيد اللَّه القداح الملاحدة يُسمون بهذا الاسم" (^٩).
_________________
(١) نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقد مرض قبل موته بالسل سنة وشهرا، واتخذ في داره بيتا سماه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا، ويمشي إليه حافيا، ويصلي فيه، ويتضرع ويكثر الصلاة، وكان يجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات ﵀. توفي سنة ٣٣١ هـ. البداية والنهاية لابن كثير (١٥/ ١٥١).
(٢) بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم، خرج من نواحيها من لا يحصى كثرة من أهل العلم والأدب والفقه، والغالب على هذه النواحي الجبال، فمن أعيان بلدانها دهستان وجرجان واستراباذ وآمل، وهي قصبتها، وسارية، وهي مثلها، وشالوس، وهي مقاربة لها، وربما عدّت جرجان من خراسان إلى غير ذلك من البلدان. معجم البلدان لياقوت (٤/ ١٣).
(٣) مدينة جرجان على نهر الديلم. افتتح بلد جرجان سعيد بن عثمان في ولاية معاوية، ثم انغلقت وارتدّ أهلها عن الإسلام حتى افتتحها يزيد بن المهلّب في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان. البلدان لليعقوبي (ص ٩٢).
(٤) المقصود بهم بنو بويه الرافضة. انظر: السير للذهبي (٨/ ٧٦).
(٥) بين اليمامة والبحرين عشرة أيام، وهي معدودة من نجد وقاعدتها حجر، وتسمى اليمامة جوّا والعروض، بفتح العين، وكان اسمها قديما جوّا فسميت اليمامة باليمامة بنت سهم بن طسم. معجم البلدان لياقوت (٥/ ٤٤٢).
(٦) اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان، قيل هي قصبة هجر، وقيل: هجر قصبة البحرين وقد عدّها قوم من اليمن وجعلها آخرون قصبة برأسها، وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة، وربما عدّ بعضهم اليمامة من أعمالها والصحيح أن اليمامة عمل برأسه في وسط الطريق بين مكة والبحرين. معجم البلدان لياقوت (١/ ٣٤٧).
(٧) عدو اللَّه، ملك البحرين، أبو طاهر سليمان بن حسن القرمطي الجنابي الأعرابي، الزنديق، الذي سار إلى مكة في سبع مائة فارس، فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، فقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفا، وسبى الذرية، وأقام بالحرم ستة أيام، بذل السيف في سابع ذي الحجة، وعرى البيت، وأخذ بابه، ورجع إلى بلاد هجر، وبقي الحجر الأسود عندهم نيفا وعشرين سنة ثم هلك بالجدري -لا ﵀- في رمضان سنة ٣٠٢ هـ بهجر كهلا. السير للذهبي (١٥/ ٣٢٠).
(٨) انظر: صلة تاريخ الطبري لعريب القرطبي (١١/ ٣٠٧).
(٩) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٣/ ١٧٨).
[ ١ / ٢٦ ]
لقد ظهرت دول كثيرة واستقلت عن الخلافة العباسية وإن كان بعضها يتبع لها اسميًا فقط، وقد مرَّ بنا سابقًا ذكرُ عدد من تلك الدول كالبويهيين الرافضة والسلاجقة السنية، ونذكر هنا -على سبيل المثال لا الحصر- بعضًا آخر من تلك الدول التي استقلت عن الخلافة العباسية: