فإن النفاق والزندقة والبدع والشركيات، والانحرافات العلمية والعملية، إذا ظهرت وانتشرت، وضعفت مقاومتها والرد عليها، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف الأمة وتناحرها وتشتتها وتسلط الأعداء عليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان بعض المشايخ يقول: هولاكو ملك الترك التتار الذي قهر الخليفة بالعراق وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جدًا يقال: قتل منهم ألف ألف وكذلك قتل بحلب دار الملك حينئذ، كان بعض الشيوخ يقول: هو للمسلمين بمنزلة بخت نصر لبني إسرائيل. وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع، حتى أنه صنف الرازي (^٢) كتابًا في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر سماه "السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم" ويقال: إنه صنفه لأم السلطان علاء الدين محمد بن
_________________
(١) انظر: الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر لمحيي الدين بن عبد الظاهر (ص ٩٩).
(٢) الفخر الرازي المتكلم، صاحب التفسير والتصانيف: محمد بن عمر بن الحسين بن علي القرشي التيمي البكري الإمام، أبو عبد اللَّه وأبو المعالي، المعروف بالفخر الرازي، ويقال له: ابن خطيب الري الفقيه الشافعي أحد المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مائتي مصنف، وكان مع غزارة علمه في فن الكلام يقول: من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز. وقد ذكرت وصيته عند موته، وأنه رجع فيها إلى طريقة السلف، وتسليم ما ورد على الوجه المراد اللائق بجلال اللَّه تعالى، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة ٦٠٦ هـ. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ١١ - ١٢).
[ ١ / ٣٥ ]
تِكش بن جلال الدين خوارزم شاه (^١) وكان من أعظم ملوك الأرض، وكان للرازي به اتصال قوي، حتى أنه وصى إليه على أولاده، وصنف له كتابًا سماه "الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية" وهذه الاختيارات لأهل الضلال بدل الاستخارة التي علمها النبي -ﷺ- المسلمين. . . فلما ظهر بأرض المشرق بسبب مثل هذا المَلِكِ ونحوِهِ ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الإلحاد والبدع سلط اللَّه عليهم الترك المشركين الكفار فأبادوا هذا المَلِكَ وجرت له أمور فيها عبرة لمن يعتبر" (^٢).
وكانت دولة البويهيين من أكبر أسباب انتشار الشرك والرفض والتجهم، وتعظيم القبور وبناء المشاهد عليها، وإظهار شعار الرافضة من الحزن والضرب في يوم عاشوراء، وفي زمنهم كُتبت رسائل إخوان الصفا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا نزاع بين العقلاء أن رسائل إخوان الصفا إنها صنفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبًا من بناء القاهرة" (^٣).
وقال أيضًا: "فلما كان بعد زمن البخاري من عهد بني بويه الديلم فشا في الرافضة التجهم وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورًا كثيرًا وجرى حوادث عظيمة" (^٤).
وقال الذهبي: "منعت الديلم -يعني بني بويه- الناس عن ذكر فضائل الصحابة وكتبوا سب السلف على أبواب المساجد" (^٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حدثت هذه المشاهدُ بعدَ القرونِ المفضلة التي أثنى عليها النبي -ﷺ- القرنِ الذي بُعِث فيهم ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونهم، وإنما انتشرتْ في دولة بني بُوَيْه ونحوهم من أهل البدع والجهل" (^٦).
_________________
(١) مُحَمَّد بن تِكش بن ألب أرسلان بن آتْسِز بن مُحَمَّد بن نوشتِكين، السُّلْطَان علاء الدين خُوَارِزْم شاه، أَبَاد مُلوك العالم، ودانت لَهُ الممالك، واستولى عَلَى الْأقاليم، كَانَ صبُورًا عَلَى التّعب وإدمان السَّيْر، غير مُتَنَعم ولا مُقْبل عَلَى اللذّات؛ إنها تَهْمته في المُلك وتدبيره وحِفْظِه وحفظ رعيته، وَكَانَ فاضلًا، عالمًا بالفقه والْأصول وغيرهما، وَكانَ مُكرِمًا للعلماء محبًا لهم، محسنًا إليهم، يحبّ مناظرتهم بين يديه، ويُعظِّم أهل الدين ويتبرك بهم. توفي سنة ٦١٧ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١٣/ ٥١٥ - ٥٢٥).
(٢) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوي لابن تيمية (١٣/ ١٨٧ - ١٨٢).
(٣) انظر: بغية المرتاد لابن تيمية (ص ٣٢٩).
(٤) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٦/ ٣٦٩).
(٥) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٨/ ٧٦).
(٦) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (٤/ ١٦٣).
[ ١ / ٣٦ ]
وهؤلاء الرافضة البويهيون المشركون هم أول من أظهر تلك المشاهد، حينها حكموا العراق، وأظهروا كثيرًا من البدع والمحدثات، حتى عمَّ الرفض، وكاد الإسلام أن ينمحي وينتقض.
قال الذهبي: "عضد الدولة فناخسرو بن حسن بن بويه الديلمي، كان شيعيًا جلدًا أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال، فنحمد اللَّه على العافية، فلقد جرى على الإسلام في المائة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة، فالأمر للَّه تعالى" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ظهر بنو بويه الأعاجم وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية وفي دولتهم قَويَ بنوا عبيد القداح بأرض مصر، وفي دولتهم أُظهر المشهد المنسوب إلى علي -﵁- بناحية النجف، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي هناك، وإنها دفن علي -﵁- بقصر الإمارة بالكوفة. . . حتى إنهم كانوا يظهرون في دولتهم ببغداد يوم عاشوراء من شعار الرافضة ما لم يظهر مثله، مثل تعليق المسوح على الأبواب، وإخراج النوائح بالأسواق، وكان الأمر يفضي إلى قتال تعجز الملوك عن دفعه" (^٢).
وقال ابن كثير في أحداث سنة ٣٥٨ هـ: "استقرت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين، كما سيأتي، وأُذِّنَ فيها: حي على خير العمل، أكثر من سبعين سنة، وكتبت لعنة الشيخين -﵄، ولعن من لعنهما- على أبواب الجوامع بها وأبواب المساجد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (^٣).
ولم يكن في دول الإسلام من الشر والضلال والبدع والشرك مثل ما كان في الدولة البويهية، فقد كانت على العكس تمامًا من جميع الدول الإسلامية، وفيها من أصناف البدع والمحدثات والشركيات ما كان له أكبر الأثر على الخلافة العباسية والأمة الإسلامية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي دولة بني بويه ونحوهم الأمر بالعكس؛ فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة، قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يُعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك وجرت حوادث كثيرة" (^٤).
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٦/ ٢٥٠ - ٢٥٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٧/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٥/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٢٢).
[ ١ / ٣٧ ]
وتسلُّطُ الأعداءِ لم يكن من الشرق فحسب، بل من جهة الغرب أيضًا من النصارى الحاقدين، فبدأت الحروب الصليبية، واحتلوا بلدانًا إسلامية في الشام وفي مصر، حتى احتلوا بيت المقدس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية شيئًا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة، إلى أن تولى نور الدين الشهيد وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره والجهاد لأعدائه، ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم، وجرت فصول كثيرة إلى أن أُخذت مصر من بني عبيد أخذها صلاح الدين" (^١).