١ - المماليك البحرية، وقد حكموا مصر والشام من عام (٦٤٨ هـ - ٧٨٤ هـ).
وسبب نشأتهم أن الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراهم وأحضرهم إلى مصر واتخذهم جندًا له لكي يحمونه ويدافعون عنه، وأيضًا ليتقوى بهم في أي قتال قد يطرأ ضده.
قال المقريزي: "والملك الصَّالح هو الذي أنشأ المماليك البحرية بديار مصر؛ وذلك أنه لما مر بِهِ مَا تقدم ذكره في الليلة التي زَالَ عنهُ مُلكه بتفرُّق الأكراد وغيرهم من العَسكَر عَنهُ حتى لم يثبت مَعَه سوى مماليكه رعي لَهُم ذَلِك، فَلَمَّا استولى على مملكة مصر أَكثر من شِرَاء المماليك وجعلهم مُعظم عسكره وقبض على الْأُمَرَاء الذين كَانُوا عِنْد أَبِيه وأخيه واعتقلهم وَقطع أخبازهم وَأعْطي مماليكه الإمريات فصاروا بطانته والمحيطين بدهليزه وَسَمَّاهُمْ بالبحرية لسكناه مَعَه فِي قلعة الرَّوْضَة على بَحر النّيل" (^٣).
وكان لهم دورٌ عظيم في رد الغزو المغولي التتري على بلاد الشام، وكذلك رد الحملات الصليبية. وأول مَن حكم منهم هو الملك المعز عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحي التركماني (^٤). وآخرهم الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان، حيث توفي في عام ٨١٤ هـ (^٥).
_________________
(١) انظر: الكامل لابن الأثير (١٠/ ٣٨).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٣٠٧).
(٣) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (١/ ٤٤١).
(٤) الملك المعز التركماني أيبك بن عبد اللَّه الصالحي الملك المعز عز الدين المعروف بالتركماني كان مملوك الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراه في حياة أبيه الكامل وتنقلت به الأحوال عنده ولازمه في الشرق وغيره وجعله جاشنكيره وكان عز الدين أيبك معروفا بالسداد وملازمة الصلاة ولا يشرب خمرا وعنده كرم وسعة صدر ولين جانب وهو من أوسط الأمراء فاتفقوا وسلطنوه سنة ٦٤٨ هـ، توفي مقتولًا سنة ٦٥٥ هـ. انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٩/ ٢٩٣ - ٢٦٥) والمختصر لأبي الفداء الأيوبي (٣/ ١٨٣).
(٥) السلطان الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان ابن الأمير الملك الأمجد حسن بن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون وهو الرابع والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، تسلطن بعد وفاة أخيه سنة ٧٨٣ هـ، تسلطن مرتين وخلع مرتين، وتوفي سنة ٨١٤ هـ. انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (١١/ ٣٨٠).
[ ١ / ٣٣ ]
٢ - المماليك البُرجية: وقد حكموا من عام (٧٨٤ هـ - ٩٢٣ هـ).
وسبب تسميتهم بالبرجية هو أن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي قد استكثر منهم حتى بلغوا سبعة آلاف، وأنزلهم معه، وجعلهم في أبراج القلعة وسماهم البرجية (^١).
وأول من تسلطن منهم السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد برقوق بن آنص الجركسي (^٢) "وكان ابتداؤها يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة، فكان أول ملوك الجراكسة بمصر الظاهر برقوق بن آنص العثماني" (^٣).
وقال ابن العماد: "فيها كان ابتداء دولة الجراكسة، فإنه خُلع الصالح القلاووني، وتسلطن برقوق، ولقّب الظّاهر، وهو أول من تسلطن من الجراكسة" (^٤).
وآخرهم السلطان الأشرف طومان باي (^٥) آخر سلاطين المماليك الشراكسة في مصر، فقد توفي مشنوقًا بعد أن قبض عليه السلطان العثماني سليم خان (^٦) عام ٩٢٣ هـ (^٧).
_________________
(١) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (٢/ ٢١٨).
(٢) برقوق بن آنص بن عبد اللَّه الجركسي العثماني، انفرد برقوق بتدبير أمور المملكة إلى أن دخل شهر رمضان سنة أربع وثمانين وهو في غضون ذلك يدبر أمر الاستقلال بالسلطنة إلى أن تم له ذلك، فجلس على تخت الملك في ثامن عشر الشهر المذكور ولقب بالملك الظاهر، وخلع من السلطة وبعد حروب عاد إليها متمكنًا، استقرت قدمه في المملكة إلى أن مات على فراشه في ليلة النصف من شعبان سنة ٨٠١ هـ، وكان شهمًا شجاعًا ذكيًا خبيرًا بالأمور إلا أنه كان طماعًا جدًا لا يقدم على جمع المال شيئًا ولقد أفسد أحوال المملكة بأخذ البذل على الولايات حتى وظيفة القضاء والأمور الدينية، وكان جهوري الصوت كث اللحية واسع العينين عارفًا بالفروسية خصوصًا اللعب بالرمح، وكان يحب الفقراء ويتواضع لهم ويتصدق كثيرًا ولا سيما إذا مرض، وأبطل في ولاياته كثيرًا من المكوس. انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (٢/ ٦٦ - ٦٩).
(٣) انظر: بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس (١/ ٣١٢).
(٤) انظر: شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٨/ ٦٧٨).
(٥) الملك الأشرف طومان باي الجركسي ابن أخي الغوري، وقع بينه وبين السلطان سليم حروب يطول ذكرها، ثم سلّم نفسه طائعا فقتل بباب زويلة، وأمر السلطان سليم بدفنه بجانب مدفن الغوري المشهور، وبه انقرضت دولة الجراكسة. المصدر السابق (١٠/ ١٦١).
(٦) السلطان الأعظم سليم، فاتح مصر والشام وسائر ممالك العرب في سنة ٩١٧ هـ، فأقام تسع سنين وثمانية أشهر، وتوفي سنة ٩٢٦ هـ، وكان سلطانًا قهارًا، وملكًا جبارًا، كثير السفك قوي البطش، كثير الفحص عن أخبار الناس، ولما فرغ من دفن والده، خرج لقتال أخيه أحمد، فهزم عسكره وأسره، ثم أمر بخنقه، ثم قتل إخوته جميعًا وأولادهم، حتى تم أمره. انظر: نزهة الناظرين في تاريخ من ولي مصر من الخلفاء السلاطين لمرعي بن يوسف الكرمي (ص ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٧) انظر: بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس (٥/ ١٧٩).
[ ١ / ٣٤ ]
وقد عاش الإمام أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن المحب الصامت في القرن الثامن الهجري كما سبق بيانه، وحينما ولد كانت الشام في ذلك الوقت تحت الحكم المملوكي، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون ﵀.
وعاش إلى عهد السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق بن آنص الجركسي حيث توفي في عام ٧٨٩ هـ رحمه اللَّه تعالى.
وكان عصر المماليك من العصور القوية التي استطاع المسلمون فيها دحر القوات المغولية، وكذلك الحملات الصليبية، بالإضافة إلى إرجاعهم للخلافة العباسية التي سقطت في العراق، وتنصيبهم للخليفة العباسي في مصر (^١).
وظهرت كذلك جهود العلماء في الدفاع عن الإسلام وأهله ونشر العلم الشرعي وبذله.
ومع هذا كله فقد تخلل ذلك عدد من الفتن الداخلية بسبب التنافس على السلطة بين حكام المماليك، كما سيأتي بيان شيء من ذلك إن شاء اللَّه تعالى.