فبعد مقتل تُتُش بن ألب أرسلان تولى حلب ابنه رضوان (^٣)، وتولى دمشق ابنه الآخر دُقَاق (^٤)، وبدأ الصراع حين حاول رضوان أن يستولي على دمشق حين غاب عنها أخوه دُقاق، وذلك في سنة ٤٨٩ هـ، فحاصرها ولم يتمكن من دخولها لحصانتها وشدة مقاومة جندها فرجع إلى حلب (^٥).
لم ينس دُقاق ما فعله أخوه رضوان من محاولة الاستيلاء على دمشق، وعندما لجا إليه القائد ياغي سيان (^٦) صاحب أنطاكية مغاضبًا ومفارقًا الرضوان، حسَّن له محاصرة حلب والاستيلاء عليها جزاءً لمحاصرته دمشق، فلقيت تلك الدعوة قبولًا واستحسانًا من دُقاق، فاستعد لمحاصرة حلب فالتقى الفريقان واقتتلا فانتصر رضوان وهرب دُقاق ورجع لدمشق، ثم تصالحا بعد ذلك (^٧).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٨٩).
(٢) انظر: العبر للذهبي (٢/ ٣٩٦).
(٣) رضوان بن تتش بن ألب رسلان، قدم دمشق بعد موت أخيه دقاق فحاصرها وقرر له الخطبة والسكة فلم يستتب أمره وعاد إلى حلب وأقام بها وجرت منه أمور غير محدودة في قتال الفرنج، وظهر منه الميل إلى الباطنية، واستعان بهم بحلب، وكان لما ملك حلب قد قتل أخويه: أبا طالب وبهرام ابني تتش، ومات في ٢٨ من جمادى الآخرة سنة ٥٠٧ هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (١٨/ ١٥٣).
(٤) شمس الملوك أبو نصر دقاق بن السلطان تاج الدولة تتش بن السلطان ألب آرسلان السلجوقي التركي، تملك بعد مقتل أبيه سنة ٤٨٧ هـ، فكان في حلب، فطلبه خادم أبيه ونائب قلعة دمشق سرا من أخيه رضوان صاحب حلب، فبادر دقاق وجاء، فتملك، ثم أشار عليه زوج أمه طغتكين الأتابك بقتل خادمه المذكور ساوتكين لتمكنه، فقتله، ثم أقبل رضوان أخوه محاصرا لدمشق، فلم يقدر عليها، فترحل، ثم استقل دقاق، ثم عرض له مرض تطاول به إلى أن مات سنة ٤٩٧ هـ. انظر: السير للذهبي (١٩/ ٢١٠).
(٥) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٢١٥).
(٦) كان حاكمًا لأنطاكية، وتقدمت منه في حق بعض أتباعه إساءة، فتواطأوا مع الإفرنج لدخول انطاكية، ووجدوا الفرصة في برج من أبراج البلد مما يلي الجبل باعوه للأفرنج واطلعوهم إلى البلد منه في الليل وصاحوا عند الفجر فانهزم باغي سيان وخرج في خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص، وسقط عن فرسه على الأرض فحمله بعض أصحابه وأركبه فلم يثبت على ظهر الفرس وعاود سقط فمات. سنة ٤٩١ هـ. انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٢٢٠).
(٧) انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ٤١٢) باختصار وتصرف.
[ ١ / ٤٨ ]
لكن رضوان لم يقنع بهذا الصلح، على رغم قبوله به، فهو يريد أن يكون مَلِكَ الشام الوحيد، فقبل بالدعوة الباطنية من رسول الدولة العبيدية بأن يقطع الدعوة للخليفة العباسي ويدعوا للمستنصر باللَّه العبيدي (^١) حاكم مصر ويدخل في طاعته، على أن يُمدوه بالمال والسلاح لكي يستولي على دمشق (^٢).
وكان ذلك سببًا لانتشار الباطنية في حلب واشتداد شوكتهم، وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب في أيامه، وتابعهم خلق كثير على مذهبهم طلبًا لجاههم، وصار كل من أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم التجأ إليهم (^٣).
وفي هذا الوقت بسبب التناحر والاقتتال والتنافس على السلطة تمكن الفرنج (^٤) الصليبيون ولأول مرة من احتلال أنطاكية.
قال أبو شامة: "وفي مدة تلك الحروب ظهرت الفرنج بالساحل وملكوا أنطاكية أولًا ثم غيرها من البلاد" (^٥).
وقال ابن الوردي: "مَلَكَ الفرنج عكا بالسيف بعد قتال شديد، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة. . . هذا وملوك الشام مشتغلون بقتال بعضهم بعضا" (^٦).
وقال ابن الأثير: "استطال الفرنج -خذلهم اللَّه تعالى- بما ملكوه من بلاد الإسلام، واتفق لهم اشتغال عساكر الإسلام وملوكه بقتال بعضهم بعضًا، تفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأموال" (^٧).
_________________
(١) المستنصر باللَّه، أبو تميم معدّ بن الظاهر علي العبيدي الرافضي، صاحب مصر، وكانت أيامه ٦٠ سنة وأربعة أشهر، وقد خطب له ببغداد، في سنة ٤٥١ هـ، ومات في ذي الحجة، عن ٦٨ سنة. عام ٤٨٧ هـ العبر للذهبي (٢/ ٣٥٦).
(٢) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (ص ٢١٧).
(٣) انظر: زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم (ص ٢٥٩).
(٤) انظر: العبر للذهبي (٢/ ٣٩٦).
(٥) انظر: عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية لأبي شامة (١/ ١٠١).
(٦) انظر: تاريخ ابن الوردي (٢/ ١٤) باختصار.
(٧) انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ٤٩٧).
[ ١ / ٤٩ ]