فكان أهل الشام في عصر المماليك لا يختلفون عن أهل مصر من حيث أنهم مغلوبون على أمرهم، يخضعون لحكَّام استأثروا بالحكم والوظائف، وحرمتهم من المشاركة في أمور البلاد، وقد انقسم أهل بلاد الشام الأصليون إلى قسمين:
_________________
(١) انظر: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لسعيد بن عبد الفتاح عاشور (ص ٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ١ / ٨١ ]
أ - حضر: وهم أهالي المدن والقرى الشامية، وقد اشتغلوا بالنشاط الاقتصادي من صناعة وتجارة وزراعة، وكان كل ما يطمعون به هو أن يليَ أمرَهم نائب عادل يُحسن معاملتهم ولا يحرمهم حقوقهم، ومن الواضح أن النشاط الاقتصادي الذي نهض به اخضر من أهل الشام تطلب نوعًا من الاستقرار والهدوء، مما جعلهم يجنحون إلى مسالمة المماليك ولا يحاولون الخروج عن طاعتهم أو المشاركة في الثورات التي اعتاد أن يقوم بها نواب الشام بين حين وآخر، وبخاصة عند قيام سلطان جديد بمصر.
ب - البدو: وقد تألفوا من العشائر المنتشرة في بادية الشام، وكان لكل عشيرة أفخاذها وبطونها، ونتيجة للحروب التي كانت تعصف بالشام فقد كان أولئك البدو يحالفون التتار مرة والمماليك مرة أخرى، لينجوا بأنفسهم وقومهم من سطوة المنتصر منهم، مع أنهم مخطئون في ولائهم للتتار الكفار. هذا بالإضافة إلى وجود العصبيات العنصرية ببلاد الشام والتي كان لها تأثر كبير: كالأكراد والتركمان والأرمن، وكذلك وجود العصبيات الدينية والمذهبية والتي كان لها دور كبير في الأحداث التي شهدتها بلاد الشام (^١).
وكانت مصر والشام تنعم بالأمن والأرزاق في كثير من الأحيان، لما يتحلى به السلاطين والملوك من الفضل والبر والإحسان.
وكانت أيام الملك الأشرف شعبان -المذكور- بهجة، وأحوال الناس في أيامه هادئة مطمئنّة، والخيرات كثيرة، على غلاء وقع في أيامه بالديار المصرية والبلاد الشامية، ومع هذا لم يختلّ من أحوال مصر شيء لحسن تدبيره، ومشي سوق أرباب الكمالات في زمانه من كل علم وفن ونفقت في أيامه البضائع الكاسدة من الفنون والملح، وقصدته أربابها من الأقطار، وهو لا يَكلُّ من الاحسان إليهم في شيء يريده وشيء لا يريده، حتى كلّمه بعض خواصه في ذلك، فقال ﵀: أفعل هذا لئلا تموت الفنون في دولتي وأيامي" (^٢).
ومع ذلك فقد حصل في بعض الأزمان أحوال قاسية جدًا، ففي عام ٧١٨ هـ حصل في بعض بلدان العراق قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وجور الكفار، وزوال النعم، وحلول النقم.
قال ابن كثير: "ووصلت الأخبار في المحرم من بلاد الجزيرة وبلاد الشرق بغلاء عظيم، وفناء شديد، وقلة الأمطار، وجور التتار، وعدم الأقوات، وغلاء الأسعار، وقلة النفقات، وزوال النعم، وحلول النقم،
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (ص ٣١٢ - ٣١٤).
(٢) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (١١/ ٨٢).
[ ١ / ٨٢ ]
بحيث إنهم أكلوا ما وجدوه من الجمادات، والحيوانات، والميتات، وباعوا حتى أولادهم وأهاليهم، فبيع الولد بخمسين درهما وأقل من ذلك، حتى إن كثيرًا من الناس كانوا لا يشترون من أولاد المسلمين تأثمًا، وكانت المرأة تصرح بأنها نصرانية، ليُشتري منها ولدُها لتنتفع بثمنه، ويحصل لها من يطعمه فيعيش، وتأمن عليه من الهلاك، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (^١).
وفي عام ٧٢٥ هـ في شهر جمادى الأولى حصل في بغداد هلاك عظيم بسبب الغرق المهول الذي وقع بها، وأفنى كثيرًا من الناس.
قال الذهبي: "في جمادى الأولى كان غرق بغداد المهول، وبقيت كالسفينة، وساوى الماء الأسوار، وعمل في سد السكور كل أحدٍ، ودثرت الحواضر، وغرق أممٌ من الفلاحين، وعظمت الاستغاثة باللَّه، ودام خمس ليال، وعملت سكورة فوق الأسوار، ولولا ذلك لغرق جميع البلد، وليس الخبر كالعيان، وقيل: تهدم بالجانب الغربي نحو خمسة آلاف بيت، ومن الآيات أن مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه فإن الماء دخل في الدهليز علو ذراع، ووقف بإذن اللَّه، وبقيت البواري عليها غبار حول القبر، صح هذا عندنا، وجر السيل أخشابًا كبارًا، وحيات غريبة الشكل صعد بعضها في النخل، ولما نضب الماء نبت على الأرض شكل بطيخ كطعم القثاء" (^٢).
وفي عام ٧٤٩ هـ حصل طاعون عامٌّ ووباءٌ شديدٌ أدى لموت كثير من الناس، وبقيت النعوش تنتظر أيامًا لكي تُدفن، وذلك لكثرة الأموات.
قال ابن كثير: "وتواترت الأخبار بوقوع الوباء في أطراف البلاد، وكذا وقع بغزة أمر عظيم في أوائل هذه السنة. وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفا، وقرئ "البخاري" في ربعة يوم الجمعة بعد الصلاة سابع ربيع الأول في هذه السنة، وحضر القضاة، وجماعة من الناس، وقرأت بعد ذلك المقرئون، ودعا الناس برفع الوباء عن البلاد، وذلك أن الناس لما بلغهم من حلول هذا المرض في السواحل، وغيرها من أرجاء البلاد - يتوهمون ويخافون من وقوعه بمدينة دمشق حماها اللَّه وسلمها، مع أنه قد بلغهم أنه قد مات جماعة من أهلها بهذا الداء. . .وفي هذا الشهر أيضًا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزاد الأموات في كل يوم على المائة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإذا وقع
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٧٥).
(٢) انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (٤/ ٧١ - ٧٢).
[ ١ / ٨٣ ]
في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم، ولكنه بالنظر إلى كثرة أهل البلد قليل، وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير، وجم غفير، ولا سيما من النساء فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت في سائر الصلوات، والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع، وخشوع، وتضرع، وإنابة، وكثرت الأموات في هذا الشهر جدًا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وتضاعف عدد الموتى منهم، وتعطلت مصالح الناس، وتأخرت الموتى عن إخراجهم، وزاد ضمان الموتى جدًا، فتضرر الناس ولا سيما الصعاليك؛ فإنه يؤخذ على الميت شيء كثير جدًا، فرسم نائب السلطنة بإبطال ضمان النعوش، والمغسلين، والحمالين، ونودي بأبطال ذلك في يوم الاثنين سادس عشر ربيع الآخر، ووقفت نعوش كثيرة في أرجاء البلد، واتسع الناس بذلك، ولكن كثرت الموتى، فاللَّه المتسعان، وفي يوم الاثنين الثالث والعشرين منه نودي في البلد أن يصوم الناس ثلاثة أيام، وأن يخرجوا في اليوم الرابع، وهو يوم الجمعة إلى عند مسجد القدم يتضرعون إلى اللَّه، ويسألونه في رفع الوباء عنهم، فصام أكثر الناس، ونام الناس في الجامع، وأحيوا الليل كما يفعلون في شهر رمضان، فلما أصبح الناس يوم الجمعة السابع والعشرين منه، خرج الناس من كل فج عميق إلى الصحراء، واليهود والنصارى، والسامرة، والشيوخ، والعجائز، والصبيان، والفقراء، والأمراء، والكبراء، والقضاة، من بعد صلاة الصبح، فما زالوا هنالك يدعون اللَّه تعالى حتى تعالى النهار جدًا، وكان يومًا مشهودًا" (^١).
وقال ابن الوردي: "وسمي طاعون الأنساب وهو سادس طاعون وقع في الإسلام" (^٢).
وقال أبو المحاسن: "كان الوباء العظيم. . . وعمّ الدنيا حتى دخل إلى مكّة المشرّفة، ثم عمّ شرق الأرض وغربها، فمات بهذا الطاعون بمصر والشام وغيرهما خلائق لا تحصى" (^٣).
وفي عام ٧٦٢ هـ في أول شهر صفر منه حصل فيضان النيل وتسبب في حصول مستنقعات كثيرة أدت إلى فناء كثير من الناس حتى هرب السلطان خارج البلد خشية الموت.
قال ابن كثير: "في أول صفر اشتهر فيه وتواتر خبر الفناء الذي بالديار المصرية، بسبب كثرة المستنقعات من فيض النيل عندهم، على خلاف المعتاد، فبلغنا أنه يموت من أهلها كل يوم فوق الألفين، فأما
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١٨/ ٥٠٢ - ٥٠٤).
(٢) انظر: تاريخ ابن الوردي (٢/ ٣٤٠).
(٣) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (١٠/ ٢٣٣).
[ ١ / ٨٤ ]
المرض فكثير جدًا، وغلت الأسعار؛ لقلة من يتعاطى الأشغال، وغلا السكر والمياه والفاكهة جدًا، وتبرز السلطان إلى ظاهر البلد، وحصل له تشويش أيضًا ثم عوفي بحمد اللَّه" (^١).
وقال أبو المحاسن: "ومات في هذا الوباء جماعة كثيرة من الأعيان وغيرهم، وأكثرهم كان لا يتجاوز مرضه أربعة أيام إلى خمسة، ومن جاوز ذلك يطول مرضه، وهذا الوباء يقال له: الوباء الوَسَطيّ أعني بين وباءين" (^٢).
ما أن تعافي الناس من شر هذا الوباء إِلا وهجم عليهم الجراد بعد ثلاث سنين وذلك في عام ٧٦٥ هـ، فأفنى محاصيلهم الزراعية، ووقع الغلاء، وحصل الفناء، وكثر البكاء، وزاد الهم والعناء، وفُقِدَ كثيرٌ من الأصحاب والأصدقاء، وقلَّت الثمار، وغلت الأسعار.
قال ابن كثير: "وفي العشر الأول من رجب وجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد، وتراكم، وتضاعف، وتفاقم الأمر بسببه، وسد الأرض كثرة، وعاث يمينا وشمالا، وأفسد شيئًا كثيرًا من الكروم، والمقاثي، والزروعات التنفيسة، وأتلف للناس شيئًا كثيرًا، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. . . وعدم للناس غلات كثيرة، وأشياء من أنواع الزروع؛ بسبب كثرة الجراد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وفي هذا الشهر كثر الوباء والفناء في الناس، وبلغت العدة إلى السبعين، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. . . وكثر الجراد في البساتين، وعظم الخطب بسببه، وأتلف شيئًا كثيرًا من الغلات، والثمار، والخضراوات، وغلت الأسعار، وقلت الثمار، وارتفعت قيم الأشياء. . . واستهل شوان والجراد قد أتلف شيئًا كثيرًا من البلاد، ورعي الخضراوات، والأشجار، وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الأسعار، واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وفقدنا كثيرًا من الأصحاب والأصدقاء" (^٣). وهذا ما قضاه اللَّه وقدره، فلا مهرب ولا مفر منه، والأمر للَّه من قبله ومن بعده.
* * *
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٧٥).
(٢) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (١٠/ ٣١١).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٦٨٨ - ٦٩١) باختصار.
[ ١ / ٨٥ ]