استمرت الفتوحات الإسلامية، واعتنى الخلفاء الراشدون بالجهاد في سبيل اللَّه، وكذلك خلفاء الدولة الأموية، والدولة العباسية، وانتشر الإسلام انتشارًا واسعًا في الشرق والغرب، وسقطت في وقت مبكر أكبر امبراطوريتين: الأكاسرة المجوس والقياصرة الرومان، وكان لذلك أكبر الأثر على الصليبيين، فخافوا منه خوفًا عظيمًا، ولم يستطيعوا أن يبدؤا المسلمين بأي غزو أو قتال.
لكن لما ضعفت الدولة العباسية، وكثرت الدول المستقلة عنها، وتسلط عليها الرافضة والقرامطة والباطنية، وأصبحت لهم دول كالدولة البويهية، والدولة العبيدية في المغرب ثم في مصر، ويتبع لها بعض دول الشام.
حينذاك بدأ الصليبيون بالعزيمة على غزو العالم الإسلامي.
فتزعمت البابويةُ الدعوةَ لتوحيد صفوف النصارى في الشرق والغرب وشنَّ حرب شاملة ضد المسلمين، وكسرَ شوكتهم، واستردادَ القدسَ من أيديهم.
والذي تولى كبرها والدعوة إليها هو البابا أوربان الثاني (^٢)، فقد دعا للحملة الصليبية في عدة مدن أوربية، حيث كان يتنقل من مدينة إلى مدينة، وألقى عدة خطابات بهذا الشأن (^٣).
_________________
(١) انظر: الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوي لابن تيمية (١٣/ ١٧٨).
(٢) أوربان الثاني فرنسي الأصل، وقد كان راهبًا ربيطًا بمدينة كلوني الفرنسية. انظر: الحروب الصليبية لمحمد العروسي (ص ٤٦).
(٣) انظر: الحملة الصليبية الأولى وفكرة الحروب الصليبية. جوناثان سميث (ص ٣٤) ترجمة محمد الشاعر.
[ ١ / ٣٨ ]
"وعقد لذلك عدة مجامع، من آخرها مجمعًا في مدينة كلارمون (^١) الفرنسية في عام ٤٨٨ هـ، ولبى الدعوة كثير من الأمراء ورؤساء الكنائس والفرسان ووفود الملوك، زيادة على العامة والطغاة، وعُقد فيه عدة جلسات، لتأكيد ذلك الأمر وشحذ هممهم لقبولها والبدء بها" (^٢). وقد تم بالفعل الإعداد لهذه الحملة وجمع العدة والعتاد.
وبدأت الحروب الصليبية في عام ٤٩٠ هـ، فكانت بلدة "نيقية" (^٣) هي أول بلدة يحتلونها.
"وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الافرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرةً وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها. . . وقد كان الافرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا نيقية وهي أول مكان فتحوه فلم يفوا له بذلك ولا سلموها إليه على الشرط، وافتتحوا في طريقهم بعض الثغور والدروب" (^٤).
قال الذهبي: "ووصلوا إلى فامية (^٥)، وكَفِرْطَاب (^٦)، واستباحوا تلك النّواحي، فكان هذا أوّل مظهر الفرنْج بالشّام، قدِموا في بحر القُسطنطينيّة في جَمْعٍ عظيمٍ، وانزعجت الملوك والرّعيّة، وعظُم الخَطْب" (^٧).
وفي عام ٤٩١ هـ احتل الصليبيون أنطاكية (^٨)، وحاصروا معرة النعمان (^٩)، فدخلوها وقتلوا ونهبوا (^١٠)، حتى قيل: إنهم قتلوا من أهلها مائة ألف إنسان (^١١).
وفي عام ٤٩٢ هـ سقط بيت المقدس في يد الصليبيين وذلك في يوم الجمعة ١٣ شعبان.
_________________
(١) مدينة فرنسية بأعلى نهر لالور. انظر: الحروب الصليبية في المشرق والمغرب لمحمد العروسي المطوي (ص ٤٧).
(٢) انظر: نفس المصدر (ص ٤٦ - ٤٧).
(٣) من أعمال استنبول. وهي المدينة التي اجتمع بها آباء الملة المسيحية، فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر. آباء يزعمون أن المسيح كان معهم في هذا المجمع، وهو أول المجامع لهذه الملة. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٦٠٨).
(٤) انظر: تاريخ دمشق لابن القلانسي (١/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٥) مدينة كبيرة وكورة من سواحل حمص، وقد يقال لها أفامية، بالهمزة في أوله. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٢٣٣).
(٦) بلدة بين المعرّة ومدينة حلب في بريّة معطشة. المصدر السابق (٤/ ٤٧٠).
(٧) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٠/ ٤٨٥).
(٨) مدينة عظيمة بالشام على ساحل البحر حسنة الموضع كريمة البقعة ليس بعد دمشق أنزه منها داخلًا وخارجًا. انظر: الروض المعطار للحميري (ص ٣٨).
(٩) بليدة بين حلب وحماة، كثيرة التين والزيتون. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٢٧٢).
(١٠) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (١٧/ ٤٣).
(١١) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (٥/ ١٤٦).
[ ١ / ٣٩ ]
قال ابن الجوزي: "أخذ الإفرنج بيت المقدس في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان، وقتلوا فيه زائدًا على سبعين ألف مسلم، وأخذوا من عند الصخرة نيفًا وأربعين قنديلا فضة كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنور فضة وزنه أربعون رطلًا بالشامي، وأخذوا نيفًا وعشرين قنديلا من ذهب، ومن الثياب وغيره ما لا يحصى، وورد المستنفرون من بلاد الشام، وأخبروا بما جرى على المسلمين، وقام القاضي أبو سعد الهروي (^١) قاضي دمشق، وأورد كلامًا أبكى الحاضرين، وندب من الديوان من يمضي إلى العسكر ويعرفهم حال هذه المصيبة، ثم وقع التقاعد فقال أبو المظفر الأبيوردي (^٢) قصيدة في هذه الحالة فيها:
وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونها … على هَفَواتٍ أيقَظَتْ كُلَّ نائِمِ
وإخوانكم بالشَّامِ يُضحي مقيلهمْ … ظهورَ المذاكي أو بطونَ القشاعمِ
تَسُومُهُمُ الرُّومُ الهَوانَ وأنتُمُ … تجرُّونَ ذيلَ اخفضِ فعلَ المسالمِ
إلى أن قال:
وتلكَ حروبٌ من يَغبْ عن غِمارها … لِيَسْلَمَ يَقْرَعْ بَعْدَها سِنَّ نادِمِ
يَكادُ لَهُنَّ المُسْتَجِنُّ بِطَيْبَةَ … يُنادِي بِأَعْلَى الصَّوْت: يا آلَ هاشِمِ
أرى أمَّتي لا يُشرعونَ إلى العدا … رِماحَهُمُ، وَالدِّينَ واهِي الدَّعائِمِ
ويجتنبونَ النَّارَ خوفًا منَ الرَّدى … ولا يحسبونَ العارَ ضربةَ لازمِ
أترضى صناديدُ الأعاريبِ بالأذى … ويُغضي على ذلٍّ كماةُ الأعاجمِ
فليتهمُ إذْ لم يذودوا حميَّةً … عنِ الدِّينِ ضنُّوا غيرةً بالمحارمِ
وإنْ زهدوا في الأجرِ إذْ حميَ الوغى … فهلَّا أتوهُ رغبةً في الغنائمِ" (^٣)
_________________
(١) محمد بن نصر بن منصور، القاضي أبو سعد الهروي الحنفي قدم دمشق ووعظ بها، ثم توجه إلى بغداد فولي قضاء الشام، وعاد قاضيا فأقام مدة، ثم رجع إلى العراق، وقد ولي القضاء في مدن كثيرة بالعجم، وكان في صباه يؤدب الصبيان، ثم ترقت حاله وبلغ ما بلغ، وكان من دهاة العالم، قتلته الباطنية لعنهم اللَّه بجامع همدان في هذه السنة ٥١٨ هـ. انظر: التاريخ للذهبي (١١/ ٢٩٧).
(٢) العلامة أبو المظفر محمد بن أحمد الأموي، العنبسي، المعاوي الأبيوردي، اللغوي شاعر وقته وصاحب التصانيف، قال يحيى بن منده: سئل الأديب أبو المظفر عن أحاديث الصفات؟ فقال: تُقَرُّ وتُمَرُّ. توفي سنة ٥١٢ هـ. انظر: السير للذهبي (١٩/ ٢٨٤).
(٣) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (١٧/ ٤٨).
[ ١ / ٤٠ ]
وفي عام ٤٩٤ هـ ملَكَ الفِرَنجُ مدينة سروج (^١) من ديار الجزيرة، فقتلوا أهلها وسبوهم، وملكوا أيضًا أرسوف (^٢) بساحل عكا (^٣) وقيسارية (^٤). ولم تكد تخل سنة من السنين من اعتداءات صليبية على بلاد المسلمين.
وكان من تقدير اللَّه ولطفه -ومنذ ذلك العام وما بعده- أن أقامَ لجهادهم مَلِكَ دمشق الملك ظهير الدين طُغْتِكِين (^٥) المتوفي سنة ٥٢٢ هـ فرد كثيرًا من العدوان الصليبي على بلاد الشام.
قال الذهبي: "لولا أن اللَّه أقام طُغْتِكِين للإسلام بإزاء الفرنج، وإلا كانوا غلبوا على دمشق، فقد هزمهم غير مرة" (^٦).
وكذلك أقام اللَّه تعالى أيضًا القائد كمشتكين بن الدانشمند (^٧) فقد كان له بطولات ومعارك حاسمة هزم فيها الصليبيين، وردَّ بها عددا من الحملات الصليبية فرجعت خاسرة مهزومة.
قال ابن الأثير في أحداث سنة ٤٩٣ هـ: "في ذي القعدة من هذه السنة لقي كُمُشْتِكِينُ بن الدانشمند بيمند الفرنجي (^٨) -وهو من مقدمي الفرنج- قريب مَلَطْيَةُ (^٩)، وكان صاحبها قد كاتبه واستقدمه إليه، فورد
_________________
(١) بلدة قريبة من حرّان، من ديار مضر، بينها وبين البيرة مرحلة في الجبال. انظر: مراصد الاطلاع للقطيعي (٢/ ٧١٠).
(٢) مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. انظر: معجم البلدان لياقوت (١/ ١٥١).
(٣) مدينة كبيرة، من ثغور الشام، وهي قاعدة مدن الافرنج بالشام، ومحطَ الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مجمع السفن والرفاق، وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، أخذها الفرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المائة السادسة فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للنواقس. انظر: الروض المعطار للحميري (ص ٤١٠).
(٤) قيسارية بلد على ساحل بحر الشام تعدّ في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام. انظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٤٢١).
(٥) طغتكين، الأمير أبو منصور، المعروف بأتابك، من أمراء تاج الدولة، زوجه بأم ولده دقاق، وكان مع تاج الدولة لما سار إلى الري القتال ابن أخيه، فلما قتل تاج الدولة رجع إلى دمشق، وصار أتابك دقاق، فلما مات دقاق تملك بدمشق، وكان شهما، مهيبا، شديدا على الفرنج والمفسدين. انظر: التاريخ للذهبي (١١/ ٣٧٨).
(٦) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٩/ ٥١٩).
(٧) كمشتكين بن الدانشمند طايلو، وإنما قيل له ابن الدانشمند لأن أباه كان معليا للتركان وتقلبت به الأحوال، حتى ملك، وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما. انظر: الكامل لابن الأثير (٨/ ٤٣٨).
(٨) بيمند بن بيمند بن بيمند متملك طرابلس الفرنجي، كان جده نائبا لبنت صنجل الذي تملك طرابلس من ابن عمار في حدود الخمسمائة، فتغلب هذا على البلد لبعدها عنه، ثم استقل بها ولده، ثم حفيده هذا، ولما توفي دفن في كنيسة طرابلس ولما فتحها المسلمون في سنة ٦٨٨ هـ نبش الناس قبره، وأخرجوه منه، وألقوا عظامه على المزابل للكلاب. انظر: البداية لابن كثير (١٧/ ٥١٨).
(٩) بفتح أوله وثانيه، وسكون الطاء، وتخفيف الياء، والعامة تقوله بتشديد الياء وكسر الطاء، هي من بناء الإسكندر وجامعها من بناء الصحابة: بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام وهي للمسلمين. انظر: معجم البلدان لياقوت (٥/ ١٩٢).
[ ١ / ٤١ ]
عليه في خمسة آلاف، فلقيهم ابن الدانشمند، فانهزم بيمند وأُسِر، ثم وصل من البحر سبعة قيامصة من الفرنج، وأرادوا تخليص بيمند، فأتوا إلى قلعة تُسمى أنكورية (^١)، فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين، وساروا إلى قلعة أخرى فيها وحصروها، فجمع ابن الدانشمند جمعًا كثيرًا، ولقي الفرنج، وجُعل له كمينًا، وقاتلهم وخرج الكمين عليهم، فلم يفلت أحد من الفرنج، وكانوا ثلاثمائة ألف، غير ثلاثة آلاف هربوا ليلًا وأفلتوا مجروحين وسار الدانشمند إلى ملطية، فملكها وأسَرَ صاحبها، ثم خرج إليه عسكر الفرنج من أنطاكية، فلقيهم وكسرهم، وكانت هذه الوقائع في شهور قريبة" (^٢).
وكذلك من الأبطال المعدودين -الذين قهروا الفرنج وافتتحوا بلدانًا وحصونًا كان قد احتلها الصليبيون- السلطان عماد الدين زنكي بن آقْسُنْقُرَ التركي.
قال الذهبي: "واستنقذ من الفرنج كفر طاب والمعرة ودوخهم، وشغلهم بأنفسهم، ودانت له البلاد، وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا كأبيه، عظيم الهيبة. . . وكان يضرب بشجاعته المثل، لا يَقِرُّ ولا ينام. . . وافتتح مدائن عدة، ودوخ الفرنج، وكان أعداؤه محيطين به من الجهات، وهو ينتصف منهم ويستولي على بلادهم" (^٣).
وقام بالأمر بعده خير قيام ابنه الملك العادل السلطان نور الدين محمود، ثم تولى بعده زمامَ ذلك السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، وقد مَرَّ معنا سابقًا الإشارة إلى ذلك.
وفي عام ٦٦٢ هـ نازل السلطان الملك الظاهر بيبرس مدينة قيسارية الشام وأخذها من الفرنج، ثم سار إلى أرسوف وفتحها بالسيف وطرد الفرنج منها (^٤).
وكان السلطان الملك الظاهر بيبرس، أسدًا ضاريًا عظيم الجهاد والفتوحات، فلقد هزم الفرنج مرات عديدة، واستنقذ منهم حصونًا كثيرة وبُلدانًا عديدة، تزيد على الأربعين حصنًا وبلدًا (^٥).
وفي عام ٦٨٨ هـ فُتحت مدينة طرابلس (^٦)، على يد السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، فنازل طرابلس يوم الجمعة مستهل ربيع الأول، وحاصرها بالمجانيق حصارًا شديدًا، وضيقوا على أهلها تضييقًا
_________________
(١) أَنْقِرَة اسم للمدينة المسماة أنكورية. انظر: معجم البلدان لياقوت (١/ ٢٧١).
(٢) انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (٨/ ٤٣٨).
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ١٨٩ - ١٩٠).
(٤) انظر: الإعلام والتبيين في خروج الفرنج الملاعين على ديار المسلمين. لأحمد بن علي الحريري (ص ١٠١).
(٥) انظر: المصدر السابق (ص ١٠٦).
(٦) مدينة على شاطئ بحر الروم، عامرة كثيرة الخيرات والثمرات. انظر: آثار البلاد للقزويني (ص ٤٠٨).
[ ١ / ٤٢ ]
عظيمًا، ونصب عليها تسعة عشر منجنيقًا، فلما كان يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر فتحت طرابلس في الساعة الرابعة من النهار عنوة، وشمل القتل والأسر جميع من فيها، وغرق كثير من أهل الميناء ونهبت الأموال، وبيت النساء والأطفال، وأخذت الذخائر واخواصل، وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثلاثٍ وخمسمائة إلى هذا التاريخ (^١).
وفي سنة ٦٩٠ هـ فُتحت عكا وبقية مدن السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مُدد متطاولة على يد السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون (^٢)، وقد أنشد الرئيس الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان (^٣) قصيدة بهذه المناسبة يقول فيها:
اللَّه أكبر ذلَّت دولةُ الصُّلُبِ … وعَزَّ بالتركِ دينُ المصطفى العربي
ما بعد عكا وقد هُدَّت قواعدها … في البحر للشرك عند البر من أرَبِ
عقيلةٌ ذهبت أيدي الدهور بها … دهرًا وشدَّت عليها كفُّ مغتربِ
لم يبق من بعدها للكفر مذ خرجت … في البر والبحر ما يُنجي سِوى الهرَبِ (^٤)
وفي عام ٦٩١ هـ افتتح السلطان الملك الأشرف خليل قلعة الروم بالسيف قهرًا في يوم السبت حادي عشر رجب، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق وزُينت البلد سبعة أيام، وكان الفتح بعد حصار عظيم جدًا، مدة ثلاثة وثلاثين يومًا، وكانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقًا.
وقد أنشد أيضًا شهاب الدين محمود بن سليمان بهذه المناسبة قصيدة يمدح فيها الملك الأشرف خليل، على هذا الفتح الجليل، يقول فيها:
كأنَّ مَثَارَ النَّقْعِ لَيلٌ وَخَفْقَهَا … بُرُوقٌ وأَنتَ البَدرُ والفَلَكُ الجَثْرُ
وَفَتحٌ أتَى في إثْرِ فَتحِ كأنَّمَا … سَمَاءٌ بَدَتْ تَتْرَى كَوَاكبُهَا الزُّهْرُ
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٦١٦).
(٢) انظر: موجز تاريخ الحروب الصليبية. لمصطفى وهبة (ص ٥٨).
(٣) محمود بن سليمان بن فهد، القاضي الأوحد البارع العلامة البليغ شهاب الدين أبو محمد الحلبي، ولد سنة ٦٤٤ هـ، كتب بخطه المنسوب الكثير للناس، وساد أهل عصره في الترسل والإنشاء، وترقت حاله إلى أن قر بديوان الإنشاء بمصر، ثم جعل صاحب الديوان الشامي، وكان يكتب التقاليد المطولة بديها بلا مسودة مع التواضع والسكون وكثرة الفضائل، توفي سنة ٧٢٥ هـ. انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٣٣٠).
(٤) انظر: الإعلام والتبيين. للحريري (ص ١٠٧ - ١٠٨).
[ ١ / ٤٣ ]
فَكَمْ قَطَعَتْ طَوْعًا وَكَرْهًا مَعَاقِلًا … مَضَى الدَّهْرُ عَنْهَا وَهْيَ عَاِنسَةٌ بِكْرُ
بَذَلْتَ لَهَا عَزْمًا فَلَوْلَا مَهَابَةٌ … كَسَاهَا الحَيَا جَاءَتْكَ تَسْعَى وَلَا مَهْرُ
قَصَدتَ حِمًى مِنْ قَلْعَةِ الرُّومِ لَمْ يُبَحْ … لِغَيرِكَ إِذْ غَرَّتْهُمُ المُغْلُ فاغْتَرُّوا
وَوَالُوهُمْ سِرًّا لِيُخْفُوا أَذَاهُمُ … وفي آخِرِ الأمرِ اسْتَوَى السِّرُّ والجَهْرُ
صَرَفْتَ إلَيهِمْ هِمَّةً لو صَرَفَتَها … إلى البَحَر لَاستَولَى عَلَى مَدِّهِ الجَزْرُ
وما قَلعَةُ الرُّومِ الَّتِي حُزْتَ فَتْحَهَا … وإنْ عَظُمَتْ إلَّا إِلَى غَيْرِهَا جِسْرُ
طَلِيعَةُ مَا يَأْتِي مِنَ الفَتْحِ بَعدَهَا … كما لَاح قَبلَ الشَّمسِ في الأُفُقِ الفَجْرُ (^١)
وهذه -وللَّه الحمد والمنة- كانت نهاية الوجود الصليبي في بلاد الشام.
وفي عام ٧٠٢ هـ فُتحت جزيرة أرواد (^٢) على يد السلطان الملك الناصر محمد قلاوون، وهي جزيرة في بحر الروم قبالة أنطرطوس (^٣)، قريبًا من الساحل، اجتمع فيها جمع كثير من الفرنج، وبنوا فيها سورًا وتحصنوا في هذه الجزيرة، وكانوا يطلعون منها ويقطعون الطريق على المسلمين، المترددين في ذلك الساحل، فأُرسل أسطول إليها، من الديار المصرية في بحر الروم، ووصلت إليها في المحرم من هذه السنة، وجرى بينهم قتالٌ شديد، ونصر اللَّه المسلمين وملكوا الجزيرة المذكورة، وقتلوا وأسروا جميع أهلها، وخربوا أسوارها، وعادوا إلى الديار المصرية بالأسرى والغنائم (^٤).
وهكذا انتهت الحروب الصليبية في تلك العصور بعد مدة قرنين من الزمان، حيث أبعدهم اللَّه تعالى وأزالهم، وهيأ لذلك السلاطين والملوك الأفذاذ، والمجاهدين الأبطال، رحمهم اللَّه تعالى ورضي عنهم، فلله الحمد والمنة.
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٦٥٠).
(٢) اسم جزيرة في البحر قرب قسطنطينية، غزاها المسلمون وفتحوها في سنة ٥٤ مع جنادة بن أبي أمية في أيام معاوية بن أبي سفيان وأسكنها معاوية. انظر: معجم البلدان الياقوت (١/ ١٦٢).
(٣) انطرسوس وهي على ضفة البحر صغيرة القدر بها أسواق عامرة وتجارات دائرة ومنها إلى حصن المرقب وهو على جبل منحاز من كل ناحية وبين حصن المرقب وانطرسوس ثمانية أميال. انظر: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق لمحمد الإدريسي (٢/ ٦٤٤).
(٤) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الأيوبي (٤/ ٤٧).
[ ١ / ٤٤ ]