بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي تعالى عن الشريك والمثل والكفؤ والنديد، والحمد لله الذي لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وهو فعال لما يريد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة خلقت لأجلها الجن والإنس من إماء وعبيد، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالملة الحنيفية القيمة وخالص التوحيد، اللهم فصلِّ وسلم على سيدنا محمد قاطع ذرائع الكفر وحبائل التقليد، وعلى آله وصحبه الآخذين بسنته والمقتدين بأمره في المدن والقرى والبيد، وعلى العدول الحاملين لهذا العلم النافين عنه تحريف كل غالٍ عنيد، وانتحال كل مبطل مريد، وتأويل كل جاهل ضديد١.
أما بعد فإني وقفت على الرسالة التي جمعها الشيخ أحمد بن زيني دحلان، أنقذه الله من دحلان الخذلان، وسماها (الدرر السنية، في الرد على الوهابية) ورأيت مؤلفها يدَّعي في ديباجة رسالته الباطلة الساقطة الدنية الردية، أنه جمع فيها ما تمسك به أهل السنة في زيارة النبي ﷺ والتوسل به من الدلائل والحجج القوية، من الآيات والأحاديث النبوية، فتعجبت منه التعجب الصراح، كيف وليس في الباب حديث واحد حسن فضلًا عن الصحاح، فتأملت فيها تأمل الناقد البصير، لكي أعلم أنه هل صدق في تلك الدعوى أم كذب كذب المجادل الضرير، فوجدت دعواها عارية عن لباس الصدق والحق المبين، محلاة بحلية الزور والكذب والباطل المهين، فإنه ليس فيها من الأحاديث إلا ما أورده التقي السبكي (في شفاء الأسقام) ٢ وهي دائرة بين الاحتمالات الثلاثة السقام: إما موضوعة عملتها أيدي الوضاع اللئام، أو ضعاف واهية رواها من وسم بمثل كثرة الغلط والخطأ والأوهام، أو شيء يسير من الصحيح والحسن في زعمه قاصر
_________________
(١) ١ مبالغة من الضد. ٢ سماه في (الصارم) شفاء السقام، وذكر في هذا الكتاب بالاسمين، فتركناه على أصله في كل موضع فليعلم.
[ ٢٠ ]
عن إفادة المرام، كما بين ذلك كله الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في (الصارم المنكى)، وليس فيها من الآيات والأحاديث الصحاح والحسان ما يدل على المطلوب المحكي، وكان حقًا على المؤلف تعاطي واحد مما يذكر، لئلا يعد كلامه مما يهجر وينكر: إما إيراده لأحاديث صحيحة أو حسن دالة على المطلوب غير ما أورده في الشفاء١، أو الإجابة عما تكلم به عليها صاحب الصارم وغيره من الأئمة الأذكياء. وإذ لم يفعل هذا ولا ذاك فليس لها فائدة، ولا يؤول هذا الطول إلى منفعة وعائدة.
ومن عجائب صنيعه أن المؤلف مع زعمه أنه من جملة المقلدين، يستدل بالأدلة الشرعية وهو منصب المجتهدين، فعنَّ لي أن أنبه على ما وقع فيه من مساوئ المفاهيم وزخارف الأقوال، وأراجيف الاستدلال، لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا خبرة له بحقائق علم السنة من المتون والرجال، فالله أستعين وأقول، وبه أحول وبه أصول.
قوله: "اعلم رحمك الله تعالى أن زيارة قبر نبينا ﷺ مشروعة".
أقول: لا نزاع لنا في نفس مشروعية زيارة قبر نبينا ﷺ، وأما ما نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ من القول بعدم مشروعية زيارة قبر نبينا ﷺ فافتراء بحت٢، قال الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي في (الصارم المنكى): وليعلم قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض أن شيخ الإسلام ﵀ لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه، ولم ينه عنها، ولم يكرهها، بل استحبها وحض عليها، ومصنفاته ومناسكه طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور، قال ﵀ في بعض مناسكه:
_________________
(١) ١ يعني شفاء الأسقام الذي مر ذكره آنفًا. ٢ كما علم ذلك يقينًا كل من اطلع على كتابيه (الجواب الباهر) و(الرد على الأخنائي) .
[ ٢١ ]
وقال: بسم الله، والصلاة على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلي بها ويدعو بما شاء، ثم يأتي قبر النبي ﷺ فيستقبل جدار القبر لا يمسه ولا يقبله، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ليكون قائمًا وجاه النبي ﷺ، ويقف متباعدًا كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون منكس الرأس وغاض الطرف، مستحضرًا بقلبه جلالة موقفه، ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًا ورسولًا عن أمته، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، ليغبطه به الأولون والآخرون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد: اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه شربًا١ لا نظمأ بعده أبدًا.
"ثم يأتي أبا بكر وعمر ﵄ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وضجيعيه ورحمة الله وبركاته، جزاكما الله عن صحبة نبيكما وعن الإسلام خيرًا ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ . قال ويزور قبور أهل البقيع وقبور الشهداء إن أمكن".
هذا كلام الشيخ ﵀ بحروفه، انتهى ما في الصارم.
وقال في موضع آخر: وقد قال الشيخ ﵀ في منسك له صنفه في أواخر عمره٢:
_________________
(١) ١ الذي في كتاب الصارم المنكى المطبوع "مشربًا رويًا". ٢ في عبارته مخالفة قليلة لهذا المنسك المطبوع بمصر سنة ١٣٢٤.
[ ٢٢ ]