ودعوته إلى التوحيد
قال الشيخ حسين بن غنام الاحسائي في (روضة الأفكار والإفهام، لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام):
أما نسبه رحمه الله تعالى، وأفاض عليه سحائب غفرانه ووالى، فهو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، ولد رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية في بلد العيينة من البلدان النجدية، فأنبته الله نباتًا حسنًا، وجلا به عن طرف الدهر وسنا، وبقي بعد سن الطفولة زمنًا يتعلم في تلاوة القرآن، معتزلًا في غالب الأوقات لعب الصبيان، ولهو الجهال والغلمان، حتى حفظ القرآن عن ظهر قلبه قبل بلوغ العشر، وكان حاد الفهم سريا وقاد الذهن ذكيًا، سريع الحفظ، فصيح اللفظ، ألمعي الفطنة.
اشتغل في العلم على أبيه وجد في الطلب، وأدرك بعض الأرب، وهو في بلد العيينة في تلك الحال، قبل رحلته لطلب العلم والارتحال، وتطوافه له في كثير من البلاد، حتى نال منه المراد، وفاز بالسعد والإسعاد، وحاز الرشد والإرشاد.
[ ٤٠٠ ]
وكان والده قد توسم ذلك، ويحدث بذلك ويبديه: ويؤمل ذلك منه ويرجوه، كما حدث به سليمان أخوه، قال: كان عبد الوهاب أبوه يتعجب من فهمه وإدراكه، قبل بلوغه وإدراكه، ومناهزته الاحتلام وأفراكه، ويقول أيضًا: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام، أو قريبًا من هذا الكلام.
وقد كتب والده إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه يثني فيه عليه وأن له فهمًا جيدًا أو لديه، ولو يلازم الدرس سنة على الولاية، لظهر في الحفظ والإتقان آية، وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام، قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام، ورأيته أهلًا للصلاة بالجماعة والإئتمام، فقدمته لمعرفته بالأحكام، وزوجته بعد البلوغ في ذلك العام، ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف لذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام، وأدى المناسك على التمام، ثم قصد مدينته ﵊، وأقام فهيا شهرين ثم رجع بعد ذلك، فائزًا بأجر الزيارة والمناسك، وأخذ في القراءة على والده في الفقه على مذهب الإمام أحمد، فسلك فيه الطريق الأحمد، ورزق مع الحفظ سرعة الكتابة، فكان يحير أصحابه، بحيث أنه يخط بالخط الفصيح في المجلس الواحد كراس١، من غير سآمة ولانصب ولا التباس.
ثم بعد ذلك رحل في العلم وسار، وجد في الطلب إلى ما يليه من الأمصار، وما يحاذيه من الأقطار، فزحم فيه العلماء الكبار، وأشرق طالعه واستنار، وصار لهلاله إقمار، فوطئ الحجاز والبصرة لذلك مرر، وإلى الإحساء لتكل الأوطار وأخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المديني وأجازه من طريقين، وأول حديث سمعه منه الحديث المشهور المسلسل بالأولية، نقلت من خطه ما نصه. اهـ. الخ
وأيضًا قال فيه: وقد سمع ﵀ الحديث والفقه من جماعة بالبصرة كثيرة، وقرأ بها النحو وأتقن تحريره، وكتب الكثير من اللغة والحديث في تلك الإقامة،
_________________
(١) ١ لم ينصب كلمة كراس أجل النطق بها ساكنة لمناسبة السجع، وهي لغة ربيعة، وسيأتي مثل هذا في أسجاعه، وكتبه محمد رشيد رضا.
[ ٤٠١ ]
ويحث على طريق الهدى والاستقامة، وكان أكثر لبثه لأخذ العلم بالبصرة ومقامه، وقد نشر للتوحيد فيها لدى بعض الناس أعلامه، وحقق لهم في ذلك الشأن إتقانه وإعلامه، وأوضح لهم سبيله وأحكامه، فقال إن الدعوة كلها لله، يكفر من صرف شيئًا منها إلى سواه، وإذا ذكر أحد بمجلسه بشارات الطواغيت والصالحين، الذين كانوا يعبدونهم مع رب العالمين، نهاه عن ذلك وزجره، وبين له الصواب وحذره، وقال له: محبة الأولياء والصالحين إنما هي اتباع هديهم وآثارهم، والاستنارة بضياء أنوارهم، لا صرف الحقوق الربانية، إلى الأجسام الوثنية، وقد وقع ذلك بمجلسه مرة فأبدى للقائل نهيه وزجره، وأظهر عليه أغلاطه ونكره، فتغير وجه القائل وحال، واستغرب ذلك المقال، وقال: إن كان ما يقوله حقًا هذا الإنسان، فالناس ليسوا على شيء من زمان.
قال ﵀: وكان ناس من مشركي البصرة يأتون إلي، بشبهات يلقونها علي، فأقول وهم قعود لدي: لا تصلح العبادة كلها إلا لله، فيبهت كل منهم فلا ينطق فاه.
ثم رجع بعد ذلك السفر، فإذا والده عبد الوهاب قد رفض سكنى العيينة وهجر، واختار سكنى حريملا فأقام بها واستقر، فأقام فيها مع أبيه، يعلن بالتوحيد ويبديه، وينادي بإبطال دعوة غير الله ويفشيه، وينصح من عدل عن الحق والرشاد، ويسلك في ذلك سبيل السداد، ويزجر الناس عن الشرك والباطل والفساد، حتى رفع الله شأنه فساد، وجد رحمة الله في تعليم الواجب وبذل المناصحة للخاص والعام، ونشر شرائع الإسلام، ومهد سنة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأزال ما غطى القلوب من رين الشرك الذي هو أعظم الذنوب، وكشف الذنوب المظلمة للناس، وأماط أذى اللبس والالتباس، ويحذرهم إن داموا على ما هم فيه من وقوع النقمة والبأس، ورفض منهج الغلول والخيانة، وأدى من العلم الأمانة، وترك ما كان علماء السوء قبله له سالكون وفي قعره العميق راكسون، وفي أرجائه المغبرة ماكثون، وخشي الوقوع في تغليظ الوعيد، كما نطق به القرآن المجيد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
[ ٤٠٢ ]
اللاعِنُونَ﴾ . فأي وعيد فوق هذا الوعيد، وأي تهدي وراء هذا التهديد؟ كلا ما على لعنة من مزيد، فلله دره من جهبذ عالم وداع إلى التوحيد قائم، وناصح لله ملازم، ومجدد لتلك المشاهد السنية والمعالم، ومحي لآثار سلفية لم يبق منها سوى الأطلال والمراسم، ومميت لبدع رفضية، شابهت المجوسية، وأمور شركية، اعتقدها أكثر البرية، أمروًا حسنة دينية، فأقاموا بها أعيادًا ومواسم، وعكفوا عليها والأغلب لها سائم، ولتشييدها والذب عنها رائم، فانتدب هذا الإمام الذي أضحى الحق بهديه مشرقًا باسم، والباطل بحججه مظلمًا سادم، مناديًا على رءوس العوالم، بإخلاص العبادة وتنكير الإشراك والمظالم، وإبطال دعوة غيره من نبي وولي وظالم وحاكم، فلم يخف في الله لومة لائم، حتى نال من ولاه المنح العظائم، والعطايا الكرام الجسائم. اهـ.
وأيضًا قال فيه:
[ ٤٠٣ ]