(الأولى): أنه -﵀- لما تظاهر بذلك الأمر والشأن في تلك الأوقات والأزمان، والناس قد أشربت منهم القلوب، بمحبة المعاصي والذنوب، وتولعوا بما كانوا عليه من العصيان، وقبائح الأهواء الغالبة على كل إنسان، لم يسرع لها لسان، ولم يصم منه لب وجنان، على تكفير أولئك العربان، بل توقف تورعًا عن الإقدام في ذلك الميدان، حتى نهض عليه جميع العدوان، وماجوا وصاحوا بتكفيره وجماعته في جميع البلدان، ولم يتثبتوا فيما جاءوا من الإفك والبهتان، ولم يكترثوا بما حكوا عليه من الزور، وما اقترفوه من الفجور، بل كان لهم على شنيع ذلك المقال، إقدام وإسراع وإقبال، ولم يأمر بسفك دم ولا قتال، على أكثر أهل الأهواء والضلال، حتى بدءوه بالحكم عليه وأصحابه بالقتل والتكفير وكان ذلك سبب حسن العاقبة للإمام من العليم الخبير، ومساعدة القضاء له والتدبير، وشؤم ذلك على الأعداء الذين تمالؤا على ذلك الأمر المبير، الذي كانت عقباه عليهم الهلاك والتدمير: ﴿جَزَاءً
[ ٤٠٣ ]
بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
نعم ثبت لدينا، ونقل نقلًا صحيحًا إلينا أنهم هم الذين شهدوا على أنفسهم وألقوها في مظالم قعر المهالك، ونظموا أرواحهم مع الكفار في تلك المسالك، وألحقوا من عند أنفسهم بأولئك، فقالوا إن كان كفرًا الذي نفعل من الدعوات والاعتقادات بأهل القبور، في تلك الأزمنة الماضية والدهور، فنحن كفار ضلال، من غير ريب ولا إشكال، ولقد لهج بتلك الأحوال ذوو الأحلام منا والجهال، فهم الذين ألزموا أنفسهم بتلك المقالة، ووسموا أنفسهم بميسم الكفر والضلالة. اهـ.
[ ٤٠٤ ]