١. قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر به فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه؛ أو لم يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا؛ بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية.» (^٢)
٢. حديث الرجل من بني إسرائيل الذي أمر أهله بإحراقه، وإليك نصه، عن أبي هريرة؟ عن النبي -ﷺ- قال:
_________________
(١) انظر: المفردات، ص ١٠٢
(٢) مجموع الفتاوى، (١١/ ٤٠٦).
[ ٤٠ ]
"كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال البنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له». (^١)
قال الحافظ ابن عبد البر؟: (… وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ) ثم استدل على ذلك بسؤال الصحابة؟ وعن القدر (^٢) ثم قال: (ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، … ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه). (^٣)
وقال الإمام ابن حزم؟ بعدما ذكر الحديث:
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الأنبياء باب «أم حسبت أن أصحاب الكهف الرقيم» (٨/ ٥٩٢) ٣٤٨١ واللفظ له، ومسلم كتاب التوبة (٤/ ٢١٠٩) ٢٧٥٦.
(٢) من ذلك: عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال فقال «نعم». قال قيل ففيم يعمل العاملون قال «كل ميسر لما خلق له». صحيح مسلم كتاب القدر (٨/ ٤٨) ٦٩٠٧).
(٣) التمهيد، (١٨/ ٤٦).
[ ٤١ ]
(… فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله ﷿ يقدر
على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله). (^١)
٣. ومن الأحاديث أيضا ما رواه عبد الله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي -ﷺ- قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله -ﷺ-: «فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». (^٢) قال الإمام الشوكاني في التعليق على الحديث: «وفي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلا لغير الله لم يكفر».) (^٣)
_________________
(١) الفصل، (٣/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٩٥) واللفظ له، وابن حبان (٩/ ٤٧٩) وأحمد بن حنبل (٤/ ٣٨١)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٩٢) والشاشي في مسنده (٣/ ٢٣١)، والبزار (٢/ ١٣٣) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٢٨٥): "هذا إسناد ضعيف الضعف علي بن زيد بن جدعان في إسناده علي بن زيد وهو ضعيف ولكن للحديث طرف آخر رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده هكذا بزيادة في أوله كما ذكره في زوائد المسانيد العشرة، وله شاهد من حديث طلق بن علي رواه الترمذي والنسائي ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث أم سلمة»، وقال الألباني عن: حسن صحيح كما في صحيح سنن ابن ماجة (٤/ ٣٥٣) وينظر صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ١٩٧).
(٣) نيل الأوطار (٦/ ٢٣٤).
[ ٤٢ ]
٤. حديث أبي واقد الليثي؟ قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر وكانوا أسلموا يوم الفتح قال: فمررنا بشجرة قلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط، وكان للكفار سدرة يعكفون حولها، ويعلقون بها أسلحتهم، يدعونها ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي ﷺ قال: «الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم.» (^١)
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀-: (… وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي -ﷺ- لو لم يطيعوه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٧٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٤٦)، وأحمد (٥/ ٢١٨)، وابن حبان (١٥/ ٩٤)، والطيالسي (٢/ ٦٨٢) وابن أي شيبة (٨/ ٦٣٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٧٦٣) وفي التفسير (٢/ ٤١٥)، والحميدي (٢/ ٣٥٧)، وأبو يعلى (٣/ ٣٠)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٦) والبيهقي في المعرفة (١/ ٧٥)، والأزرقي في أخبار مكة (١/ ٩٨)، والطبري في التفسير (١٣/ ٨١، ٨٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦/ ١٦٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٦)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (١/ ١٢٤)، والمروزي في السنة (١/ ٦١)، وعبد الله الأنصاري في ذم الكلام وأهله (٣/ ١١٠) وصححه الألباني كما في المشكاة (٣/ ١٧٤) وظلال الجنة (١/ ٣١).
[ ٤٣ ]
واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع
في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها فتفيد لزوم التعلم والتحرز … وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنبه على ذلك، فتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي -ﷺ-». (^١)