• المتأول المعذور بخطئه: المجتهد إذا أصاب فله أجران. وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، والمتأول مجتهد. فهل هو مأجور معذور في خطئه دائما وأبدا؟
بين أيدينا عدد من النصوص يفهم منها:
أن المتأول المخطئ يعذر إذا كان الحامل له على تأويله دليل مسوغ في الظاهر. وإن كان خاطئا في حقيقة الأمر. وقد عقد البخاري بابا فيما جاء في المتأولين في كتاب «استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم» في صحيحه، وذكر فيه أربعة أحاديث تدل على الحالة التي يعذر فيها المتأول ولا يؤاخذ فيها بخطئه. فذكر:
_________________
(١) الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الرحمن المحمود ص ١٢٧.
[ ٦٠ ]
١. حديث إنكار عمر بن الخطاب على هشام بن حكيم قراءته سورة الفرقان على غير ما أقرأه إياها رسول الله
-ﷺ- وتكذيبه له في أنه سمعها من الرسول -ﷺ- (^١).
ووجه الشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم ينكر على عمر تكذيبه لهشام بن حكيم وقسوته عليه بجره من تلابيبه، لأن عمر كان معذورا، لظنه أن القرآن لا تتعدد وجوه قراءته.
فعمر أخذ بظاهر الحال فكان تأويله سائغا قال ابن حجر: "ومناسبته للترجمة من جهة أن النبي -ﷺ- لم يؤاخذ عمر بتكذيب هشام، ولا بكونه لببه بردائه، وأراد الإيقاع به، بل صدق هشاما فيما نقله، وعذر عمر إنكاره، ولم يزد على بيان الحجة في جواز القراءتين» (^٢).
٢. وحديث تأويل الصحابة للظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، على عمومه وأن ذلك شق عليهم حتى فسره لهم الرسول -ﷺ- بأنه الشرك كما في آية لقمان ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
_________________
(١) صحيح البخاري بشرح العسقلاني ١٢/ ٢١٦.
(٢) المرجع السابق ١٢/ ٣٢٣.
[ ٦١ ]
والشاهد في الحديث: هو أن الصحابة كانوا معذورين في فهمهم حين حملوا الظلم على إطلاقه وعمومه وهو كل المعاصي لأنه هو المعنى الظاهر المألوف في لسان العرب. فكان تأويلا سائغا وإن كان خاطئا في حقيقة الأمر. ولذلك لم ينكر -ﷺ- عليهم فهمهم ذلك.
قال ابن حجر: «ووجه دخوله في الترجمة من جهة أنه -ﷺ- لم يؤاخذ الصحابة بحملهم الظلم في الآية على عمومه حتى يتناول كل معصية، بل عذرهم لأنه ظاهر في التأويل، ثم بين لهم المراد بما رفع الأشكال» (^١).
٣. وحديث عتبان بن مالي يقول: " غدا علي رسول الله -ﷺ- فقال رجل: أين مالك بن الدخشن؟ فقال رجلٌ منا: ذلك منافقٌ لا يحب الله ورسوله. فقال النبي -ﷺ-: «ألا تقولوه يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» قال: بلى. قال: " فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار».
والشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم يؤاخذ القائلين في حق مالك بن الدخشن بما قالوا حيث وصفوه بالنفاق بل بين أن إجراء أحكام الإسلام على الظاهر دون ما في الباطن (^٢).
٤. الحديث الذي طلب فيه عمر بن الخطاب من رسول -ﷺ- أن
_________________
(١) فتح الباري ١٢/ ٣١٨.
(٢) المصدر السابق.
[ ٦٢ ]
يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة بعد أن أرسل إلى قريش يخبرهم بمسير الرسول -ﷺ- إليهم لفتح مكة، فطلب عمر ضرب عنقه قائلا: «أنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين» وفي بعض الروايات وصفه بالنفاق وفي بعضها الآخر بالكفر (^١).
والشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم ينكر ولم يؤاخذ عمر بإغلاظه القول لحاطب بسبب مكاتبته قريشا، ووصفه له بالخيانة، بل عذره لأن ظاهر الحال كان يدل على ذلك (^٢)
فإن التجسس على الجيش المسلم بما يؤدي إلى إفشال خطته بالكامل والإيقاع به لا يفعله عادة إلا منافق أو كافر خائن، فلذلك لم يوبخ الرسول -ﷺ- عمر على قوله وهمه بقتله.