لما كان الأصل في المسلم العدالة، جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من إطلاق الكفر على شخص بعينه ما لم تجتمع الشروط
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (١/ ١) ١، ومسلم الإمارة (٦/ ٤٨) ٥٠٣٦.
(٢) ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله القرني ص ٢٧٥.
[ ٣٠ ]
وتنتفي الموانع، ومن الأحاديث المحذرة من تكفير المسلم:
١. عن عبد الله بن عمر؟ أن رسول الله -ﷺ- قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (^١).
وفي رواية عند ابن حبان عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: «ما أكفر رجل رجلا قط إلا باء أحدهما بها إن كان كافرا وإلا كفر بتكفيره». (^٢)
وفي تأويل الحديث أوجه: أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر.
والوجه الثاني: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.
والثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا الوجه نقله القاضي عياض خلاله عن الإمام مالك بن أنس.
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الأدب/ باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٥/ ٢٢٤٦) ٥٧٥٣ ومسلم كتاب الإيمان (١/ ٦٥) ٢٢٥.
(٢) صحيح ابن حبان (١/ ٤٨٣)، وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٠٢)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١/ ٢٠)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٢)، قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره (٣/ ٣٥).
[ ٣١ ]
والوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفرايني في كتابه المخرج على صحيح مسلم: «فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر» وفي رواية «إذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر على أحدهما» (^١).
الوجه الخامس: ورجح الحافظ ابن حجر معنى آخر، واستحسنه: أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر فإنه يكفر بذلك .. فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه «وجب الكفر على أحدهما ". (^٢)
٢. وجاء عند البخاري من حديث ثابت بن الضحاك عن النبي -ﷺ- قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا
_________________
(١) ينظر شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٣).
(٢) فتح الباري ١٧/ ١٩٩
[ ٣٢ ]
بكفر فهو كقتله» (^١)
٣. وعن جندب؟ أن رسول الله حدث: «أن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال من ذا الذي يتألي (^٢) علي، أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك». أو كما قال (^٣)
٤. وعن أبي ذر؟ أنه سمع النبي -ﷺ-، يقول: " لا يرمي رجلٌ رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك» (^٤).
وعن أبي ذر أيضا أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعي ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك
إلا حار (^٥) عليه» (^٦).
_________________
(١) كتاب الأدب/ باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٥/ ٢٢٦٤) ٥٧٥٤.
(٢) يتألى: يحلف والألية اليمين. شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٧٤).
(٣) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب (٨/ ٣٦) ٦٨٤٧.
(٤) أخرجه البخاري كتاب الأدب/ باب ما ينهى من السباب واللعان (٥/ ٢٢٤٧) ٥٩٦٨.
(٥) حار عليه: رجع عليه، والحور الرجوع. إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (١/ ٢٢٤).
(٦) أخرجه مسلم كتاب الإيمان (١/ ٧٥) ٢٢٦.
[ ٣٣ ]
٥. وجاء عن معاذ بن جبل (^١)، وحذيفة (^٢)؟ قال: قال
رسول الله -ﷺ-: "أخوف ما أخاف عليكم ثلاث: رجل قرأ كتاب الله حتى إذا رئيت عليه بهجته وكان ردءا للإسلام، أعاره الله إياه، اخترط سيفه فضرب به جاره، ورماه بالشرك، قلنا يا رسول الله الرامي أحق بها أم المرمي؛ قال الرامي» (^٣).
ولما سئل علي بن أبي طالب؟ عن أهل النهروان أمشركون هم؟ قال: «من الشرك فروا، فسئل: أمنافقون هم؟ قال:
_________________
(١) أخرجه الطبراني المعجم الكبير (١٤/ ٤٩٧)، وفي المسند الشاميين (٢/ ٢٥٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٥٨). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤)، وفي الديات (١/ ٩١)، وعبد الأنصاري في ذم الكلام وأهله (١/ ١٠٢)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٢)، وقال الهيتمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٦): رواه الطبراني في الكبير والصغير بنحوه وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف يكتب حديثه. وعلق الشيخ حمود التويجري على كلام الهيتمي في إتحاف الجماعة (١/ ٣٢٥) قال: قد وثقه أحمد وابن معين وحسبك بتوثيقها، ووثقه أيضا العجلي ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان، وروى له البخاري تعليقا ومسلم، وصحح الترمذي حديثه. ويكفي هذا في قبول حديثه)
(٢) أخرجه ابن حبان (١/ ٢٨١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٠٢)، وعبد الله الأنصاري في ذم الكلام واهله (١/ ١٠٣)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (١/ ٤٠٣)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٣)، ورواه البخاري مختصرا في التاريخ (٤/ ٣٠١)، وقال ابن كثير في تفسيره: إسناد جيد (٢/ ٣٢٤).
(٣) صحح متن الحديث الألباني في الصحيحة (٨/ ٢٠٨).
[ ٣٤ ]
المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وأولئك يذكرون الله صباح مساء، وإنما هم إخواننا بغوا علينا» (^١).