١. قال ابن حجر في بيان ضابط التأويل المردود الذي يعذر صاحبه ولا يذم: «قال العلماء. كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم». (^٣)
وهو ما نصت عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية بقولها: «إن المخطئ المعذور من أخطأ في المسائل النظرية الاجتهادية، لا من أخطأ فيما ثبت بنص صريح، ولا
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
[ ٦٣ ]
فيما هو معلوم من الدين بالضرورة». (^١)
٢. يقول الإمام ابن حزم -﵀-: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله -ﷺ- من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فلما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة). (^٢)
٣. وقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مواضع، واستدل بقصة الرجل من بني إسرائيل، وقدامة بن مظعون وغيرها، قال -﵀-: (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول -ﷺ- فقد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثم أسحقوني، ثم ذروني في اليم، فو الله لأن قدر الله على ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لأحمد الدويش ٢/ ٣٩.
(٢) الدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم ٤١٤.
[ ٦٤ ]
ذلك، فقال الله له ما حملك على ما فعلت، قال: خشيتك، فغفر اله) (^١) فهذا الرجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول -ﷺ- أولى بالمغفرة من مثل هذا) (^٢)، وقال أيضا: (إن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر والزنا وتأول، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإن كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر) (^٣)، ففي غير ذلك
_________________
(١) مضى تخريجه.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٣١.
(٣) كقدامة ابن مظعون وأصحابه ﵃، أخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣١٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٢٤٠) وأبو نعيم الأصبهاني في تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة (١/ ١٢٧)، وابن شبة النميري في تاريخ المدينة النبوية (٢/ ٦٥)،
[ ٦٥ ]
أولى وأحرى …) (^١) (^٢)