قال شيخ الإسلام ابن تيمية الله -﵀-: (وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط؛ حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) (^٢).
وقال أيضا: (إني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى) (^٣)
وقال ابن أبي العز الحنفي: (وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٨/ ١٧٣)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٣٥) وإسناده صحيح.
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٦٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٩).
[ ٣٥ ]
ولا يرحمه بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت) (^١).
وجاء في بيان هيئة كبار العلماء حول الغلو والتكفير وما ينجم عنهما من الفساد:
(ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات). (^٢)
فتبين مما سبق أن أهل السنة يطلقون التكفير بالعموم، وكذلك الوعيد ولكن الحكم على المعين بالكفر والوعيد لابد فيه من الدقة والاحتياط للتأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع.
(فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفر تاركها، كما ثبت في
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣١٦).
(٢) مجلة البحوث الإسلامية» العدد (٥٦)، (ص ٣٥٧ - ٣٦٢) وكتاب الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية جمع وإعداد محمد بن فهد الحصين ٦٥ - ٧٠، وينظر (حديث حول الأحداث ظاهرة الغلو والتكفير الأصول، والأسباب، والعلاج) للد. ناصر العقل ص ١٦.
[ ٣٦ ]
الصحاح عن النبي -ﷺ- في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم؛ فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له) (^١)، فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك وأنه لا يبعثه وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة لكنه كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته) (^٢).
لكن ظن بعض المتوهمين بسبب قراءتهم لهذه النصوص وأمثالها أن أهل السنة لا يكفرون المعين، هكذا بالإطلاق، وظنهم هذا شبيه بظن من اعتقد أن أهل السنة يتساهلون في مسألة التكفير، والحق أن أهل السنة يكفرون المعين وذلك إذا قامت عليه الحجة، وزالت الشبهة وانتفت الموانع، وتيقنوا من إصراره وتكذيبه، فلا يمتعون من تكفير المعين مطلقا، بل من أتي بقول كفري يخرجه من الملة أو فعلٍ كفريٍ يخرجه من الملة أو اعتقاد كفري يخرجه من الملة أو شك وارتياب
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب التوحيد/ باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) (٦/ ٢٧٢٥) ٧٠٦٧، ومسلم كتاب التوبة (٨/ ٩٧) ٧١٥٦.
(٢) الاستقامة لابن تيمية (١/ ١٦٤)
[ ٣٧ ]
يخرجه من الملة، فإنه بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع يحكم عليه العالم أو القاضي بما يجب من الردة ومن القتل بعد الاستتابة في أغلب الأحوال.
[ ٣٨ ]