هذه من المسائل العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام أو دعاوي لا يملكون عليها بينات، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده ومن باب تكليفهم بما يطيقون ويستطيعون، وكل ما سبق المقصود به الحكم الدنيوي على الشخص بالإسلام أو الكفر، أما الحكم على الحقيقة فلا سبيل إليه، يقول الإمام الشاطبي الله -﵀- مبينا أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله: (إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين
_________________
(١) لسان العرب: مادة (ظهر).
(٢) مستفاد من نواقض الإيمان الاعتقادية د. محمد الوهيبي (١/ ٢٠١)
[ ٢١ ]
وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه. لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: (خوفا من أن يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه) (^١) فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ريما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (^٢)، ولم يستثن من ذلك أحدا حتى أن رسول الله -ﷺ- احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت (^٣) فجعلها
_________________
(١) جزء من حديث، رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿؟؟؟؟ …﴾ الآية .. الفتح (٨/ ٦٤٨) ٤٦٢٢.
(٢) أخرجه البخاري ٨/ ٣٩٨ في تفسير سورة الأحزاب.
(٣) أما خزيمة فهو: خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعده، أبو عمار الأنصاري المدني، ذو الشهادتين شهد أحدا وما بعدها. استشهد مع علي ﵁ يوم صفين، صحابي جليل وله أحاديث، انظر لترجمته: طبقات ابن سعد ٤/ ٣٧٨، أسد الغابة ٢/ ١٣٣. والإصابة ٣/ ٩٣٠.
[ ٢٢ ]
الله شهادتين (^١) فما ظنك بأحاد الأمة، فلو ادعي أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية) (^٢)
واستند أهل السنة في تقريرهم لهذا الأصل العظيم إلى أدلة كثيرة منها:
١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]
_________________
(١) والقصة في هذا: أن النبي -ﷺ- ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي -ﷺ- ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله -ﷺ- المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي -ﷺ- ابتاعه فنادى الأعرابي رسول -ﷺ- فقال إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي -ﷺ- حين سمع نداء الأعرابي فقال «أوليس قد ابتعته منك «فقال الأعرابي لا والله ما بعتكه فقال النبي -ﷺ- «بلى قد ابتعته منك «فطفق الأعرابي يقول هلم شهيدا فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي -ﷺ- على خزيمة فقال «بم تشهد؟ «فقال بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي -ﷺ- شهادة خزيمة بشهادة رجلين. أخرجه أبو داود (٢/ ٣٣١)، والنسائي (٧/ ٣٠١)، وأحمد (٥/ ٢١٥). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣٦٠٧.
(٢) الموافقات للشاطبي ٢/ ٢٧١، ٢٧٢.
[ ٢٣ ]
قال الشوكاني قال: (والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمنا فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمنا والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذا وتقية) (^١).
وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀- (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، إلى أن يقول: (وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك) (^٢)
٢. واستدلوا بقوله -ﷺ-: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام،
_________________
(١) فتح القدير ١/ ٥٠١.
(٢) كشف الشبهات ٤٩.
[ ٢٤ ]
وحسابهم على الله». (^١)
والشاهد من الحديث قوله (وحسابهم على الله) قال ابن رجب: (وأما في الآخرة فحسابه على الله ﷿، فإن كان صادقا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار) (^٢). وقال الحافظ في الفتح: (أي أمر سرائرهم .. وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر) (^٣) وقال الإمام البغوي: (وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه) (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الإيمان، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ .. الآية (الفتح) ١/ ٧٥، ومسلم كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (شرح النووي) ١/ ٢١٠.
(٢) جامع العلوم والحكم ٨٣.
(٣) فتح الباري ١/ ٧٧، وانظر شرح النووي ١/ ٢١٢، وجامع العلوم والحكم ٨٣.
(٤) شرح السنة ١/ ٧٠.
[ ٢٥ ]
٣. واستدلوا أيضا بقصة أسامة؟ المشهورة قال: "بعشنا رسول الله -ﷺ- في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة) (^١)
فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: أقال لا إله إلا الله وقتلته قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» (^٢)، (^٣)
والحديث فيه زجر شديد وتحذير من الإقدام على قتل من تلفظ بالتوحيد وتحذير صريح من تجاوز الظاهر والحكم على ما في القلب دون بينة، قال النووي -﵀-: (وقوله -ﷺ- أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟
الفاعل في قوله أقالها هو القلب (^٤)، ومعناه
_________________
(١) الحرقات من جهينة: هم بطن من جهينة، وانظر في سبب تسميتهم الفتح ١٢/ ١٩٥.
(٢) حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ: (أي لم يكن تقدم إسلامي بل ابتدأت الآن الإسلام ليمحو عني ما تقدم) شرح النووي ٢/ ١٠٤.
(٣) رواه مسلم، واللفظ له كتاب الإيمان، " باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله " (مسلم بشرح النووي ٢/ ٩٩)، والبخاري، كتاب الديات "باب قول الله تعالى: ﴿ومن احياها .. الآية) (الفتح ٧/ ٥١٧، ١٢/ ١٩١)، وانظر أحاديث شبيهة، مسلم بشرح النووي ٢/ ٩٨ - ١٠١، "كتاب المغازي" باب بعث النبي -ﷺ- أسامة.
(٤) أي أقالها خوفا من السلاح أم لا؟
[ ٢٦ ]
أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال أفلا شققت عن قلبه التنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت الست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب ولا تطلب غيره) (^١) وقال أيضا في تعليقه على قوله -ﷺ-: "أفلا شققت عن قلبه؟» (وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام فيها بالظاهر والله يتولى السرائر) (^٢)
٤. ومن الأحاديث العظيمة في هذا الباب حديث جارية معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله -ﷺ-: " أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (^٣).
قال شيخ الإسلام في تعليقه على هذا الحديث: (… فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو
_________________
(١) مسلم بشرح النووي ٢/ ١٠٤.
(٢) نفسه ٢/ ١٠٧.
(٣) رواه مسلم كتاب المساجد، "باب تحريم الكلام في الصلاة" رقم ٥٣٧.
[ ٢٧ ]
الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي -ﷺ-: " أعتقها فإنها مؤمنة» أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار) (^١)، (لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة) (^٢)
ولذلك كان -ﷺ- يعامل المنافقين على ظواهرهم مع علمه بنفاق كثير منهم ليقرر هذا الأصل العظيم (فهم في الظاهر مؤمنون يصلون مع الناس ويصومون، ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم .. ولم يحكم النبي -ﷺ- في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول وهو من أشهر الناس بالنفاق ورثه ابنه عبد الله وهومن خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين .. لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو
_________________
(١) الإيمان ٣٩٨، وانظر ٢٠١، ٢٠٢، ٢٤٣.
(٢) نفسه ١٩٧.
[ ٢٨ ]
علق بذلك لم تمكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهروه من موالاة المؤمنين .. وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين) (^١)