١. مجرد النطق بالشهادتين كافي في الحكم بإسلام الشخص: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد علم بالاضطرار من دين الرسول -ﷺ-، واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما والعدو وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال» (^٢). يقول الحافظ ابن حجر: «… وفي حديث ابن عباس: (حديث بعث معاذ إلى اليمن من الفوائد: الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين». (^٣)
"بعض الباحثين يخلطون بين الحكم الدنيوي والأخروي، فيظنون
_________________
(١) كشف الشبهات، ٤٥ - ٤٦، للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) ينظر: درء تعارض العقل (٨/ ٧).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٣٦٧).
[ ٤٤ ]
أنه يلزم من الحكم بإسلام الشخص، الحكم له بالنجاة في الآخرة، أو يظنون أن الشروط التي ذكرها العلماء لكلمة التوحيد من العلم والإخلاص واليقين .. إلخ، لا يحكم بإسلام الشخص إلا بعد فهم هذه الشروط، ولكن الحقيقة أن مجرد النطق بكلمة التوحيد لا ينجي العبد عند الله إلا بالإتيان بشروطها.
أما بالنسبة للحكم الدنيوي فمجرد النطق كاف في الحكم بإسلام المرء حتى يتبين لنا ما يناقض ذلك بعد قيام الحجة وبذلك ندرك الخطأ الذي وقع فيه من يرى أن من يقعون في شيء من الشرك من نذر وذبح لغير الله وطواف على القبور ممن شهد بشهادة التوحيد كفار أصليون باعتبارهم لم يفهموا التوحيد.» (^١)
٢. قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص: قال ابن تيمية -﵀-: «وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرا مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة؛
_________________
(١) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (١/ ٢٣٧).
[ ٤٥ ]
فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول». (^١)
ويمكن أن يقاس على حديثي العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من وينبههم» (^٢)
يقول الدكتور الوهيبي بعد نقله نصوصا لأهل العلم حول المسألة: «يمكن أن نستخلص من أقوال الأئمة السابقة ما يلي:
اتفاق الأئمة على أن حديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة يعذر بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة
كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم شرب الخمر .. الخ.
أن من أنكر هذه الأمور في دار إسلام وعلم ولم يكن حديث عهد بإسلام أنه يكفر بمجرد ذلك، وبذلك ندرك خطأ من يظن أن الجاهل لا يكفر مطلقا.
" أن هناك أحكاما ظاهرة متواترة مجمع عليها، ومسائل خفية
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧).
(٢) مجموعة الشيخ فتاوى ومسائل (٩/ ١١).
[ ٤٦ ]
غير ظاهرة ولكنها لا تعرف إلا من طريق الخاصة من أهل العلم؛ فهذه من أنكرها من العامة لا يكفر، ولكن من أنكرها من الخاصة يكفر إذا كان مثله لا يجهلها.
* أيضا يمكن أن يقاس على حديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد» (^١).
٣. كيفية قيام الحجة على المعين: لا بد من قيام حجة تنفي عن من تقام عليه أي شبهة أو تأويل، يقول ابن تيمية: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي -ﷺ- وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها». (^٢)
_________________
(١) نواقض الإيمان الاعتقادية (١/ ٢٤٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٤٦).
[ ٤٧ ]
ويقول الإمام بن حزم -﵀-: «وكل ما قلناه فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه، معذور مأجور وإن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق» (^١) ومن هنا يتبين دور العلماء في إقامة الحجة على الجاهل بحيث تنتفي عنه الشبه ويزول الجهل.