ليس كل من ادعى الإكراه يقبل منه، بل لابد من شروط يجب توافرها ليكون الإكراه معتبرا ومؤثرا فيما يقدم عليه المكلف من أقوال أو أفعال أوترك، وهذه الشروط هي:
_________________
(١) اشترط بعض الفقهاء للنطق بكلمة الكفر، أن يكون الإكراه تاما (ملجئا)، واشترط آخرون التعريض والتورية بالكفر حال الإكراه، ولم يسندوا كلامهم بأدلة معتبرة، ينظر بعض هذه الأقوال في بدائع الصنائع ٧/ ١٧٧ حاشية ابن عابدين ٦/ ١٣٤، أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٧٨ وأحكام الجصاص ٣/ ١٩٢، ١٩٤، والإكراه وأثره في التصرفات، د. عيسي شقرة ١١٥ - ١١٨، والإكراه وأثره في الأحكام د. عبد الفتاح الشيخ ٦٣ - ٦٦.
(٢) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير للدكتور محمد الوهيبي ج ٢ ص ١٧ - ١٨.
(٣) من حديث ابن عباس، أخرجه ابن حبان (١٦/ ٢٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٥٦) (١٠/ ٦٠) وفي المعرفة (١٢/ ٢٢٩٩ (١٥/ ٣٢٧) والطبراني في الكبير (٩/ ٣٤٠)، والصغير (٢/ ٥٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٩٥)، وابن حزم في الأحكام (٥/ ٧١٣)، وحسن إسناده النووي في الأربعين ح ٣٩، وصححه الألباني في المشكاة لطرقه (٣/ ٣٧٢). والحديث مروي من طرق عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي ذر وأبي الدرداء وثوبان -﵃-.
[ ٥٦ ]
١. أن يكون المكره قادرا على تحقيق ما أوعد به، لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة، فإن لم يكن قادرا لم
يكن للإكراه معنى ولا اعتبار.
٢. أن يكون المكره عاجزا عن الدفع عن نفسه بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك.
٣. أن يغلب على ظنه وقوع الوعيد، إن لم يفعل ما طلب منه (^١).
لكن ينبغي أن نعلم، أنه وإن جاز قول الكفر أو فعله بسبب الإكراه إلا أن الصبر أفضل وأعظم أجرا، قال ابن بطال -﵀-: (أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل، أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة) (^٢).
ويقول الإمام ابن العربي -﵀-: (إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها …) (^٣).
وقال الحافظ ابن كثير -﵀-: (والأفضل والأولى أن يثبت
_________________
(١) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (٢/ ١٥).
(٢) فتح الباري ١٢/ ٣١٧، وانظر تفسير القرطبي ١٠/ ١٨٨.
(٣) أحكام القرآن ٣/ ١١٧٩.
[ ٥٧ ]
المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله) (^١).
واستدلوا لذلك بأحاديث كثيرة:
من أشهرها حديث خباب بن الأرت؟ وفيه قوله -ﷺ-: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه) (^٢)
قال الإمام القرطبي -﵀-: (فوصفه -ﷺ- هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر، وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة …) (^٣).
ويتأكد الصبر حق من يقتدي به العوام ويتبعونه في تصرفاته وأقواله، وفي هذا المعنى قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل -﵀- حين سئل عن العالم وهل يأخذ بالتقية قال: (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟) (^٤)
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٨٨، وانظر المغني ٨/ ١٤٦، وأحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٩٢.
(٢) رواه البخاري، كتاب الإكراه/ باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر (١٧/ ٣٦٤) ٦٩٤٣.
(٣) تفسير القرطبي ١٠/ ١٨٨.
(٤) ينظر: نواقض الايمان للوهيبي ج ٢ ص ١٨
[ ٥٨ ]