من ضوابط تكفير المعين عند أهل السنة أن يكون من تلبس بالكفر مريدا له وقاصدا غير مخطئ.
القصد لغة: استقامة الطريق، قصد يقصد قصدا، فهو قاصد، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي على الله تبيين الطريق المستقيم، والقصد العدل (^٢).
واصطلاحا. الإرادة. (^٣)
_________________
(١) الإحكام، (١/ ٦٧)، لابن حزم.
(٢) لسان العرب، (٣/ ٣٠٣) مادة (ق ص د).
(٣) حاشية العطار، (٢/ ٥٩).
[ ٤٨ ]
والخطأ لغة: ضد الصواب. (^١)
واصطلاحا: كل ما يصدر عن المكلف من قولٍ أو فعلٍ خال عن إرادته وغير مقترن بقصد منه. (^٢)
أ. الأدلة على شرط القصد، والعذر بالخطأ:
١. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال: فقد فعلت. (^٣)
٢. قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]
٣. حديث النعمان بن بشير عن رسول الله -ﷺ-: "الله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي
_________________
(١) لسان العرب، (١/ ٦٥ - ٦٨) مادة (خ ط أ).
(٢) ينظر: المفردات، ١٠٢.
(٣) أخرجه مسلم كتاب الإيمان (١/ ٨٠، ٨١) ٣٤٤، ٣٤٥.
[ ٤٩ ]
وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (^١).
٤. قوله -ﷺ- كما رواه ابن عباس: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^٢)، قال الحافظ
ابن رجب في شرحه لهذا الحديث: "الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئا فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلما، والنسيان أن يكون ذاكرا الشيء فينساه عند الفعل، وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، ولو قتل مؤمنا خطأ فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ بظنه أنه مال نفسه .. " (^٣)
٥. قوله -ﷺ-: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (^٤)، قال الحافظ الخطيب
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب التوبة (٨/ ٩١) ٧١٣٦.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة (١/ ٦٥٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٦١) وقال البوصيري عن هذا الإسناد: هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع. مصباح الزجاجة (١/ ٣١٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٥/ ٤٥). والحديث مروي من طرق عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي ذر وأبي الدرداء وثوبان؟.
(٣) جامع العلوم والحكم، ٣٥٢.
(٤) رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/ باب أجر الحاكم إذا اجتهد (١٨/ ٣٤٤) ٧٣٥٢، ومسلم في الأقضية (٣/ ١٣٤٢) ١٧١٦.
[ ٥٠ ]
البغدادي -﵀-: «فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم أقرب لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي -ﷺ- لم يجعل للمخطئ أجرا على خطئه، وإنما جعل له أجرا على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، وأما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته». (^١)
يقول شيخ الإسلام: "وأما "التكفير"؛ فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد -ﷺ- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدي، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقا، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته. (^٢)
وبعد إيراد الأدلة يتبين لنا إعذار المخطئ وأن حكمه حكم الجاهل والمتأول، فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه إن كان مجتهدا فيما يسوغ فيه الاجتهاد فله أجر اجتهاده ولو أخطأ، أما إن لم يكن مجتهدا وأخطأ فيأثم لتفريطه.
_________________
(١) الفقيه والمتفقه، (١/ ١٩١).
(٢) مجموع الفتاوى، (١٢/ ١٨٠).
[ ٥١ ]