إن سند مشروعية هذه التسمية، وتلك النسبة الشريفة ثابت بدلالة الكتاب وصحيح السنة وصريح آثار الصحابة والسلف، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: دلالة الكتاب:
وتتمثل في الآيات الآمرة باتباع النبي ﷺ وطاعته فيما أتى به، وأن طاعته من طاعة الله ﷿، والتحذير من مخالفته وعصيانه، فصار اتباع النبي ﷺ وطاعته اتباعا للكتاب، وطاعة للآيات القرآنية المشار إليها.
وقد ورد هذا المصطلح في سنة النبي ﷺ، فصار اتباعه اتباعًا للقرآن على الوصف المذكور.
وقد ورد تفسير بعض آي الذكر الحكيم بالسنة والجماعة، كما سيأتي هنا.
ومن ذلك أيضا تفسير الصراط المستقيم بالسنة والجماعة١.
ثانيا: دلالة السنة:
إن هذا المصطلح والوصف مستمد في الحقيقة من سنة النبي ﷺ؛ لأنه الآمر بالعناية بالسنة، فقال: "عليكم بسنتي" ٢، وهو الآمر بالجماعة، فقال: "وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن: الجماعة،.." ٣، وهو الذي نهى عن الفرقة، فقال: "من
_________________
(١) ١ انظر: الإتقان للسيوطي "٢/ ٤٦٩". ٢ حديث صحيح: سبق تخريجه. ٣ أخرجه أحمد "١٦٧١٨، ١٧٣٤٤، ٢٢٤٠٣"، والترمذي "٢٨٦٣"، وابن خزيمة "١٨٩٥"، وابن حبان "٦٢٣٣"، والحاكم "٤٠٤" من حديث الحارث الأشعري ﵁، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وصححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع "١٧٢٤".
[ ٢٩ ]
فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية" ١.
"فأهل السنة والجماعة إنما سماهم الرسول ووصفهم بذلك"٢.
وليس لأهل السنة والجماعة رسم ولا سم يتسمون به خصوصا غير هذا الاسم، الذي يعني في الحقيقة التزام الجادة والمحجة البيضاء التي تركنا عليها النبي ﷺ، "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"٣.
سئل مالك ﵀ عن السنة، فقال: "هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] "٤.
ولما سئل مالك ﵁ عن أهل السنة، قال: "أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي"٥.
ثالثا: آثار الصحابة والسلف:
ومن ذلك قول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة"٦.
وقال أيضا: "النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة عبادة"٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٧٠٥٣، ٧٠٥٤"، ومسلم "١٨٤٩" من حديث ابن عباس ﵄. ٢ مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة د. ناصر العقل ص٧٨. ٣ مجموع الفتاوى لابن تيمية "٣/ ٣٤٦". ٤ الاعتصام للشاطبي "١/ ٥٨". ٥ الانتقاء لابن عبد البر ص٣٥. ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٧٢"، والشرح والإبانة لابن بطة "١٣٧"، وتاريخ جرجان لأبي القاسم الجرجاني ص١٣٢، وانظر: فتح القدير للشوكاني "١/ ٣٧١". ٧ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٥٤".
[ ٣٠ ]
وقال سعيد بن جبير ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٢٨": "لزم السنة والجماعة"١.
"وروي نحوه عن مجاهد، والضحاك وغير واحد من السلف"٢.
وقال أيوب السختياني ﵀: "إذا كان الرجل صاحب سنة وجماعة، فلا تسأل عن أي حال كان فيه"٣.
وقال عمرو بن قيس الملائي ﵀: "إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة، فارجه"٤.
وقال سفيان الثوري ﵀: "إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة"٥.
وقال قتيبة بن سعيد: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة"٦.
وورد نحو هذا في المعافى بن عمران٧، وجماعة من الأئمة والرواة٨.
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٧١"، وتفسير البغوي "٣/ ٢٢٧"، وتفسير ابن كثير "٣/ ١٦٢". ٢ تفسير ابن كثير "٣/ ١٦٢". ٣ المصدر السابق "٣٣". ٤ الشرح والإبانة لابن بطة ص١٣٣. ٥ الورع للإمام أحمد ص١٩٤، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٦٤"، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص١٧. ٦ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم "١/ ٣٠٨". ٧ تهذيب الكمال للمزي "٢٨/ ١٥٣". ٨ انظر على سبيل المثال: تهذيب الكمال للمزي "٢/ ١٠٦"، "٧/ ٣٩٤"، "١١/ ٢٨٦"، "١٦/ ٦١"، "٢٣/ ٥٣٦"، "٢٦/ ٥٩".
[ ٣١ ]
رابعًا: نصوص العلماء واستعمال الأئمة:
وقد نص العلماء على أن أهل السنة هم الصحابة، ومن اقتفى آثارهم.
قال شارح الطحاوية ﵀: "هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين"١.
وقال ابن تيمية ﵀: "ومذهب أهل السنة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله تعالى أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم ﷺ، ومن خالف في ذلك كان مبتدعا عند أهل السنة والجماعة وأحمد بن حنبل، وإن كان قد اشتهر بإمامة السنة فليس ذلك؛ لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولا، بل إن السنة كانت موجودة معروفة قبله، علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة"٢.
وسبق قول ابن حزم ﵀: "أهل السنة هم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم -أي أهل السنة- الصحابة ﵃، ومن سلك منهجهم من خيار التابعين، ثم أصحاب الحديث، ومن اتبعهم من الفقهاء، جيلا فجيلا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها، رحمة الله عليهم"٣.
وقال أيضا: " وأن من اتبع أحدًا دون رسول الله ﷺ، فلم يتبع السنة ولا الجماعة، وأنه كاذب في دعواه السنة والجماعة، فنحن معشر المتبعين للحديث المعتمدين عليه أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري، وأننا أهل الإجماع كذلك"٤.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي "٢/ ٥٤٤". ٢ منهاج السنة النبوية لابن تيمية "٢/ ٦٠١-٦٠٢". ٣ الفصل في الملل والنحل لابن حزم "٢/ ١٠٧". ٤ الإحكام لابن حزم "٤/ ٥٢٥".
[ ٣٢ ]
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "صار المتمسكون بالإسلام المحض هم أهل السنة والجماعة"١.
وهذا يشمل الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولذا بدأ علماء الاعتقاد عند ذكر أئمة أهل السنة والجماعة بالصحابة، ثم من بعدهم من التابعين.
ومن ذلك:
قول اللالكائي في صدر كتابه: "باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة، والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأمة: فمن الصحابة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، فعد جماعة من الصحابة ﵃، ثم جماعة من التابعين من أهل المدينة ومكة، ومصر وبغداد وواسط وغيرهم٢.
وذكر موقف المعتزلة من أهل السنة والجماعة، ثم قال: " ما قذفوا به المسلمين من التقليد" إلخ، فسوى بين "أهل السنة والجماعة"، وبين "المسلمين"٣، وهذا صريح في أن أهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام الصحيح المتلقى عن النبي ﷺ من لدن الصحابة، وأتباعهم حتى آخر الزمان، فمن خالف هؤلاء في أصولهم لم يكن من أهل السنة والجماعة.
هذا، وقد استعمل الأئمة هذا الاسم والمصطلح المبارك في النص على أمور الاعتقاد الصحيحة تمييزا لها عن غيرها، كما فعل ذلك قتيبة بن سعيد الثقفي ﵀، ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء٤، بل جعل بعض الأئمة هذا الاسم ضمن
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٣/ ١٥٩". ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٢٩-٤٩". ٣ المصدر السابق "١/ ١٣". ٤ انظر على سبيل المثال: سير أعلام النبلاء للذهبي "١١/ ٢٠".
[ ٣٣ ]
عناوين كتبهم في العقيدة كما فعل اللالكائي ﵀ في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكما فعل قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني ﵀ في كتابه "الحجة في بيان المحجة، وشرح عقيدة أهل السنة".
خامسا: ترادفه مع مصطلحات شرعية.
ثم إن هذا المصطلح يرادف عند الإطلاق مصطلحات شرعية أخرى مثل أهل الحديث، والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، والسلف الصالح، كما سيتبين في المبحث التالي.
ومن جملة ما تقدم يتضح جليا أن مذهب أهل السنة قديم، وأن التسمية قديمة، تبدأ ببداية الإسلام؛ لأن أهل السنة على الحقيقة هم أهل الإسلام، المتبعون لسيد الأنام، وعلى هذا سار أئمة أهل السنة والجماعة، وكلام اللالكائي السابق قريبا صريح في ذلك، ويظهر هذا جليا بالنظر إلى صفاتهم وخصائصهم، كما أن أول من دعي "بإمام أهل السنة"، هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وفي هذا رد على من زعم أن مذهب أهل السنة والجماعة، إنما عرف وظهر في زمن أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي، وأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية!! كما تبناه بعض العلماء قديما وحديثًا! ١. وفي نفي هذا الاسم عن الأشاعرة -مع قربهم في أصول ومسائل عقدية من أهل السنة- ما يقطع بانتفائه عن بقية أهل البدع والأهواء كالرافضة والمعتزلة، وإن تنازعوا هذه التسمية الشريفة.
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
وكما قيل:
والدعاوى إن لم تقم عليها بينات أصحابها أدعياء
_________________
(١) ١ راجع في القديم كلام الباقلاني في "الإنصاف فيما يجب اعتقاده، ولا يجوز الجهل به" ص١٠٨، و"الفرق بين الفرق" للبغدادي ص٢٦، ومثله الإسفراييني في "التبصير في الدين" ص٢٥، وكذا الجويني والغزالي والرازي، وراجع في الحديث كلام الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" ص١٢٥، وكلام وهبي سليمان غاوجي الألباني في "أركان الإيمان" ص٢٥، وغيرهم كثير.
[ ٣٤ ]