لقد تقدم أن أدلة مسائل التوحيد من أقوى الأدلة ثبوتًا وأصرحها دلالة، وعامة مسائل الاعتقاد -لأجل هذا- متفق عليها بين سلف الأمة.
والله تعالى أمر بالدخول في شرائع الإيمان كافة، ونهى عن الإيمان ببعض والتكذيب ببعض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وأمر المؤمنين أن يقولوا: ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] .
وفي الحديث: "إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا؛ بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" ١.
"فينبغي للمسلم أن يقدر كلام الله ورسوله، فجميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس"٢.
فكل ما أمر به الشارع أو نهى عنه، أو دل عليه وأخبر به، فحقه، التصديق والتسليم مع الإجلال والتعظيم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند "٦٦٦٣"، وابن ماجه "٨٥" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند "٦٧٠٢": "إسناد صحيح". ا. هـ. وأصل الحديث في صحيح مسلم "٢٦٦٦"، عن عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى رسول الله -ﷺ- يومًا، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله -ﷺ- يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". ٢ الإيمان لابن تيمية ص٣٣ باختصار.
[ ٢٧٨ ]
وما كان -من أمر الله- متعلقًا بعمل فحقه الامتثال بلا تردد، والاتباع بلا هوى.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] .
والسنة صنو الكتاب في وجوب التسليم والتعظيم، قال الأوزاعي١ للزهري: يا أبا بكر، حديث رسول الله -ﷺ: "ليس منا من لطم الخدود" ٢، و"ليس منا من لم يوقر كبيرنا" ٣، وما أشبه من الحديث ما معناه؟ فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه فقال: "من الله -عز وحل- العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"٤.
وورد ذلك عن الزهري عقب روايته لحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "، والحديث رواه الأوزاعي عن الزهري، ثم قال: فقلت للزهري: ما هذا؟
_________________
(١) ١ في أهل الرواية قال رجل للزهري، قال ابن حجر: "وهذا الرجل هو الأوزاعي "انظرتغليق التعليق "٥/ ٣٦٦"، وسيأتي ما يؤكد ذلك بعد قليل. ٢ أخرجه البخاري "١٢٩٤"، ومسلم "١٠٣" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁. ٣ أخرجه أحمد "٢٧٨٢٣"، وهناد في الزهد "١٣٢١"، والبخاري في الأدب المفرد "٣٥٥"، والترمذي "١٩٢٠"، وأبو داود "٤٩٤٣" من حديث أنس بن مالك -﵁-، وقد صححه النووي في الرياض، والألباني في صحيح الجامع "٥٤٤٥"، وحسنه العراقي والسيوطي. انظر: الجامع الصغير "٥٤٤٥". ٤ السنة للخلال "٣/ ٥٧٩"، والجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع للخطيب "٢/ ١١١"، وأدب الإملاء والاستملاء للسمعاني "ص/ ٢٦"، وتغليق التعليق لابن حجر "٥/ ٣٦٥-٣٦٦"، وانظر: كتاب خلق أفعال العباد للبخاري "ص/ ٧٦"، والصحيح له "قبل رقم/ ٧٥٣٠" في كتاب التوحيد، والتمهيد لابن عبد البر "٦/ ١٤"، والاعتقاد للبيهقي ص٢٥١، والصواعق المرسلة "٢/ ٧٣٧" "٤/ ١٤٣٢"، وشرح الطحاوية ص٢١٩، والرد على القائلين بوحدة الوجود لعلي بن سلطان الهروي الحنفي ص٤٨، فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٥٠٤".
[ ٢٧٩ ]
فقال: "على رسول الله -ﷺ- البلاغ وعلينا التسليم"١. وفي رواية: "من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم، أمروا أحاديث رسول الله -ﷺ- كما جاءت"٢، زاد في لفظ: "من الله القول، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أمروا حدث رسول الله -ﷺ- كما جاء بلا كيف"٣. وقال مرة: "وكانوا يجرون الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- كما جاءت تعظيمًا لحرمات الله"٤.
وورد نحو ذلك عن الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك لما سئل عن الاستواء، فقال: "مجهول معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق"٥.
وقال ابن تيمية: "هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك"٦.
ومثل هذا قول الإمام مالك -﵀- حين سئل عن الاستواء، فقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "٧.
"والإنسان إذا علم أن الله تعالى أصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، وأن رسوله هو رسول الله بالنقل والعقل والبراهين اليقينية، ثم وجد في عقله ما ينازعه في خبر الرسول، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، فإن
_________________
(١) ١ صحيح ابن حبان "١/ ٤١٤ رقم ١٨٦"، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي "٥٢٠". ٢ حلية الأولياء "٣/ ٣٦٩". ٣ سير أعلام النبلاء للذهبي "٥/ ٣٤٦". ٤ الاعتقاد للبيهقي ص٢٥١. ٥ رواه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة "٦٦٥" "٩٢٨"، وانظر: تذكرة الحافظ للذهبي "١/ ١٥٨"، وفتح الباري لابن حجر "١٣/ ٤٠٦"، والمجهول هو الكيفية، والمعقول هو المعنى. ٦ مجموع الفتاوى "٥/ ٣٦٥". ٧ أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد "٣/ ٣٩٨"، والبيهقي في الاعتقاد "١/ ١١٦"، وأبو نعيم في حلية الأولياء "٦/ ٣٢٦"، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد "١/ ٣٦٥".
[ ٢٨٠ ]
العامي يصدق لأهل الاختصاص ما يقولونه دون اعتراض، وإن لم يتضح له وجهه، وإذا اتضح ازداد نورًا على نور، فكيف حال الناس مع الرسل وهم الصادقون المصدقون؛ بل لا يجوز أن يخبر الواحد منهم خلاف ما هو الحق في نفس الأمر"١.
قال الإمام الطحاوي -﵀: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا، شاكا زائغًا لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا"٢.
وبضدها تتميز الأشياء، فأين هذا المنهج السديد، والتعقيد الرشيد، الذي سار عليه أهل السنة، من مثل قول عمرو بن عبيد -إمام المعتزلة: "لو كانت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] في اللوح المحفوظ، لم يكن لله على العباد حجة! "٣.
أو قوله في حديث الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة. الحديث" ٤، قال -قبح الله قوله: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته، ولو سمعت رسول الله -ﷺ- يقول هذا لرددته، لو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا"٥.
وأخيرًا فإن في الإلتزام هذ القاعدة إثبات عصمة المرسلين، وتحقيق متابعة الرسول فيما أخبر وأمر، ومجابة مسالك المغضوب عليهم والضالين الذين ردوا على
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "١/ ١٤١". ٢ شرح الطحاوية لابن أبي العز "١/ ٢٣٣، ٢٤٢". ٣ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي "١٢/ ١٨٢"، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي "٦/ ١٠٤". ٤ أخرجه البخاري "٣٢٠٨"، ومسلم "٢٦٤٣" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁. ٥ تاريخ بغداد للخطيب البغداد "١٢/ ١٧٠"، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي "٦/ ١٠٤، ١٠٥".
[ ٢٨١ ]
أنبيائهم، وحصول رتبة الراسخين، والنجاة من مذاهب المبتدعين، ودفع توهم التعارض بين النقل والعقل.
[ ٢٨٢ ]