وتعني أن أهل السنة لا يقتبسون عقيدتهم إلا من مشكاة النبوة، قرآنا وسنة، لا عقل ولا ذوق ولا كشف، ولا يجعلون شيئًا من ذلك معارضا للوحي، بل هذه إن صحت كانت معضدة لحجة السمع، فالوحي هو الأصل المعتمد في تقرير مسائل الاعتقاد.
قال قوام السنة الأصبهاني: "وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبهم الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتبا والسنة، فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه، وشكروا لله هيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجوده مخالفا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب ولاسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني، وهو واحد زمانه في المعرفة: "ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت منها شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتت بهما، وإلا رددته في نحرها. أو كلام هذا معناه"١.
وقال شيخ الإسلام: "ولا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به رسول الله ﷺ بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه"٢.
"فالذين يزعمون أنهم يستمدون شيئا من الدين عن طريق العقل والنظر، أو علم الكلام والفلسفة، أو الإلهام والكشف والوجد، أو الرؤى والأحلام، أو عن طريق
_________________
(١) ١ الحجة في بيان المحجة للأصبهاني "٢/ ٢٢٦". ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٤٧".
[ ٢٠٤ ]
أشخاص يزعمون لهم العصمة غير الأنبياء، أو الإحاطة بعلم الغيب "من أئمة أو رؤساء أو أولياء، أو أقطاب أو أغواث أو نحوهم"، أو يزعمون أنه يسعهم العلم بأنظمة البشر وقوانينهم، من زعم ذلك فقد افترى على الله أعظم الفرية"١.
أسباب التوفيقية:
وأما الأسباب التي حملت أهل السنة على الوقوف عند النصوص، وعدم تجاوزها فيمكن إجمالها فيما يأتي:
أولًا: تواتر النصوص الآمرة باتباع الكتاب والسنة ولزومهما.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . قال عطاء: "طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة"٢.
وقال ابن القيم: "روى أبو داود في مراسيله عن النبي -ﷺ- أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعة من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابًا غير كتابهم الذي أنزل على نبيهم" ٣، فأنزل الله -﷿- تصديق ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي، فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان، وقدمه على كلام الله ورسوله"٤.
_________________
(١) ١ بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر العقل ص٣٣. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماع لللالكائي "١/ ٧٢"، وتفسير الطبري "٥/ ١٤٧". ٣ المراسيل لأبي داود "٤٥٤" عن يحيى بن جعدة. وراجع أثر ابن عباس في النهي عن سؤال أهل الكتاب، رواه البخاري "٢٦٨٥". ٤ جلاء الأفهام لابن القيم ص١٧٩-١٨١.
[ ٢٠٥ ]
ثانيًا: ثبوت كمال الدين وتمام تبليغ الرسالة:
فالرسول -ﷺ- قد أوقف أمته على أصول ومسائل العقيدة بحيث لم يترك من تفاصيلها شيئًا إلا بينه، وهذ المعنى من ضرورات إكمال الدين الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، إذ العقيدة هي أهم ما في الدين.
نقل شيخ الإسلام -﵀ عن الخطابي قوله: "وكان الذي أنزل عليه -أي النبي ﷺ- من الوحي وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، فلم يترك شيئًا من أمور الدين، قواعده وأصوله، وشرائعه وفصوله، إلا بينه وبلغه، على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال، ومعلوم أن أمر التوحيد، وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدًا في كل وقت وزمان، ولو أخر عنه البان لكان التكليف واقعًا بما لا سبيل للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز"١.
وقال ابن القيم: "فعرف أي النبي -ﷺ- الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها، كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله، ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب.. وعرفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنًا إلا أمرهم به، ولا قبيحًا إلا نهاهم عنه، كما قال: "ليس من عمل يقرب إلى
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٧/ ٢٩٥، ٢٩٦".
[ ٢٠٦ ]
الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقر إلى النار إلا قد نهيتكم عنه" ١، قال أبو ذر -﵁: "لقد تركنا محمد -ﷺ، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا وهو أذكرنا منه علمًا"٢.
وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه؟ وجزاه عن أمته أفضل الجزاء"٣.
ويقول ابن عبد البر ﵀: "ليس في الاعتقاد كله، في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو ضح عن رسول الله -ﷺ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه"٤.
ثالثًا: حرمة القول على الله بغير علم:
لقد حرم الله تعالى الكلام بلا علم مطلقًا، وخص القول عليه بلا علم بالنهي، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه "٧/ ٧٩"، وهناد في الزهد "١/ ٢٨"، والحاكم في المستدرك "٢١٣٦"، والبيهقي في شعب الإيمان "٧/ ٢٩٩" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁، وفيه انقطاع في إسناده يعلم من علل الدارقطني "٥/ ٢٧٣ رقم ٨٧٥"، ومعناه مشهور في الشريعة لا يحتاج مثله لإسناد، ومن ذلك حديث المطلب بن حنطب أن رسول الله -ﷺ- قال: "ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئًا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه". رواه الشافعي في الأم "٧/ ٢٢٩" بإسناد لا بأس به. ٢ أخرجه أحمد في المسند "٢٠٨٥٤"، والطبراني في المعجم الكبير "١٦٤٧". ٣ جلاء الأفهام لابن القيم ص١٧٩-١٨١. ٤ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر "٢/ ١١٧، ١١٨".
[ ٢٠٧ ]
قال شيخ الإسلام: "وكل من أثبت لله ما نفاه عن نفسه، أو نفى عنه ما أثبته لنفسه من المعطلة والممثلة، فإنه قال على الله غير الحق، وذلك مما زجر الله عنه بقوله للنصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وبقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . فإن من قال غير الحق، فقد قال على الله ما لا يعلم، فإن الباطل لا يعلم إلا إذا علم بطلانه، فأما اعتقاد أنه الحق فهو جهل لا علم، فمن قاله فقد قال ما لا يعلم"١.
مظاهر التوقيفية:
والتوقف عند النصوص ودلالاتها كانت له آثار، ومظاهر في منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد، وقطع النزاع حولها، فمن ذلك:
١- الرد إلى الوحي عند النزاع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . قال مجاهد: "كتاب الله وسنة نبيه، ولا تردوا إلى أولي الأمر شيئًا"٢.
وقال شيخ الإسلام ﵀: "ما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات، والقدر، والوعيد، والأسماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك يردونه إلى الله
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٢/ ٤٦٤، ٤٦٥". ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي "١/ ٧٣"، وتفسير الطبري "٥/ ١٤٧".
[ ٢٠٨ ]
ورسوله، ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف: فما كان من معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان فيها مخالفًا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم"١.
٢- حبس اللسان عن الكلام في العقيدة إلا بدليل هاد من الكتاب والسنة، واعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد وأصول الدين، والتعبير بها عن المعاني الشرعية، وفق لغة القرآن وبيان الرسول -ﷺ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] . قال ابن عباس: "أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة"٢، وقال مجاهد: "لا تفتئتوا على رسول الله -ﷺ- حتى يقضيه الله على لسانه"٣.
"فلا بد من الالتزام بالكتاب والسنة ومعقولهما لفظًا ومعنى، فلا يستعمل في التعبير عن القعيدة إلا الألفاظ التي جاءت في الكتاب والسنة، ويجب أن تستعمل هذه الألفاظ فيما سيقت فيه من المعاني المرادة بها في الكتاب والسنة، فهو توقيف في مصادر العقيدة، وفي ألفاظها وأساليب التعبير عنها"٤.
قال شيخ الإسلام -﵀: "إن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه، وينفونه عن الله من صفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات، بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول"٥.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٤٧". ٢ انظر: روح المعاني للألوسي "٢٦/ ١٣٢"، وتفسير ابن كثير "٤/ ٢٠٦". ٣ انظر: تفسير البغوي "٤/ ٢٠٩". ٤ المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم البريكان ص٦٢، ٦٣. ٥ مجموع الفتاوى "٥/ ٤٣٢".
[ ٢٠٩ ]
٣- التسليم لله تعالى وللرسول -ﷺ، من غير تعرض لنصوص الوحيين بتحريف أو تأويل، أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل، وترك نصب شرك التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل، ومجانبة الجدال والمراء في نصوص العقيدة ومعاقدها الكلية، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين العقل والنقل، فمرده إلى الوهم في قطعية أحدهما ثبوتًا أو دلالة.
٤- سد باب الابتداع والإحداث في الدين، ورد جميع ما خالف سنة سيد الأنبياء والمرسلين -ﷺ، فمستند المشروعية -أبدًا- هو موافقة الشريعة المطهرة.
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر"١.
وقال شيخ الإسلام -﵀: "وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليستن بها، ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتحمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم علي لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدث حدث بعدهم فيما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان"٢.
٥- وأخيرًا فإن هذه التوقيفية والربانية لها أثرها العظيم في عصمة أهل السنة وعلومهم من الخطأ والزلل، والانحراف والاضطراب في فهم العقيدة، وترك التخليط
_________________
(١) ١ المرجع السابق: "١/ ٨٦". ٢ مجموع الفتاوى "٤/ ٧".
[ ٢١٠ ]
في مصادر التلقي والمرجعية، وتصفيتها من كل نفس كلامي مردود، أو شوب فلسفي مذموم، أو دخل مسلكي مبتدع، فالعقيدة ترجع إلى مصدر موثوق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه.
قال قوام السنة الأصبهاني: "غير أن الله أبي أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار؛ لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفًا عن سلف، وقرنًا عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون من أصحاب رسول الله -ﷺ، وأخذه أصحاب رسول الله -ﷺ- عن رسول الله -ﷺ، ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله -ﷺ- الناس من الدين المستقيم، والصراط القويم، إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث"١.
كما أن من ثمرات التوقيفية أنها ضمانة لتوحيد كلمة الأمة على منهج واحد، عندما تلتقي على هذا الوحي الإلهي بما فيه من موازين لا تضطرب، ولا نتأرجح ولا تتأثر بالهوى والدوافع الذاتية.
قال قوام السنة الأصبهاني: "وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف"٢.
وقال -﵀: "ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد. ونقلهم واحد، لا ترى بينهم
_________________
(١) ١ الحجة في بيان المحجة للأصبهاني: "٢/ ٢٢٣، ٢٢٤". ٢ المصدر السابق: "٢/ ٢٢٦".
[ ٢١١ ]
اختلافًا ولا تفرقًا في شيء وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم، ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ "١.
وإذا كان أهل السنة يستقون عقيدتهم من نبع واحد هو الوحي المعصوم، حتى صارت التوقيفية من أخص خصائص العقيدة عندهم، فإن أهل الأهواء والبدع قد تعددت مشاربهم، وخلطوا في مصادر عقائدهم، فتراهم يستدلون بالعقليات والأوهام، والظنون، والذوق، وآراء الرجال، والفلسفات، والروايات الضعيفة، وما لا أصل له، وغير ذلك من المصادر المنحرفة، وما كان من النصوص موافقًا لأصولهم البدعية وأهوائهم الردية أثبتوه، وما كان منها مخالفًا لأقوالهم وآراء كبرائهم تأولوه وردوه، فلم فلم يكن اعتمادهم في الحقيقة على الكتاب والسنة، بل على أصولهم البدعية.
قال ابن القيم -﵀: "وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها، فالعيار على ما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه، والقواعد التي أصلتها، فما وافقها أقروه ولم يتأولوه، وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه، ولهذا لما أصلت الرافضة عداوة الصحابة ردوا كل ما جاء في فضائلهم والثناء عليهم أو تأولوه، ولما أصلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يكلم أحدًا، ولا يرى بالأبصار، ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه، ولا له صفة تقوم به، أولوا كل ما خالف ما أصلوه، ولما أصلت القدرية أن الله سبحانه لم يخلق أفعال عباده، ولم يقدرها عليهم أولوا كل ما خالف أصولهم، ولما أصلت المعتزلة القول بنفوذ الوعيد، وأن من دخل النار لم يخرج منها أبدًا، أولوا كل ما خالف أصولهم، ولما أصلت المرجئة أن الإيمان هو المعرفة، وأنها لا تزيد ولا تنقص، أولوا ما خالف أصولهم، ولما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا
_________________
(١) ١ المصدر السابق: "٢/ ٢٢٤، ٢٢٥".
[ ٢١٢ ]
يقوم به ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وسموا ذلك حلول الحوادث، أولوا كل ما خالف هذا الأصل، ولما أصلت الجبرية أن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل بوجه من الوجوه، وأن حركات العباد بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار، أولوا كل ما جاء بخلاف ذلك، فهذا في الحقيقة هو عيار التأويل عند الفرق كلها"١.
ولما سار أهل السنة في طريق الوحي المعصوم، وصلوا إلى جنة الحق، وعصموا من الخطأ والزلل والاضطراب، وكانوا أمة واحدة لا تفرق بينهم، ولا اختلاف في مسائل الاعتقاد، ولما تنكب غيرهم الطريق، فخالفوا أمر رب العالمين، باتباع الصراط المستقيم، وعدم اتباع سبل الشياطين، وخالفوا أمر النبي الأمين، فولجوا الأبوا المفتحة، وهتكوا الستور المرخاة، تحقق فيهم وعيده سبحانه لمن خالف أمره وأمر نبيه -ﷺ، فتفرقوا عن سبيله واختلفوا، وزلوا واضطربوا، ووقعوا في التناقض، وأتوا بالعجائب، فهم في أمر مريج، يبدع بعضم بعضًا، ويفسق بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم بعضا، ذلك بما قدمت أيديهم، وأن الله ليس بظلام للعبيد.
قال قوام السنة الأصبهاني -﵀: "وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع، رأيتهم متفرقين مختلفين أو شيعًا وأحزابًا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضًا؛ بل يرتقون إلى التفكير يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره، تراهم أبدًا في تنازع وتباغض اختلاف، تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتهم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحشر: ١٤] "٢.
_________________
(١) ١ الصواعق المرسلة لابن القيم: "١/ ٢٣٠-٢٣٢". ٢ الحجة في بيان المحجة للأصبهاني: "٢/ ٢٢٥".
[ ٢١٣ ]