إن المصدر الذي تؤخذ منه مسائل أصول الدين هي الوحي، فكل ما يلزم الناس اعتقاده أو العمل به، قد بينه الله تعالى بالوحي الصادق عن طريق كتابه العزيز، أو بالواسطة من كلام المصطفى -ﷺ، أو ما يرجع إليهما من إجماع صحيح، أو عقل صريح دل عليه النقل وأرشد إليه.
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وفي الحديث قوله ﵊: " وأيم الله، لقد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء"، قال أبو الدرداء: صدق رسول الله -ﷺ، تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء"١، وفي رواية أخرى: "لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٢.
وفي صحيح مسلم لما قيل لسلمان الفارسي -﵁: "قد علمكم نبيكم -ﷺ- كل شيء حتى الخراءة! فقال: أجل "٣.
ودخول مسائل التوحيد وقضاياه في هذا العموم من باب الأولى؛ بل "من المحال أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه "٥"، وابن أبي عاصم في السنة "٤٩" من حديث أبي الدرداء -﵁. وقد حسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيح "٦٨٨". ٢ أخرجه أحمد "١٦٦٩٢"، والدارمي "٩٥"، وأبو داود "٤٦٠٧"، والترمذي "٢٦٧٦"، وابن ماجه "٤٤". وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة "٩٣٧". ٣ أخرجه مسلم "٢٦٢". ٤ مجموع الفتاوى "٥/ ٧، ٨".
[ ٢٨٨ ]
والرسول -ﷺ- بين مسائل التوحيد تارة بأدلتها النقلية مباشرة كأحوال البرزخ، ومسائل اليوم اليوم الآخر، وتارة يجمع إلى الأدلة النقلية الأدلة العقلية ويرشد إليها، فإما أن تكون أدلة مسائل علم التوحيد أدلة نقلية، أو أدلة نقلية عقلية.
وبهذا الأصل المبارك اعتصم أهل السنة والجماعة، فصدروا عن الوحي في تعلم التوحيد في مسائله وأدلته، "ولم ينصبوا مقالة ويجعلوها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول؛ يل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة، هو الأصل يعتقدونه ويعتمدونه"١.
وردوا عند التنازع في مسألة ما إلى نصوص الوحي، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، ومعنى الرد إلى الله سبحانه: الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى الرسول -ﷺ: الرد إلى سنته بعد وفاته، وهذا مما لا خلاف فيه بين جميع المسلمين"٢.
وفي إعمال هذه القاعدة نظر إلى الوحي بعين الكمال، واستغناء به عن غيره، واعتماد عليه، وتجنب اللوازم الباطلة لمذهب من يعول على العقل أو الذوق دون الشرع، وتحقيق للإيمان بالله واتباع رسوله -ﷺ، ونجاة من مسالك أهل الأهواء الذين يتقدمون بين يدي الله ورسوله بعلومهم، وعقولهم وأذواقهم، وحسم لمادة التقليد الباطلة، مع تحقيق الاجتماع والألفة ونبذ الاختلاف والفرقة.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣/ ٣٤٧". ٢ شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني ص٥٩٣.
[ ٢٨٩ ]