كل مسألة من المسائل الشرعية -ولا سيما مسائل الاعتقاد- لا يحكم فيها، نفيًا أو إثباتًا إلا بدليل، فما ورد الدليل بإثباته أثبت، وما ورد بنفيه نفي، وما لم يرد بإثباته ولا بنفيه دليل توقفنا، ولم نحكم فيه بشيء؛ لا إثبات ولا نفيًا، ولا يعني هذا أن المسألة خلية عن الدليل، بل قد يكون عليها الدليل، لكن لا نعلمه، فالواجب التوقف: إما مطلقًا أو لحين وجدان الدليل.
قال شيخ الإسلام -﵀: "ما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه فلا نثبت إلا بعلم ولا نفي إلا بعلم.. فالأقسام ثلاثة: ما علم ثبوته أثبت، وما علم انتفاؤه نفي، وما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته"١.
وقد وردت كثير من نصوص الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة السلف، وأهل السنة بالأمر بالكف عما لم يرد في الشرع، والسكوت عما سكت عنه الله ورسوله وأمسك عنه السلف، وترك الخوض فيما لا علم للإنسان به من دليل أو أثر.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] قال قتادة: "لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله"٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "١٦/ ٤٣١، ٤٣٢". ٢ تفسير ابن كثير "٥/ ٢٧".
[ ٣١٠ ]
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" ١.
وقال -ﷺ: "إن الله -﷿- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" ٢.
وقال ابن مسعود -﵁: "من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه -ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] الحديث٣.
وترجم الإمام البخاري -﵀ في كتاب الاعتصام من "صحيحه": "باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه، وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] "، و"باب: ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس ﴿وَلا تَقْفُ﴾ لا تقل: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] "٤.
وسأل رجل أبا حنيفة -﵀: ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٧٢٨٨"، ومسلم "١٣٣٧". ٢ رواه الدارقطني في سننه "٤٢"، والحاكم في المستدرك "٧١١٤"، والبيهقي في الكبرى "١٠/ ١٢"، وذكره ابن كثير في تفسير "١/ ٢٧٨" وصححه. ٣ رواه البخاري "٤٧٧٤"، ومسلم "٢٧٩٨". ٤ صحيح البخاري "٦/ ٢٦٥٨". ٥ ذم الكلام للهروي "١٣/ ٣٣٣".
[ ٣١١ ]
وروى اللالكائي بسنده عن أبي إسحاق قال: سألت الأوزاعي، فقال: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم"١.
وقال إبراهيم النخعي: "بلغني عنهم -يعني الصحابة- أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرا ما جاوزته به، وكفى على قوم وزرا أن تخالف أعمالهم أعمال أصحاب نبيهم ﷺ"٢.
وقال الشعبي: "عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول". وقال أيضًا: "ما حدثوك به عن أصحاب محمد -ﷺ- فخذه، وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش"٣.
وقال ابن عبد الهادي -﵀: "ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة، لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأجر"٤.
وقال ابن رجب -﵀: "فالعلم النافع من هذه العلوم كلها: ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣١٥". ٢ إعلام الموقعين "٤/ ١٥١". ٣ المصدر السابق "٤/ ١٥٢". ٤ الصارم المنكي، لابن عبد الهادي ص٤٢٧.
[ ٣١٢ ]
سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل"١.
_________________
(١) ١ فضل علم السلف على الخلف، لابن رجب ص١٥٠.
[ ٣١٣ ]