لا شك أن التوحيد جاءت به الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وأما علم التوحيد، فقد مر في وضعه وتدوينه بطورين:
أولهما: طور الرواية "ما قبل التدوين"، والثاني: طور التدوين والاستقرار.
وهذه لمحة عن كلتا المرحلتين.
أولا: طور الرواية:
لم يكن الرعيل الأول من الصحابة ﵃ بحاجة إلى التدوين في العلوم الشرعية، فقد كانوا يتلقون عن رسول الله ﷺ الوحيين،" ويوردون عليه ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه من الأسئلة أعداؤه وأصحابه، أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان"١، وكل ذلك رواه الصحابة عن النبي ﷺ لمن بعدهم، فكانت مسائل الاعتقاد محفوظة في أذهانهم، مستدلا عليها بكتاب ربهم، وسنة نبيهم ﷺ، ولم يقع بينهم اختلاف في شأن العقيدة، بل اجتمعوا على عقيدة صحيحة، سالمة نقية خالية من كل شوب، فكانوا" أقرب إلى أن يوفقوا إلى الصواب من غيرهم بما خصهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وتقوى الرب، فالعربية طريقتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم علموا التنزيل وأسبابه، والتأويل وآدابه، وعاينوا الأنوار القرآنية، والأشعة المصطفوية، فهم أسعد الأمة بإصابة الصواب، وأجدرها بعلم فقه السنة والكتاب"٢.
_________________
(١) ١ زاد المعاد لابن القيم "٣/ ٦٨٠". ٢ إعلام الموقعين لابن القيم "٤/ ١٤٨-١٥٠" بتصرف.
[ ١٧٥ ]
لأجل هذا لم يكن الصحابة ﵃ بحاجة إلى تدوين علم التوحيد، أو تصنيف كتب فيه.
ثانيا: طور التدوين:
وبدأ هذا في حياة التابعين، وإن وقعت في زمنه ﷺ صور من الكتابة والتدوين، حيث ابتدأ ذلك الإمام الزهري رحمه الله تعالى، ثم شاع ذلك في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، كما فعل الإمام مالك في الموطأ، حيث رتبت الأحاديث على أبواب تتعلق بالتوحيد مثل: باب الإيمان، وباب التوحيد، وباب العلم، إلخ
ولعل هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب فيما بعد بالتصنيف والبحث.
ومما أوقد جذوة التدوين ما وقع في آخر زمن الصحابة من بدع، واختلاف في العقدية، كما في مسألة القدر، وكان أول من تكلم به معبد الجهني "ت: ٨٠هـ"، ومسألة التشيع والغلو في آل البيت، وفتنة عبد الله بن سبأ، كما وقعت من قبل بدعة الخوارج وصرحوا بالتكفير بالذنوب، وبعد ذلك نشأ مذهب المعتزلة على يد واصل بن عطاء "ت: ١٣١هـ"، وصنف في مسائل من العقيدة ما خالف به الصحابة والتابعين، وخرج على إجماع خير القرن في الاعتقاد، فتصدى له التابعون بالرد عليه والمناظرة في هذه المسائل، ثم بدأ التصنيف في عقيدة أهل السنة حين أصبح ضرورة لا بد منها لنفي تأويل المبطلين، ورد انحراف الغالين، وكان أول مدون عرفناه في العقيدة -على هذا النحو- هو كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة ﵀ "ت: ١٥٠هـ"، وهو ثابت النسبة إليه، رواه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، كما رواه حماد بن أبي حنيفة. حدد فيه أبو حنيفة عقائد أهل السنة تحديدا منهجيا ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، واشتمل على خمسة أبواب -في أتم رواياته-: الأول في القدر، والثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والخامس في الإيمان، وفيه حديث عن الأسماء والصفات،
[ ١٧٦ ]
والفطرة، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، وغير ذلك من مباحث العقيدة.
فلو قال قائل: إن واضع علم التوحيد -بمعنى أول من وضع مؤلفا خاصا في الفن من أهل السنة- هو الإمام أبو حنيفة، لكان صادقا ولم يبعد عن الصواب، "وإن كان قد قيل: إن واضعه الإمام مالك بن أنس، وأنه ألف فيه رسالة، وقيل أيضا أنه لما كثرت الفتن أمر المنصور بوضع كتب لإزالتها والرد عليها"١.
كما ثبت أن الإمام ابن وهب ﵀ "ت: ١٩٧هـ"، وضع كتابا في القدر على طريقة المحدثين في جمع الأحاديث، وإن كان دون تبويب.
ولقد نسب كتاب بنفس اسم الفقه الأكبر للإمام الشافعي رحمه الله٢ "ت: ٢٠٤هـ"، تناول فيه مسائل الاعتقاد مسألة مسألة، ورد على الفرق المخالفة في ثنايا كلامه، إلا أن نسبة الكتاب إلى الإمام الشافعي غير موثقة، قال حاجي خليفة في كشف الظنون" لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء"٣.
ثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة في علم التوحيد، ولكن بأسماء مختلفة لهذا العلم، فمن أول ذلك كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام "ت: ٢٢٤هـ"، وتبعه على هذا كثيرون إلى يوم الناس هذا، كما ظهر مصطلح السنة للدلالة على ما يسمل من الاعتقادات، واشتهر ذلك زمن الإمام ﵀، ومن الكتب المصنفة باسم السنة، كتاب السنة لابن أبي شيبة ﵀ "ت: ٢٣٥هـ"، والسنة للإمام أحمد ﵀ "ت: ٢٤٠هـ"، وغير ذلك، ثم ظهر مصطلح التوحيد في مثل كتاب التوحيد لابن سريج
_________________
(١) ١ اللؤلؤ المنظوم في مبادئ العلوم لمحمد أبي عليان الشافعي ص٢٣٧. ٢ طبع بتحقيق د. محمد محمود فرغلي. ٣ كشف الظنون لحاجي خليفة "٢/ ١٢٨٧".
[ ١٧٧ ]
البغدادي ﵀ "ت: ٣٠٦هـ"، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ﵀ "ت: ٣١١هـ"، وواكب ذلك ظهور مصطلح أصول الدين، ثم ظهر التأليف باسم العقيدة أوائل القرن الخامس الهجري، واستقرت حركة التصنيف ومنهج التأليف، واستقل علم التوحيد علما متميزا عن غيره بلقب ومنهج مخصوص.
وأخيرًا فإن فيما سبق بيانه رد على من زعم -من الأشاعرة والماتريدية- أن واضعي علم التوحيد هما: أبو الحسن الأشعري "ت: ٣٢٤هـ"، وأبو منصور الماتريدي "ت: ٣٣٣هـ"، حيث سبقا بتآليف كثيرة كتبت على منهج أهل الحديث، أهل السنة والجماعة.
[ ١٧٨ ]